الفَصل 13 :
“هممم…… إذًا بما أُضيِّع الوقت وأنا أَنتظر…….”
بينما كنتُ أحدِّق بمللٍ في المكتب الفارغ، خطرت في ذهني فجأة فكرة.
‘تمهَّلي، بما أنّ شويان صاحب الحذر المُفرط غير موجود الآن…… أليست هذه فُرصة؟’
فرصة لأستغلَّ غياب شويان، فأمطر زينون –الأخفّ لسانًا– بعدّة أسئلة.
نعم، هذه فُرصة حقيقيّة!
سريعًا رتّبتُ أفكاري، ثم نهضتُ من مكاني بخفّة واتّجهتُ بخطًى حاسمة نحو زينون الذي كان منهمكًا في الأوراق.
“يا… يا سيد، لديّ سؤال، هل وقتك مناسب الآن؟”
“نعم! يا سيّدتي، اسألي ما تشائين!”
“شكرًا لك. كما تعلم، أنا أُحبّ صاحب السموّ، صحيح؟”
“نعم، بالطبع!”
“……فهل كان يومًا إلى جواره شخصٌ يمكن أن يُدعى حبيبًا… أو علاقةً كهذه؟”
في الحقيقة، كنتُ أعرف الإجابة مسبقًا. فلم يكن من الممكن أصلًا أن يكون إلى جانب أكسيل امرأة. شخصيّته، وأيضًا بحُكم أنّه في الرواية ليس سوى “الرجُل الثّاني” في مجرى الأحداث، جعلت ذلك أمرًا مُستحيلًا.
لكنّي رغم يقيني، أردتُ سماع ذلك مباشرةً لأُطمئن نفسي.
“هممم…….”
كنتُ أظن أنّه سيقول فورًا: “لا وجود لأحد!” لكنَّ الكلمات لم تخرج من فمه بتلك السرعة. بل ظهر عليه وكأنّه يسترجع شيئًا في ذاكرته، مجعِّدًا جبينه.
وكلّما طال صمتُه، شعرتُ بالقلق يتملّكني.
ما… ماذا؟! هل كان حقًّا هناك؟ لا، لا يُمكن! هذا مُستحيل……!
تجمّد وجهي بارتباك، وبينما كدتُ أن أفقد صوابي، انفرجت ملامح زينون فجأة وكأنّه تذكّر أمرًا غائبًا، وقال ببشاشة:
“آه! صحيح. كان هناك أميرةٌ صغيرة خُطبت للسيّد لفترة وجيزة عندما كان طفلًا!”
أخيرًا تذكرتُها! هاهاها.
“ماذااا؟!”
كاد صراخي يُزلزل المكتب.
حقًّا؟! كان هناك واحدة؟!
هذا لا يُصدَّق!
ضربتُ الطاولة بقبضتي بعنف، فارتعب زينون وتلعثم:
“هـ… ها! لماذا… لماذا تصرخين هكذا؟!”
لكنّ الغضب سرعان ما انطفأ، وحلّ محلّه دوار شديد. شعرتُ كأنّ الدّماء كلّها انسحبت من جسدي. أمسكتُ برأسي، أترنّح مثل أمٍّ في دراما مأساويّة اكتشفت للتوّ سرًّا مُفجعًا.
“يا… آنسة!”
أسرع زينون يُمسكني حتى لا أسقط. وضعتُ يدي على جبيني، وهمستُ بصوتٍ متكسّر:
“هآ…… أه. حسنًا. مفهوم. إذًا يا سيد… متى حصل ذلك؟ أيّ عُمر كان له صاحب السموّ؟”
“أظنّه كان في الثالثة عشرة من عمره.”
الثالثة عشرة؟! حسنًا، لا بأس… عُمر صغيرٌ نسبيًّا. لو كان في سنّ الرشد لكانت صدمة قاتلة.
مع ذلك ظلّت ملامحي متشنّجة من وقع الخبر. زينون، وهو يُراقبني بارتباك، أضاف بسرعة:
“لا… لا تقلقي، يا آنستي! لقد كانت خطبة شكلية في الصِّغر، ثم تلاشت منذ زمن بعيد. ولم يكن أبدًا بجوار السيّد أحدٌ آخر. أنتِ تعلمين جيّدًا أنّ الناس كلّهم يخافونه. وحدكِ أنتِ من يتصرّف بهذا الشكل قربه.”
“……يا سيد، تلك الأميرة …… لن تأتي إلى الإمبراطوريّة، أليس كذلك؟”
“…….”
لكنّه صمت. صمتٌ أعاد إليّ القلق من جديد. رفعتُ عينيّ إليه بحدة، لكنّه حادّ بنظره عنّي كطفل يُخفي شيئًا.
ناديتُه مرّة أخرى، حتى تجمّد، يتردّد بشفتيه.
“……يا سيد؟”
“ذا… ذلك أنّه بعد شهرين، عندما تأتي بعثة مملكة إيفانريس، قيل إنّها ستكون برفقتهم…… آه! يا آنستي، تماسكي!”
ما إن سمعتُ ذلك حتّى كدتُ أن أسقط، فالتقطني زينون في أحضانه.
وفي اللحظة التي كنتُ أترنّح فيها بفعل الصدمة، جاء من خلفنا صوتٌ مألوف.
“……ما الذي تفعلانه معًا؟”
“يا… يا صاحب السموّ! الآنسة أوديت قد…!”
كأنّه وجد المُنقذ، حاول زينون تسليم جسدي المترنّح إلى أكسيل، لكنّي اعتدلتُ واقفةً بسرعة تفوقه. ارتسمت الدهشة على وجهه كأنّه رأى ميتًا ينهض من نعشه.
وبخطًى ثابتة اقتربتُ من أكسيل، أحدّق فيه بعينين جادّتين.
“يا صاحب السموّ، أُريد التحدّث معك.”
فهم شويان الجوّ المشحون، فقبض على ذراع زينون وأسرع به إلى الخارج بعد انحناءة قصيرة.
خيّم صمتٌ ثقيل، ثم نطقنا في اللحظة نفسها:
“……فماذا كنتِ تفعلين مع زينون؟”
“يا صاحب السموّ، هل صحيح أنّك خُطبت لتلك الأميرة؟”
ارتبك أكسيل، مُقطّبًا جبينه مثلما فعلتُ أنا.
“……خطبة؟”
لو نظرتُم إلينا، لكنتم ظننتم أنّها مشهدُ أمٍّ غاضبة سقطت من الصّدمة، وابن يحاول أن يُسندها.
كنتُ منهارة تمامًا. تنفّس أكسيل بعمق وقال:
“……زينون قال ما لا داعي له. هذا شأنٌ لا ينبغي لكِ القلق بشأنه.”
شأنٌ لا يعنيني؟ كلماته جَعلتني أشعر وكأنّه يرسم خطًّا بيننا.
“لا، يا صاحب السموّ. عليّ أن أعرف! أُريد جوابًا صريحًا!”
“قبل ذلك، عليكِ أن تُجيبي أنتِ أولًا. أنا من سأل أوّلًا.”
في عينيه بريقُ إصرارٍ يُنبئ أنّه لن يجيب ما لم أبدأ أنا. صَمَتُّ، أحدّق فيه بعناد. لم يكن الأمر مُجرّد سؤال، بل مسألة كرامة.
الجواب سهل… لكن هل أعترف أنّي فقدتُ وعييّ من شدّة الغيرة؟ لا، هذا مُخزٍ.
بعد لحظة تفكير، قرّرتُ أن أُلبس الحقيقة قليلًا من التزيين.
“……كنتُ على وشك أن أتعثّر، فأسندني السيد زينون، لا أكثر.”
“تُسمّين العناق سندًا، إذًا.”
اليوم، لِمَ كلّ هذه السخريّة؟! انتفخت عيناي غضبًا، وصرختُ بعناد:
“نعم، هكذا أُسمّيه! هل هذا يُرضيك؟ الآن، حان دورك، يا صاحب السموّ!”
“……لم تكن سوى خطبةٍ شكلية رتّبها الكبار عندما كنتُ طفلًا. وقد انتهى الأمر منذ زمن بعيد. هل يكفي هذا؟”
عقلي تفهّم أنّها قصّةٌ قديمة لا قيمة لها… لكن قلبي لم يهدأ.
شعرتُ وكأنّي اكتشفتُ آثار “حبيبةٍ سابقة” في حياة حبيبي (مع أنّه ليس حبيبي أصلًا).
رفعتُ نظري إليه، وهمستُ مُرتجفة:
“يا صاحب السموّ، إن… إن عادت مسألة خطبةٍ كهذه، هل سترفضها بالطّبع……؟”
أليس كذلك؟ أجيبني بسرعة أنّك ستفعلها!
في عينيّ توسلٌ واضح. نزلت عيناه نحوي ببطء، ثم وضع يده على فمه وقال بهدوء:
“……لستُ أعلم.”
كلمةٌ قصيرة واحدة قلبت أحشائي رأسًا على عقب.
صرختُ من فورِي:
“لكنّك قلت من قبل إنّك لن تُفكّر بزواجٍ بلا حُب!”
لقد جئتُكَ بالـ”فوتو كارد” (البطاقة) بين يديّ، ومع هذا تُفكّر بخطبة أخرى؟!
هذا أشبه بفضيحةٍ تُسقط قيمة بطاقتي النادرة بين ليلة وضحاها!
═════• •✠•❀•✠ •═════
الترجمة: فاطمة
《 قناة التيلجرام مثبتة في التعليقات 》
حسابي ✿ 《انستا: fofolata1 》
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"