لعلّ السبب هو ابتعادي عن المكان الذي كان يعجّ بالضوء والحيويّة. كدتُ أستسلم للمزاج الكئيب الذي أخذ يزحف إليّ، لكنّني تماسكتُ وصرختُ متعمّدةً بنبرةٍ مشرقة، رافعةً كتفيّ بثقة.
“على أيّ حال، يكفي أن أتحمّل اليوم فقط!”
إن صمدتُ هذا اليوم فحسب، فسأتمكّن من لقاء أكسيل مجدّدًا ابتداءً من الغد. وبقدر ما طال غيابه عن ناظري، فقد عقدتُ العزم على أن ألتصق به غدًا بلا هوادة.
مهما حدث، لن أبتعد عن جانبه!
كنتُ أرسّخ هذا العزم في قلبي، حين لاحظتُ أنّ الريح بدأت تهبّ ببرودةٍ خفيفة، ربّما لأنّ الوقت صار متأخّرًا. فجأةً، ومع هبّةٍ قويّة، انزاح الرداء عن كتفيّ إلى الخلف، وانسدل شعري الورديّ بحرّيّة.
“……آه!”
رغم أنّ خصلات شعري تطايرت وتشابكت بفعل الريح، لم أشعر بالانزعاج، بل على العكس، كان الإحساس منعشًا.
‘منعش…….’
لعلّ السبب أنّني كنتُ أرتدي الرداء طوال وقتٍ طويل. فمجرّد نزعه منحني شعورًا هائلًا بالتحرّر.
ومع النسيم العليل البارد، أغمضتُ عينيّ دوّن وعيّ، متلقّيةً الهواء براحة…
ثم فجأةً، ‘آه، صحيح. قيل لي ألّا أخلع الرداء……!’
لا يعقل أنّ أحدًا تعرّف عليّ في تلك الأثناء، أليس كذلك؟ فالشعر الورديّ ليس لونًا شائعًا على الإطلاق.
وبينما أسرعتُ متأخّرةً لإعادة ارتداء الرداء، توقّفتُ تدريجيًّا عند مشهدٍ دخل إلى مجال بصري.
……مهلًا، إلى أين ذهب الجميع؟
كان عدد الناس قد انخفض بشكلٍ ملحوظ مقارنةً بالمرّة الأولى التي جئتُ فيها إلى النافورة. بدا وكأنّ ما يقارب النصف قد اختفى.
والأغرب أنّ من تبقّى لم يُبدِ أيّ اهتمامٍ بي. كان الجميع منشغلين بالذهاب إلى وجهاتهم.
هل كنتُ أتوهم؟ شعرتُ بإحراجٍ سخيف، كأنّني مصابة بوهم الشهرة، فحككتُ خدّي. وفي تلك اللحظة، ركض صبيّ صغير أمامي بسرعة البرق.
“أمّي، أسرعي! سيبدأ العرض إذا تأخّرنا!”
“إيد! لا تركض وحدك هكذا. ماذا لو سقطتَ أو أضعتَ أمّك؟”
“لكن يا أمّي! الألعاب الناريّة ستبدأ قريبًا! ماذا لو أخذ الآخرون الأماكن الجيّدة كلّها؟”
الألعاب الناريّة؟
آه، صحيح. أظنّ أنّه كان مكتوبًا في الكتيّب أنّ عرض الألعاب الناريّة يبدأ في المساء. أهذا هو الوقت؟
حينها فقط فهمتُ سبب اختفاء الناس فجأة.
بدا أنّ الجميع توجّهوا لمشاهدة الألعاب الناريّة.
الألعاب الناريّة……
نظرتُ إلى برج الساعة لأتأكّد من الوقت، ثم غرقتُ في التفكير.
كانت الساعة التاسعة والنصف مساءً. وإن شاهدتُ الألعاب الناريّة وعدتُ بعدها، فسيكون الوقت قرابة الحادية عشرة……
تذكّرتُ وجه ميري وهي توصيني مرارًا بالعودة مبكّرًا.
همم، ماذا أفعل؟ كنتُ أرغب حقًّا في مشاهدة الألعاب الناريّة.
وبينما كنتُ أفكّر مليًّا في الأمر، شعرتُ فجأةً بحركةٍ قريبة.
“واو، أيتها الأخت الجميلة، أتيتِ وحدك؟ إن كنتِ وحدكِ، ما رأيكِ أن تأتي معنا إلى هناك ونلعب سويًّا؟”
“صحيح. تعالي معنا. سيكون الأمر ممتعًا جدًّا. هناك الكثير من الشبان الوسيمين مثلنا.”
……ماذا؟ أخت؟
تجهم جبيني عند هذا النداء الغريب، ورفعتُ رأسي. كان أمامي رجلان ينظران إليّ من علٍ، يبتسمان ابتسامةً وقحة، ويتّخذان وضعيةً مستهترة.
‘يا للهول……! ما هذا؟!’
حين واجهتُ وجهيهما، شعرتُ بذعرٍ حقيقي.
وبصراحة، بعد أن ارتفعت معاييري بشكلٍ مبالغ فيه بسبب أكسيل وكيشيان، لم أعد قادرةً على تقبّل أمثالهما.
وليس هذا فحسب، بل إنّ الكلمات التي تفوّها بها كانت في غاية السوء. ومع ذلك، لم أستطع إظهار اشمئزازي صراحةً، فاكتفيتُ بإجبار شفتيّ المرتجفتين على الابتسام.
“آه، لا. شكرًا. أنا مع رفقة، لذا سأعتذر.”
“هيه، لكنّنا نراقبكِ منذ فترة، أليس كذلك؟ لا يوجد معكِ أحد، يا أخت. إن كذبتِ مرّةً أخرى، سنغضب منكِ.”
قال ذلك وهو يرفع أحد جانبي فمه بابتسامةٍ مستفزّة، فشعرتُ برغبةٍ حقيقيّة في فقء عينيّ.
‘……ما الذي رأيتُه للتوّ؟’
أيّ ثقةٍ هذه التي تسمح له بأن يصف نفسه بالوسيم؟ جرأته كانت مذهلة بحقّ.
ثم قال إنّهم كانوا يراقبونني منذ فترة. كان ذلك مرعبًا أكثر.
قرّرتُ أنّ الابتعاد هو الخيار الأفضل، فنهضتُ من عند النافورة وهممتُ بالمغادرة.
ارتبكا للحظة أمام وجهي الجادّ، ثم انفجرا بالضحك الخفيف.
“واو، كنتِ مخيفةً قليلًا للتوّ. أتعرفين كيف تصنعين هذا الوجه أيضًا؟”
“ظننّا أنّكِ جميلةٌ فقط، لكن لديكِ جاذبيّةٌ معاكسةٌ أيضًا.”
طبعًا. كما توقّعت، لا فائدة من الكلام.
من البداية إلى النهاية، كان تصرّفهما غبيًّا بثبات. شعرتُ أنّ بقاءي أكثر سيجعل هذا الغباء يعديني.
تخلّيتُ عن الحديث، وحاولتُ تجاوزهما بينما كانا يثرثران، لكن فجأةً، أُمسك معصمي.
“أنتِ لطيفة، لكن التمنّع الزائد ليس جميلًا، أتعلمين؟ النساء لا يعرفن هذا، لكن الرجال لا يحبّون الفتيات اللواتي يتمنّعن هكذا.”
“صحيح. لذا كفى هذا، وتعالي معنا. سنجعلكِ تستمتعين.”
كان صبري على وشك النفاد، وقد أشعلا النار أخيرًا.
‘……ما الذي يهذي به هذان بالضبط؟’
كانت يد الرجل لزجةً ومبلّلة بشكلٍ مقزّز، وبدأت تتحرّك من معصمي صعودًا.
وفي تلك اللحظة، انقطع الخيط الرفيع الذي كنتُ أتشبّث به من العقل. نفضتُ يده بقوّةٍ وعنف، وانفتح فمي أخيرًا.
“كفى إزعاجًا والتصاقًا! ألا تسمع كلمة لا؟ هل أذناك مسدودتان؟ لماذا لا تفهمان الكلام؟”
تفاجآ تمامًا بتغيّر موقفي، وقد بدت على وجهيهما علامات البلاهة. كأنّهما يتساءلان إن كانا قد سمعا خطأً.
لكنّني لم أتوقّف عند هذا الحدّ، بل أفرغتُ كلّ ما كنتُ أكبته. وما إن بدأت، لم تتوقّف الكلمات.
“أكرهكما. أكرهكما! أكره طريقة حديثكما، وأكره نظراتكما، وأكره حتّى أن نتنفّس في المكان نفسه. أفهمتما؟ لو أعطاني أحد عربةً محمّلةً بكما لرميتها دون تردّد. عندما يُرفض المرء مرّةً أو مرّتين، عليه أن يفهم ويغادر. لماذا تستمرّان في الالتصاق وإغضاب الناس؟ لا أفهم. هل تعتقدان أنّه لا توجد شجرة لا تسقط بعد عشر ضربات؟ هذا الكلام ينطبق فقط إن كان الفأس سليمًا. جرّبا أن تضربا مئة مرّة بفأسٍ حجريّ متآكل، هل ستسقط الشجرة؟”
“ن، نحن فأسٌ حجريّ متآكل……؟”
تمتم الرجل وهو يرمش بعينيه كـ سمكةٍ مذهولة، غير مصدّق.
“وتوقّفا عن مناداتي بالأخت. أليس لديكما ضمير؟ تبدوان وكأنّكما أكبر منّي بعشر سنوات، ومع ذلك تتغزّلان بهذه الطريقة. لا أرى أيّ وسامة، فمن هو الوسيم بالضبط؟ بدل هذا، انظرا إلى المرآة وقيّما نفسيكما بموضوعيّة. كفاكما إزعاج الآخرين!”
بعد أن أفرغتُ كلّ ما في صدري كالرشّاش، أطلقتُ زفيرًا لاهثًا. كان الإحساس منعشًا، كأنّني شربتُ ماءً باردًا في قيظ الصيف. شعرتُ وكأنّ صدري الذي كان مختنقًا قد انفتح تمامًا.
التعليقات لهذا الفصل " 28"