الفصل 19 :
عندما اقتربتُ من الأطفال، جاءت روز التي كانت تقفز في مكانها نحوي.
“انظري! يا معلِّمة.”
“واو. ما كلُّ هذا؟”
“قالت لنا المديرةُ في المرَّة الماضية إنَّنا إذا أحسنَّا الاستماع جميعًا فستعطينا هدايا. ويبدو أنَّ اليوم هو ذلكَ اليوم!”
رفعت الطفلةُ الدميةَ ذاتَ الشعر الأشقر التي كانت في يدِها وتباهت بها أمامي. ثمَّ أشارت لي أنْ أقترب. جلستُ لأُساوي مستوى عينيَّ بعينيها، فانحنتْ نحوي وهمست:
“الدميةُ تُشبهكِ يا معلِّمة! وأنتِ أيضًا مثلُ الأميرة.
جميلة.”
“حقًّا؟ شكرًا لكِ. روز، وجهُكِ المبتسم جميلٌ جدًّا. ولهذا، بالنسبةِ لي، أنتِ الأميرة.”
ربَّما خجلتْ من المديح، فبدأتْ تلوِي جسدَها وتبتسمُ بخجل. نظرتُ في عينيها وربَّتُّ على شعرها المحبوب.
وعندما رفعتُ يدي عن شعرها، تجمَّدَ تعبيرُ روز. بدا وكأنَّها صُدِمَت قليلًا. ثمَّ بدأتْ تنظرُ إليَّ بتردُّدٍ وتتحسَّسُ ردَّةَ فعلي. لاحظتُ ذلكَ بسرعة، فابتسمتُ وسألتُها:
“ما الأمر؟ هلْ هناكَ مكانٌ يؤلمكِ؟”
كانت روز تعبثُ بيدَيها الصغيرتين وتلمسُ الدميةَ بقلق،
ثمَّ سألتني بصوتٍ خافت:
“……المعلِّمة، هل لمْ تحصلي على شيءٍ أنتِ؟”
آه.
عندها فقط أدركتُ نظرةَ الطفلةِ التي كانت تتأمَّلُ يديَّ الفارغتين. يبدو أنَّ هذه الطفلة الصغيرة، بدلًا من أنْ تفرح بالهديَّة التي حصلت عليها، كانت أكثرَ قلقًا بشأنِ يديَّ الفارغتين.
شعرتُ بغصَّةٍ في صدري. عضضتُ شجفتي كي لا يظهرَ شيءٌ على وجهي، ثمَّ ابتسمتُ بصعوبة. وتظاهرتُ بأنَّني أنظرُ حولي لأتأكَّد إنْ كانَ هناكَ أحد، ثمَّ همستُ لها بحذر:
“……في الحقيقة، هذا سرٌّ سأخبرُ به روز وحدَها. قالت لي المديرةُ إنَّها ستُحضِّر لي هديَّةً على حدة. ربَّما تكونُ شيئًا رائعًا جدًّا. وعندما أحصلُ عليها، سأُريكِ إيَّاها بالتأكيد.”
عندها فقط انفرجَ وجهُ الطفلةِ الذي كانَ ملبَّدًا بالغيوم.
“إذا حصلتِ عليها، سترينَني إيَّاها حقًّا، حقًّا!”
“نعم، أعدُكِ.”
وبينما كنَّا نعقدُ الوعدَ بخنصرَينا، اقتربَ أطفالٌ آخرون كانوا بجانبنا.
“يا معلِّمة، هلْ ستغادرينَ الآن؟”
“ستعودينَ مرَّةً أخرى، صحيح؟”
“بالطبع.”
وفي اللحظةِ التي كنتُ أجيبُ فيها عن أسئلتِهم مبتسمةً بعينينِ ضيِّقتين، التقت عيناي بعيني الفتى الذي كانَ يجلسُ وحده على المقعدِ قبلَ قليل. كانَ يقطِّبُ حاجبيهِ بشدَّةٍ وكأنَّهُ لا يُعجَبُ بما يراني عليه، ثمَّ استدارَ وبدأ يبتعدُ عنِّي ببطء.
بدافعٍ غريزيٍّ، شعرتُ أنَّهُ يجبُ أنْ أُمسكَ به، فقلتُ للأطفالِ بجانبي:
“……انتظروا قليلًا، يا أطفال. المعلِّمة ستذهبُ لحظةً وتعود.”
***
ناديتُ الفتى الذي كانَ يمشي وحده في البعيد:
“لو سمحتَ، انتظر قليلًا……!”
عند ندائي، استدارَ الفتى ونظرَ إليَّ.
“إدوين…… اسمُكَ إدوين، أليسَ كذلك؟”
ما إنْ نطقتُ باسمِه حتى تشوَّهَ وجهُهُ بشكلٍ مخيف.
“……ومن سمحَ لكِ أنْ تناديني باسمي؟”
“أنا آسفة…… لكنَّك كنتَ الوحيدَ الذي لمْ يحصل على هديَّةٍ.”
كانَ ذلكَ لأنَّني رأيتُ يديه الفارغتين. أظهرَ إدوين انزعاجَهُ بلا أيِّ تصفية.
“لا أحتاجُ إلى شيءٍ كهذا. ولا إلى هديَّةٍ منكِ على وجهِ الخصوص.”
يبدو أنَّهُ أدركَ أنَّ الهدايا كانت مني.
“……لماذا تكرهُني إلى هذا الحدّ؟”
وعند سؤالي، قالَ إدوين فجأة:
“أنتِ، من النُّبلاء، أليسَ كذلكِ؟”
“……ماذا؟”
“لا تفكِّري حتى في إنكارِ ذلك. يكفي أنْ أنظرَ إلى وجهِكِ الخالي من النمش، وإلى يديكِ البيضاءَينِ الخاليتَينِ من أيِّ مسامير، لأعرفَ كلَّ شيء.”
قالَ إدوين ذلكَ وهو يضغطُ على أسنانهِ بنبرةٍ شرسة:
“أنا أكرهُ أمثالَكِ أكثرَ شيء. تأتونَ إلى دار الأيتامِ للتبرُّعِ من أجل رفع ذلكَ الشرفِ السخيفِ للنُّبلاء، ثمَّ تجلسونَ بينكم وتضحكونَ قائلينَ: أحسنَّا صنعًا. حقًّا، لا أطيقُ حتى النظرَ إلى هذا المشهد.”
وبينما كانَ يتحدَّث، بدا أنَّ مشاعرَهُ بلغتْ ذروتَها، وكأنَّهُ كانَ على وشكِ الصراخ، لكنَّهُ فجأةً توقَّفَ عن الكلام.
“أنتم، بكلمةٍ واحدةٍ تُلقونَها بلا تفكير، كم تجرحونَ أولئكَ الأطفال……!”
ثمَّ أخذَ أنفاسًا متقطِّعةً ليهدأ. كانت أطرافُ عيني إدوين قد احمرَّت، وبصوتٍ هادئٍ لكنَّهُ مشحونٌ بالغضب، قال:
“……مشاعرُ الأطفالِ الذين تُركوا بالخلف، نُبلاءُ مثلكِ لنْ يفهموها أبدًا، حتى لو متُّم.”
“…….”
“لذلك، لا تطلقي وعودًا لنْ تستطيعي الوفاءَ بها. ولا تعودي إلى هذا المكانِ بعدَ الآن.”
وبعدَ أنْ أنهى كلامَه، استدارَ إدوين وكأنَّهُ لمْ يعدْ لديهِ ما يقوله. كانتْ عيناهُ أكثرَ العيونِ امتلاءً بالجراح.
لقدْ أساءَ الفهم. كما فعلَ النُّبلاءُ دائمًا، ظنَّ أنَّني أنا أيضًا سأُطلقُ وعودًا لنْ أفيَ بها ثمَّ أرحل.
أردتُ أنْ أُصحِّحَ هذا الفهم. أردتُ أنْ أعدَهُ بأنَّني لنْ أفعلَ ذلك.
“انتظرْ قليلًا، لحظةً واحدة!”
أسرعتُ نحوه، وعندما أمسكتُ لا شعوريًّا بمعصمِه، حدثَ ذلك.
“لا تلمسيني!”
ما إنْ لمستُهُ حتى دفعَ يدي بعيدًا في لحظة، وبسببِ تلكَ القوَّةِ، سقطتُ إلى الخلف.
وبما أنَّني أسندتُ كفِّي على طريقٍ حجريٍّ خشن، تسلَّختْ راحةُ يدي أثناءَ السقوط. ومع الإحساسِ اللاذع، بدأ الدمُ يسيلُ من كفِّي.
عندما استدارَ ورأى الدم، امتلأتْ عينا إدوين بالارتباك. نهضتُ بسرعةٍ من مكاني.
“آسفة لأنَّني أمسكتُ بكَ فجأة. لكنَّني أردتُ حقًّا أنْ أقولَ هذا.”
“…….”
“نعم، كما قلتَ، أنا من النُّبلاء. وأنا التي قدَّمتُ الهدايا. لكنَّني، ولا مرَّةً واحدة، عاملتُكم هنا بالكذب. كنتُ سعيدة، واستمتعتُ حقًّا وأنا معكم.”
كانَ صوتي يرتجفُ بخفَّة، وكأنَّ الدموعَ ستنهمرُ في أيِّ لحظة، لكنَّني حاولتُ أنْ أنقلَ لهُ صدقي كما شعرتُ به.
“أعرفُ ما الذي تخافُ منه. تخافُ أنْ أجرحَ الأطفالَ بوعودٍ لنْ أستطيعَ الوفاءَ بها. أنْ أجعلَهم ينتظرون. أليسَ كذلك؟”
توجَّهَتْ نحوي عينانِ يملؤهما الذهول. نظرتُ إلى إدوين مباشرةً وقلتُ بنبرةٍ حازمة:
“قد يبدو لكَ هذا الكلامُ كذبًا أيضًا. لكنَّني أعدُك. لنْ أستخدمَكم من أجلِ شرفي. ولنْ أرحلَ عن جانبكم بصمت.”
فقط، راقِبني من قريب.
في تلكَ اللحظة، كانَ أكسيل ينظرُ إلى أوديت وهي تبتعدُ عن إدوين. اقتربتْ المديرةُ سيسيلوت من أكسيل وتحدَّثتْ إليه:
“إنَّها شخصيَّةٌ طيِّبةٌ جدًّا، أليسَ كذلك؟ الآنسةُ الدوقة.”
“……هلْ كنتِ تعرفينَ أنَّها الدوقة؟”
نظرَ إليها بوجهٍ يملؤهُ الذهول. فهو لمْ يتوقَّعْ أنْ تكونَ المديرةُ على علمٍ بمكانةِ أوديت، لأنَّها كانتْ تتعاملُ معها بكلِّ بساطة.
ففي العادة، إذا عرفتَ المكانة، لا تستطيعُ أنْ تتعاملَ براحة، وخاصةً إنْ كانتْ من طبقةٍ عليا مثلَها.
لكنَّ سلوكَ المديرةِ تجاهَ أوديت لمْ يحملْ أيَّ تردُّدٍ من هذا القبيل. لذلك ظنَّ أنَّها لا تعرفُ سوى أنَّهما مجرَّدُ أثرياء جدد أو نبلاء عاديين.
ابتسمتْ سيسيلوت بخفَّةٍ وأومأتْ برأسِها:
“نعم، كنتُ الوحيدةَ التي تعرف. عندما عرفتُ في البداية أنَّ المتبرِّعَ المجهول هو في الحقيقة الدوقة، كم اندهشتُ آنذاك. وبالطبع، عندما التقيتُ بالدوقِ الأكبر، كانَ اندهاشي أكبر.”
“……يبدو أنَّكِ تجيدينَ إخفاءَ مشاعرِكِ.”
نظرتْ إليهِ سيسيلوت وابتسمتْ ابتسامةً خفيفةً دونَ أنْ تقولَ شيئًا.
“الآنسةُ بالنسبةِ لي، هي مثلُ المنقِذة. بعدَ أنْ قُبِضَ على مديرِ دار الأيتامِ السابق بتهمةِ الاختلاس، صارتْ أحوالُ الدار تزدادُ سوءًا يومًا بعدَ يوم. فكَّرتُ في إرسالِ الأطفالِ إلى دورِ أيتامٍ أخرى، لكنْ في ذلكَ الوقتِ بالذات، قرَّرتِ الآنسةُ أنْ تتكفَّلَ بدعمِنا.”
“…….”
“في الحقيقة، في البداية، بدلًا من أنْ أفرح، شعرتُ بالخوف. فأنا أيضًا أسمعُ الكثير، وقد سمعتُ شائعاتٍ كثيرةً عن الآنسة. قلقتُ كثيرًا. ماذا لو حاولتْ أنْ تتحكَّمَ بدار الأيتام كما تشاء؟ ماذا لو كانتْ تريدُ استخدامَ الأطفال؟”
وعندما خرجتْ تلكَ الأحاديثُ السيِّئة عن أوديت من فمِ سيسيلوت، فتحَ أكسيل فمَهُ لا شعوريًّا:
“هي ليستْ من ذلكَ النوعِ من الأشخاص—”
“صحيح. ليستْ كذلك. عندما زارتْ الآنسة دارَ الأيتامِ لأوَّل مرَّة، تفحَّصتْ كلَّ سريرٍ يستخدمهُ الأطفال واحدًا واحدًا، وتفقَّدتْ الأدواتِ التي يستعملونها والملعبَ أيضًا، بدقَّةٍ كبيرة. قالتْ إنَّهُ يجبُ أنْ تعرفَ ما الذي نحتاجُهُ كي تستطيعَ المساعدة.”
═════• •✠•❀•✠ •═════
الترجمة: فاطمة
《 قناة التيلجرام مثبتة في التعليقات 》
حسابي ✿ 《انستا: fofolata1 》
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 19"