ألقيتُ نظرةً خاطفة على ميدان الرماية. وكما توقّعت، كانت الأهداف في الداخل منصوبةً بطريقةٍ تجعل الرصاص ينحرف عنها بخبث. قد يخدع ذلك الآخرين، لكن عيني لم تُخدع.
‘وماذا أفعل بهذا……؟’
حدّقتُ به لوهلة، ثم أغمضتُ عيني مبتسمةً وأجبت.
“حسنًا. سأجرب.”
دفعتُ لصاحب المكان ثمن عشر جولات، ثم أمسكتُ بالبندقية. كان العمّ الذي أخذ المال منّي يعدّ النقود بوجهٍ يفيض سرورًا، كأنّه أصاب كنزًا.
لكن ذلك الوجه المليء بالابتسام بدأ يذبل شيئًا فَشيئًا منذ اللحظة التي انطلقت فيها أول رميةٍ لي.
ومع مرور الوقت، بدأ الناس—الذين كانوا في البداية شخصًا أو اثنين فقط—يتجمّعون حولي تدريجيًّا.
“واو، رأيتِ ذلك؟ ثلاث جولاتٍ متتالية إصابةٌ كاملة. وهذه الرابعة الآن.”
“انظري إلى وجه صاحب المكان. كأنّه خسر بلاده كلّها.”
“يبدو أنّه كان يخدع الزبائن وهو يبيع، وكنتُ أعلم أنّه سيقع في مثل هذا يومًا ما. لقد صادف الشخص الخطأ.”
وحين أنهيتُ الجولة الخامسة بإصابة جميع الأهداف دون استثناء، وكنتُ أبدّل الذخيرة، اندفع صاحب المكان نحوي على عَجَل، وهو يحدّق بي بوجهٍ شارد كأنّ روحه قد خرجت منه.
“آ، آنسة. لا، أُقصد… ز، زبونة. ما رأيكِ أن نتوقّف هنا؟”
توقّفت أمامي، وتردّدت قليلًا وهي تحرّك شفتيها، ثم سألتني بصوتٍ خافت.
“……أختي، ما اسمكِ؟”
“هم؟ اسمي؟”
هزّت رأسها بخفّة.
“أودي…… لا، أوديت.”
ابتسمتُ وأخبرتها باسمي الحقيقي، إذ لم أرَ داعيًا لإخفائه عن طفلةٍ كهذه.
“الأخت أوديت……”
تمتمت ميليا بذلك، ثم اقتربت منّي فجأة.
وضعت يديها الصغيرتين بحذر على خدّيّ، ثم قبّلتني قبلةً مسموعةً على خدي.
“……هاه؟”
“هيهي، شكرًا لأنكِ أعطيتِني الدمية، أختي أوديت!”
اتّسعت عيناي دهشة، بينما احمرّ وجه الطفلة بخجلٍ لطيف، وابتسمت كزهرةٍ تفتّحت للتوّ.
ربما خجلت من نظراتي، إذ أسرعت بعد تحيّتها إلى الركض نحو والديها.
“إلى اللقاء، أختي!”
وحتى بعد ابتعادها، ظلّت تلتفت إلى الخلف وتلوّح لي بيديها بحماس.
لوّحتُ لها مبتسمة، ولم أنهض من مكاني إلا بعد أن اختفوا تمامًا من مجال رؤيتي.
شعرتُ أنّ إحضار الدمى كان قرارًا صائبًا بالفعل.
وبعد ذلك، وزّعتُ بقيّة الدببة على الأطفال الذين كانوا ينظرون إليّ بعيونٍ مليئة بالحسد، ثم واصلتُ التجوّل في المهرجان.
وبينما كنتُ أتفرّج على الحُليّ المبهرة والسلع الغريبة المستوردة من الخارج، أنهيتُ شراء هدية ميري التي وعدتُ بها، ثم توجّهتُ إلى النافورة، إحدى أبرز معالم ساحة نيلبيا.
كانت نافورة دائرية هائلة تتوسّط الساحة بعظمة. ومجرّد النظر إلى خيوط الماء المتدفّقة بلا انقطاع إلى الأعلى، كان يمنح شعورًا منعشًا في الصدر.
جلستُ على حافة النافورة مثل بقيّة الناس. كانت السماء التي امتلأت قبل قليل بلون الغروب قد أظلمت تمامًا. وأضواء المصابيح بدت كأنّها نجومٌ تلمع في السماء.
“على ذكر ذلك… لم أرَ أكسيل حتى النهاية…….”
رغم أنّني واصلتُ تفحّص المكان بحثًا عنه أثناء تجوالي في المهرجان، لم ألتقِ به ولو مرّةٍ واحدة.
“هل أنهى ما كان عليه فعله وعاد؟”
لم أستطع إخفاء خيبتي.
فقد طال غيابه عن ناظري.
صحيحٌ أنّني كنتُ أنا من قال إنّني سأراعيه ولن أبحث عنه، لكنّ الاكتفاء بهذه الصورة وحدها بدأ يبلغ حدّه.
التعليقات لهذا الفصل " 27"