كنتُ قد نسيتُ للتوّ عزمي على ألّا أستفزّ مزاجه، وتفوّهتُ بعبارةٍ لم أكن لأقولها عادةً، وأنا أُبدِي تعبيرًا متجهّمًا:
“ومن يدري! قد أذهب مع صديقٍ أخفيته في مكانٍ ما.”
“……أخفيتِه؟”
هززتُ رأسي موافقةً بثقة، دون أن ألاحظ أنّ ملامح أكسيل كانت تزداد قتامةً.
“نعم! ربما لم تكن تعرف لأنك لا تهتمّ بي، لكن لديّ أصدقاء، كما تعلم.”
“أيّ صديق؟”
ما إن انتهيتُ من كلامي حتى لحقه السؤال بسرعة. كنتُ أظنّ أنه سيتراجع متظاهرًا بعدم الاكتراث، لكن أكسيل على العكس، بدأ يستجوبني بإلحاح.
ارتبكتُ قليلًا، ثم تابعتُ الحديث متلعثمةً، وكأنني أراوغ:
“صـ، صديق. حسنًا، لديّ عدّة أصدقاء. ثم إنني حتى لو قلتُ لك، فهذا لا يعني أنك ستعرفهم جميعًا.”
“……لا تقُلِ إنّه ذلك الساحر؟”
ساحر؟ آه.
يبدو أنّ أكسيل ما زال يتذكّر نوكسي، ذاك الذي ظهر في الصورة يومها.
والآن بعد أن فكّرتُ بالأمر، ما زالت هناك بعض الأغراض التي عليّ استلامها من نوكسي.
وبما أنّني سأضطرّ إلى مقابلته على أيّ حال لأخذ تلك الأغراض، فلمَ لا أسأله بالمناسبة إن كان يرغب في الذهاب إلى المهرجان؟
أحصل على الأغراض، وأستمتع بالمهرجان. ضربُ عصفورين بحجرٍ واحد.
وإذ راودتني هذه الفكرة، أشرقت ملامحي فجأة، وهتفتُ بحماس:
“يا إلهي، هذا حلٌّ رائع!”
حدّق أكسيل بعينين تلمعان وقد استبدّ به شعورٌ غامض، بينما كان ينظر إليّ بتعبيرٍ ينذر بالشرّ.
“مـ، مهلةً، يا آنسة. ما الذي أصبح حلًّا؟ لم تجيبي بعدُ عن سؤالي…….”
“على أيّ حال، لنُنْهِ هذا الحديث هنا. سموّك، سأعود الآن. أراك غدًا!”
“انتظري، توقّـ!”
لكنني حيّيته بابتسامةٍ مشرقة، ثم اختفيتُ بسرعة قبل أن يتمكّن من الإمساك بي.
وقف أكسيل يحدّق في الفراغ أمامه، يتأمّل يده الممدودة بلا حولٍ ولا قوّة، وقد فقدت وجهتها.
كانت الصورة الصغيرة التي كانت تثرثر أمامه قبل لحظات قد اختفت دون أن تترك أثرًا.
وبعد فوات الأوان، أخذ أكسيل يتتبّع بعينيه المكان الذي غادرت منه أوديت، محاولًا استيعاب هذا الموقف العبثي خطوةً خطوة.
‘ما الذي يحدث الآن……؟’
ما كلّ هذا؟
لأنّه لم يسمع منها أيّ حديثٍ عن المهرجان مهما انتظر، اضطرّ في النهاية إلى فتح الموضوع بنفسه.
……لكن.
لكن ماذا قالت؟
-“آه، لم أكن أنوي أصلًا أن أطلب من سموّك الذهاب إلى المهرجان معي!”
……لم تكن تنوي أن تطلب الذهاب معه؟
……ولِمَ؟ ألم تقل إنها تحبّه؟ أكان كلّ ذلك كذبًا؟
لم يستطع أكسيل نسيان تلك الابتسامة النقيّة، وذلك الوميض الجميل في عينيها وهي تنظر إليه.
وبعد أن صُدم بكلماتها للحظة، سألها بالكاد عن السبب، لتردّ عليه وهي تميل برأسها باستغراب:
-“لأن…… سموّ الدوق الأكبر مشغول، بخلافي؟ أليس هذا ما كنت تحاول قوله لي قبل قليل؟ أنك لا تستطيع الذهاب إلى المهرجان؟”
كانت أوديت قد أساءت فهم تصرّفاته تمامًا.
ولسببٍ لا يدريه، بعثت تلك الكلمات في قلبه طمأنينةً غريبة. ولأنّه لم يستطع أن يقول لها إنها مخطئة، هزّ رأسه موافقًا، بتصرّفٍ أحمق.
وعندها، وكأنها كانت تتوقّع ذلك، تابعت أوديت ثرثرتها:
-“ثم إنني سمعتُ ذلك من السير شويان أيضًا. قال إن الناس سيتوافدون بكثرة في ذلك اليوم، وإن سموّك سيكون مشغولًا جدًا. سموّك، لديّ حدودي أنا أيضًا. لن أُلحّ عليك وأزعجك في يومٍ كهذا!”
‘ولِمَ قال شويان مثل هذا الكلام تحديدًا……؟’
عندما سمع ذلك، وجد أكسيل نفسه يلوم مساعده الوفيّ شويان دوّن وعيّ.
لكن…… حدود؟
قطّب أكسيل حاجبيه.
عادةً، لم تكن تبدو كشخصٍ يهتمّ بمثل هذه الأمور، لكن تصرّفها المفاجئ وكأنها إنسانةٌ عاقلة أثار شكوكه بشدّة.
كأنّ أوديت تُخفي نوايا أخرى.
وفي تلك اللحظة، خطر في باله احتمالٌ ما.
‘……لا تقل إنها حدّدت موعدًا مسبقًا مع شخصٍ آخر غيري؟’
حتى الآن، كانت أوديت تتقدّم نحوه بلا تردّد. لكن هذه المرّة، لم تكتفِ بعدم اقتراح الذهاب معًا، بل قالت إنها لم تفكّر بذلك أصلًا.
كان موقفًا كافيًا لإثارة الشكّ في نفس أكسل.
وبينما كانت ملامحه تزداد قتامةً شيئًا فَشيئًا، وجّهت له أوديت، التي لم تكن على علمٍ بشيء، الضربة القاضية بابتسامةٍ مشرقة:
-“لم تكن لديّ منذ البداية أيّ نيّة، حقًّا، ولو بمقدار هذا القدر الصغير، على الإطلاق! لأن أطلب من سموّك الذهاب إلى المهرجان معي، لذا لا داعي للقلق أبدًا!”
-“…….”
في تلك اللحظة، واجه أكسيل صعوبةً حقيقيّة في السيطرة على تعابير وجهه، ولأوّل مرّة.
منطقِيًّا، كان ينبغي له أن يشعر بالسعادة لسماع هذا الكلام.
فهو لن يضطرّ إلى شقّ جدول أعماله المزدحم ليخصّص لها وقتًا.
ومع ذلك…….
‘لماذا…… لماذا أشعر بهذا السوء؟’
كان شعوره وكأنّ أحدهم سكب عليه وحلًا من رأسه حتى أخمص قدميه.
لكن ما زاد انزعاجه أكثر، كان تصرّف أوديت التالي.
وعندما حوّل نظره إلى حركتها البطيئة المتردّدة، رأى أوديت تراقب ردّة فعله، وقد استعدّت لمغادرة المكان.
“إذًا، سموّك، سأغادر اليوم…….”
لم يُعجبه أنها كانت تتجنّبه.
ومن أعماق صدره، بدأ قلقٌ غامض يتسلّل إليه، فمدّ يده وأمسك بها دون تفكير.
ثم نطق أخيرًا بالسؤال الذي كان يعذّبه أكثر من غيره:
-“إذًا…… ستذهبين إلى المهرجان وحدكِ؟”
شعر أنّه لن يستطيع تركها ما لم يسمع جوابًا واضحًا.
لكنّ الردّ لم يأتِ فورًا، وكلّما طال صمتها، ازداد توتّره.
-“لماذا لا تجيبين بأنكِ ستذهبين وحدكِ؟ ليس لديكِ أصدقاء تذهبين معهم.”
عندها، رفعت أوديت عينيها نحوه، بعد أن كانت تهمهم بتفكيرٍ عميق، وحدّقت به بنظرةٍ متدلّلة.
كانت شفاهها مزمومةً كالبطّة، وكاد فمه المتصلّب أن يلين دوّن وعيّ، لكن في تلك اللحظة، هتفت أوديت بصوتٍ متجهّم:
-“ومن يدري! قد أذهب مع صديقٍ أخفيتُه في مكانٍ ما.”
……ماذا؟
-“……أخفيتِه؟”
تصلّبت ملامح أكسيل من جديد.
-“نعم! ربما لم تكن تعرف لأنك لا تهتمّ بي، لكن لديّ أصدقاء، كما تعلم.”
-“أيُّ صديق؟”
وعندما واصل أكسيل استجوابها بإلحاح، تلوّن وجه أوديت، الذي كان واثقًا قبل لحظة، بالارتباك.
……لماذا ارتبكت؟ هل كان هناك فعلًا شخصٌ آخر؟
تضخّم الشكّ في صدر أكسيل أكثر فأكثر.
-“صـ، صديق. حسنًا، لديّ عدّة أصدقاء. ثم إنني حتى لو قلتُ لك، فهذا لا يعني أنكَ ستعرفهم جميعًا.”
عندها، مرّ طيف شخصٍ ما في ذاكرة أكسيل.
-“……لا تُخبريني بإنّه ذلك الساحر؟”
لكن، وعلى عكس يقينه شبه التامّ، رمشت أوديت بعينيها على اتّساع، وكأنها لم تفكّر في ذلك أصلًا.
ثم غرقت في التفكير، قبل أن تصفّق فجأةً وكأنها أدركت شيئًا مهمًّا، وهي تصرخ بحماس، غير مكترثةٍ بوجود أكسيل أصلًا:
-“يا إلهي، هذا حلٌّ رائع!”
شعر أكسيل بقلقٍ فطري، فسارع إلى إيقافها، لكن…….
-“مـ، مهلةً، يا آنسة. ما الذي أصبح حلًّا؟ لم تجيبي بعدُ عن سؤالي…….”
التعليقات لهذا الفصل " 22"