شهقتُ نفسًا قصيرًا وأنا أضرب فخذي بقبضتي بعنف. ‘تقاطعَتْ عيونُنا معًا، لقد تقاطعَتْ حقًّا! أنا متأكدة أنّها كانت تنظر إليّ!’
وبعينين متوهّجتين من شدّة الحماس، هممتُ أن أصرخ مجددًا نحوهم، لكن في تلك اللحظة، دوّى صوتُ الأختِ البطلةِ الواضحُ في أرجاء القاعة.
فاتّجهت أنظارُ زملائها في الفريق إليها دفعةً واحدة. فتحوا أفواههم بدهشة، كما لو أنّهم سمعوا شيئًا لا يُصدَّق.
وبسبب اختلاف اللغة المستخدمة، لم أستطع بطبيعة الحال أن أفهم كلماتها من المرّة الأولى، فبدأت أضرب الأرض بقدمي في سرّي بقلق.
‘…ما هذا؟ ماذا حدث؟ ماذا قالت بالضبط حتى الآن؟!’
كنتُ شديدة الفضول لمعرفة ما قالته الأخت. وبينما كنتُ أفكّر إن كان عليّ تعلّم لغة باكيان الآن وفورًا، رمقني المترجم الواقف إلى جانبي بنظرة مرتبكة وهو يرمش بعينيه.
“هاه… ذاك… آه، أعتذر. بما أنّ السيدة كيشيان لا تتحدّث كثيرًا عادةً خارج العروض الرئيسيّة، فقد فوجئتُ قليلًا لأنّ هذا أوّل موقف من هذا النوع أتعامل معه.”
كان معنى كلام المترجم أنّ حديثها خلال تحيّة المسرح أمرٌ نادر الحدوث.
غطّيتُ فمي دوّن وعيّ، وبدأت عيناي تتلألآن.
‘…ما هذا، إذًا أنا ربحتُ ضربة حظٍّ الآن؟’
بل وكيف يمكن أن يكون اسمها كيشيان أيضًا؟! إنّها مثاليّة أكثر ممّا ينبغي…!
شعرتُ بسعادةٍ تكاد تجعلني أطير، لأنّي أشارك في هذا الموقف المشرّف.
تنحنحَ المترجم مرّةً أخرى، ثمّ فتح فمه لينقل كلامها.
“…تقول إنّها تودّ دعوة المرأة التي كانت تصرخ بحماسةٍ نحو المسرح قبل قليل للصعود إلى الأعلى.”
المرأة التي كانت تصرخ بحماسةٍ نحو المسرح…؟
لا تقل لي.
وفي اللحظة نفسها، توجّهت أنظارُ عددٍ لا يُحصى من الناس نحوي.
“أ-أنا؟”
أشرتُ إلى نفسي بإصبعي وفمي مفتوح على مصراعيه من شدّة عدم التصديق، فابتسمت الأخت على المسرح وأومأت برأسها.
أطلق المقدّم صوتًا خفيفًا عبر الميكروفون، وكأنّه فهم الوضع.
“آه، هل تقصدون تلك السيّدة من الجمهور؟ حتى أنا لن أنساها، لقد تركت انطباعًا قويًّا فعلًا. حسنًا، في هذه الحالة لا يمكننا ألّا نتحدّث معها. فلنُحضِرها إلى المسرح. تفضّلي بالصعود!”
انهمر عليّ الضوء الكاشف فجأة. مدّ المقدّم يده نحوي وهو ينادي بصوتٍ عالٍ.
‘أ-الصعود إلى المسرح؟!’
اهتزّت عيناي بعنفٍ من شدّة الارتباك لوهلة، لكنّي سرعان ما حسمت أمري.
‘حسنًا، ما دمتُ لن أُفتَضح…!’
متى ستأتي فرصة كهذه مجدّدًا؟!
أسرعتُ أحمل أمتعتي وصعدتُ إلى المسرح، ولم أنسَ أن أشدّ القبّعة بإحكام لأُخفي وجهي.
لا يمكنني أن أُفوّت فرصة رؤية الأخوات عن قرب.
ما إن وقفتُ على المسرح، حتى بادرني المقدّم بالسؤال.
“حسنًا، أهلًا بك! هلّا قدّمتِ نفسكِ لنا؟ من أين أنتِ ومن تكونين؟”
خفضتُ ياقة القبّعة قدر الإمكان، محاوِلةً إخفاء وجهي، ثمّ أجبت.
“أه، أنا… أنا أعيش هنا بالقرب من… أو…”
“أو؟”
كدتُ دون وعيّ أن أقول ‘أوديت’، لكنّي استجمعتُ ذكائي في اللحظة الأخيرة وغيّرتُ الاتجاه.
“أو… أودي، اسمي أودي.”
“آه، فهمت. تشرفنا يا أودي. في الواقع، سمعتُكِ قبل قليل تصرخين نحو الممثّلات. كنتِ تقولين شيئًا مثل: تزوّجيني، أليس كذلك؟ لم تكوني جادّة، صحيح؟”
آه، لا. ليستُ جادّة؟ ما الذي يقوله هذا الرجل؟!
كانت صيحاتي بالزواج دائمًا نابعةً من قلبي. طبعًا، قد يكون عددها كبيرًا بعض الشيء، لكنّي أقسم أنّه لم يحدث مرّة واحدة ألّا أكون جادّة!
وبينما توقّفتُ عاجزة عن الكلام من شدّة الارتباك، انفجر الضحك فجأة من جهة المقاعد. حتى المقدّم ضحك بصوتٍ عالٍ وهو يمسك بطنه.
“هاهاهاها! يا إلهي، يبدو أنّ لدينا اليوم إحدى أكثر المشجّعات حماسة على الإطلاق. كنتُ أتوقّع أنّكِ شخصيّةٌ غير عاديّة، لكنّكِ فُقتِ توقّعاتي بكثير.
بفضلكِ، الجوّ ممتع للغاية.”
ومن مظهر الجمهور، بدا أنّ الأمر مرّ بسلام… مهما كان السبب.
“لكن، بما أنّكِ قلتِ إنّكِ جادّة، لماذا تُديرين ظهركِ للممثّلة كيشيان؟ بل وتقفين بعيدًا عنها أيضًا؟ ألا يبدو هذا متناقضًا بعض الشيء؟”
طرح المقدّم سؤاله بنبرةٍ مازحة. وكما قال، لم أكن أنظر إليها مباشرةً على الإطلاق. فتحتُ فمي بتردّد.
“…أ-أشعر بالخجل. إنّها متألّقةٌ جدًّا، لا أستطيع أن ألتقي بعينيها.”
ثمّ غطّيتُ وجهي براحة يدي تمامًا. كان قلبي يخفق بعنف.
كيشيان عن قرب كانت أخطر على قلبي بكثير. لو حدّقتُ بها طويلًا، فقد يقصر عمري. كنتُ بحاجةٍ إلى بعض الوقت لأتأقلم.
ضحك المقدّم عند رؤية ذلك.
“لكن يا أودي، كيف تقولين إنّها متألّقة وأنتِ ملفوفةٌ هكذا؟ هل ترين شيئًا أصلًا؟ ما دمتِ صعدتِ إلى المسرح، ألا يجب أن تنتهزي الفرصة وتنظري إلى الممثّلة جيّدًا؟ يبدو أنّ الرداء غير مريح. ثمّ، يا جماعة، أقول هذا لأنّي لمحتُ وجهها قبل قليل… إنّها جميلةٌ جدًّا.”
شعرتُ بنذير شؤمٍ عند سماع كلماته. الجوّ كان يتّخذ منحًى غريبًا…
“هل يمكنكِ أن تكشفي عن وجهكِ قليلًا؟ أودي؟”
وأخيرًا، جاء الموقف الذي كنتُ أخشاه.
“آه… أظنّ أنّ ذلك صعبٌ قليلًا…”
“هيا، لا تكوني كذلك. ألا يشعر الجمهور بالفضول لرؤية أودي؟”
ما إن سأل المقدّم الجمهور، حتى دوّى هتافٌ عالٍ: “نعم!!”
رمشتُ بعيني بارتباك.
‘أ-آه… هذا ليس جيّدًا.’
شعرتُ بنظرات عددٍ لا يُحصى من الناس موجّهةٌ إليّ،
وكأنّ ضغطًا صامتًا يجبرني على خلع الرداء.
“بما أنّ هذا العدد الكبير يرغب في ذلك، ألا يمكنكِ تلبية الطلب قليلًا؟ أودي؟”
“أه… ذلك لأنّ…”
“قليلًا فقط، من فضلكِ. نعم؟”
“آه—!”
في اللحظة التي امتدّت فيها يدٌ فجأة لتحاول نزع ردائي بالقوّة…
توقّفت يدُ المقدّم الممدودة نحوي في الهواء. كان شخصٌ ما قد أمسك بها ومنعه.
رفعتُ رأسي، وشهقتُ دوّن وعيّ حين رأيتُ من هو. كانت كيشيان قد اقتربت، وتحدّثت بوجهٍ جامد خالٍ من أيّ ابتسامة، وبصوتٍ بارد موجّه إلى المقدّم.
كان صوتها مختلفًا تمامًا عن صوتها حين تغنّي، فغطّيتُ فمي بيدي وحدّقتُ بها بعينين متلألئتين.
‘أ-أن أراها عن هذا القرب…! ماذا أفعل؟! لا، لم أُحضّر قلبي بعد…!’
وبينما كنتُ أعيش هذه الفوضى داخليًّا، كان الجميع، باستثنائي، متجمّدين في أماكنهم.
لم يفهم أحدٌ كلماتها سوى أعضاء فريقها والمترجم،
لكنّ الجميع شعروا بها بشكل غريزي. شعروا أنّ الكلمات الخارجة من فمها لم تكن جيدًا أبدًا.
فقد كان أعضاء فريق كيشيان والمترجم يحدّقون بنا وأفواههمٍ مفتوحة.
وسط هذا الجوّ الذي برد فجأة، استعاد المقدّم وعيّه متأخّرًا، فتراجع خطوة إلى الخلف، ورفع يديه باعتذار.
“هاها… يبدو أنّني تحمّستُ أكثر من اللازم وارتكبتُ تصرّفًا غير لائق. أعتذر يا أودي.”
“آه، لا بأس—”
وفي اللحظة التي حاولتُ فيها أن أطمئنه، حُجب مجال رؤيتي فجأة.
“أه…؟”
كانت كيشيان قد وقفت أمامي. وحين اقتربت منّي، فاح عبيرُ اللّيلك العطر بقوّة.
‘لا، حقًّا… كيف يكون عطرها جميلًا إلى هذا الحدّ أيضًا؟’
التعليقات لهذا الفصل " 25"