60
فتحت إيديث فمها دهشة، بل حتى لوسيون الذي كان يستمع صامتًا شهق شهقة خفيفة.
نظرت هيلينا إلى الوجهين المتشابهين، ثم تركت ضحكة رقيقة تتسلل من شفتيها وهي تغوص في الذكرى.
“كان ذلك اليوم أيضًا… يومًا تتساقط فيه الثلج المبلل كما اليوم.”
تدفّق صوتها الهادئ الناعم كأنه حلمٌ يروى.
✦ ✦ ✦
كان يومًا تقطّع فيه الريح اللحم من العظم.
تتهاوى من السماء حبات الثلج المبلل، ويهرع الناس متكوّرين على أنفسهم إلى بيوتهم.
أرادت هيلينا أن تفعل الشيء نفسه، لكن ليس لدى اليتيمة بيت ولا أهل.
‘لو كان معي فقط شخصٌ ما بجانبي…’
هكذا تمنّت، لكن لم تكن تقصد أن تكون الطريقة هكذا أبدًا.
“واااا!”
“أميييي…”
“أخرجوني… أعيدوني إلى البيت!”
أصوات صراخ وعويل أطفال في العاشرة تقريبًا تملأ المكان من كل جانب.
“اللعنة.”
تذكرت الخبز الذي رُمي لها كصدقة فأكلته، ثم فقدت الوعي.
“لقد جننتُ حين أكلته…”
لم تكن بحاجة لسؤال أحد لتعرف أنها خُطفت وبيعت لقافلة تجار العبيد.
في الآونة الأخيرة، ازدادت جرائم خطف الأطفال، وكانت أمثال هيلينا، بلا وليّ أمر، الهدف الأول.
لهذا كانت حذرة إلى هذا الحدّ.
“غبية.”
غضبت من نفسها لأنها وقعت بسهولة، فصدمت مؤخرة رأسها بجدار العربة.
دوم، دوم، دوم.
اختلط عويل الأطفال وشهقاتهم مع صوت ارتطام رأسها، فصار كل شيء فوضى صاخبة.
في تلك اللحظة، شعرت بنظرة من الجانب.
التفتت، فغمرها زرقة صافية كأنها السماء ذاتها.
لم تكد تُسحر بتلك العينين حتى انتفضت حاجباها لرؤية حال الطفلة.
كانت مغطاة بالدم من رأسها إلى أخمص قدميها. ثياب ملطخة، شعر متيبّس بالدماء المجمدة.
‘هل أُصيبت؟’
لكنها كانت سليمة أكثر من اللازم.
‘ولا تبكي.’
كانت أصغر الأطفال في العربة ظاهرًا، لكنها الأكثر هدوءًا، إلى حدّ يثير الريبة.
كأنها لا تدرك الوضع أصلاً.
نظرت إليها الطفلة بنظرات شاردة، فوجدت هيلينا نفسها تُخاطبها دون شعور:
“ماذا تنظرين؟ هل أبدو مضحكة؟”
بلهجة حادة بعض الشيء.
لغة الشوارع التي اكتسبتها من حياة التشرد كانت تهديدًا بحد ذاته، لكن الطفلة لم تفعل سوى أن حرّكت خدّيها الممتلئين وشفتيها.
كُدُنْغْتَانْغْ!
اهتزت العربة بعنف حين علقت بعائق.
“كييياه!”
“آاااخ!”
ارتفع الأطفال في الهواء وهم صارخين، ثم هبطوا على مؤخراتهم المؤلمة.
كتمت هيلينا أنينها وهي تعضّ على وجهها، ثم رفعت رأسها لدفء غريب.
كانت الطفلة التي فقدت توازنها قد سقطت في حجرها، وكان دفؤها ينبعث منها كأنه نار مشتعلة.
دفءٌ يكفي لطرد برد الشتاء القارس في لحظة.
‘كيف… يكون إنسان بهذا الدفء؟’
كانت هيلينا ترتجف من البرد، فالتصقت بالطفلة كأن حياتها تعتمد عليها.
فاستجابت الطفلة وتسللت إلى حضنها بهدوء.
بين رائحة الدم، تفوح منها رائحة شمس ناعمة خاصة بالأطفال.
أدركت هيلينا غريزيًا.
‘هذه ليست مثلي.’
ليست مثلها، ولا مثل الأطفال الباكين هناك.
‘نبيلة؟’
شعرٌ مُعتنى به رغم الفوضى، ثياب حرير فاخرة رغم الدماء.
انتعش فضولها.
“يا صغيرة، ما اسمك؟”
رفعت الطفلة عينيها الكبيرتين تنظر إليها.
“لا تريدين قوله؟”
تدخل صبي كان يراقبهما بهدوء من بين الأطفال القلائل الذين حافظوا على رباطة جأشهم.
“لا تتكلم.”
“ماذا؟”
“عقلها فيه شيء أيضًا، لا تبكي ولا تضحك. مثل الدمية التي تضررت.”
أضاف طفل آخر كان يستمع:
“سمعت الكبار يقولون إنها تلقت صدمة كبيرة، ففقدت كل ذكرياتها. لا تعرف اسمها ولا عمرها.”
أمالت الطفلة رأسها، هل تفهم أنهم يتحدثون عنها؟
“إذن بماذا تنادونها؟”
تبادلوا الصبية نظرة سريعة، ثم هزّوا أكتافهم.
“لم تُعطنا اسمًا، ونحن نسميها بيننا وينتر.”
“وينتر؟”
“لأنها… تشبه الشتاء؟”
شعر أبيض، عينان زرقاوان.
سخرت هيلينا في سرّها من هذا الاسم الكسول.
‘تبدو أقرب إلى الربيع أو الصيف منها إلى الشتاء.’
من حديثهم، عرفت هيلينا الكثير.
كل من في العربة، بما فيهم هي، سلع ثمينة. بفضل مظهرهم الجميل لن يُباعوا فورًا.
‘لا عجب أن وجوههم جميلة رغم أنهم عاشوا في الشوارع.’
لذلك، طالما لم يُغضبوا أحدًا، فلن يُضربوا.
وكانت كلماتهم صادقة، إذ كان رئيس القافلة يُنزل الأطفال أحيانًا ليستريحوا، تحت حراسة مشددة، لكنها اللحظات الوحيدة التي يتنفسون فيها.
خلال الأسبوعين التاليين، نادت هيلينا الطفلة التي لم تفارق جانبها لحظة.
“وينتر.”
رمشت الطفلة، هل ثمة خلل في ذكائها؟ لا، كانت تفهم جيدًا.
رفعت هيلينا غصنًا وكتبت بحروف كبيرة على الأرض:
هِي ـ لي ـ نَا
نظرت إليها الطفلة ببلاهة.
“هذا اسمي. احفظيه.”
اسم تُعلّمه بعد أسبوعين فقط من اللقاء… يا للموقف السخيف.
هزّت الطفلة رأسها، ثم التقطت غصنًا وكتبت بحروف متعرجة اسم هيلينا ثلاثي الأجزاء.
“أنا في الثامنة. واضح أني الأخت الكبرى، أليس كذلك؟”
هزّت الطفلة رأسها موافقة، لا تدري هيلينا إن كانت تفهم أم لا.
“هل لديكِ عائلة؟”
أنزلت الطفلة عينيها.
حسنًا، بما أن ذاكرتها فارغة، فهي لا تعرف حتى إن كان لها أهل.
نظرت هيلينا إلى الوجه الكئيب، ثم قالت فجأة:
“أنا أيضًا بلا عائلة مثلك…”
انتفضت حين سمعت صوتها الشاكي، كأن قلبها انكشف، فهرعت لللتبرير:
“لا، ليس مهمًا. يمكن العيش بدون عائلة. فلا تصنعي هذا الوجه.”
في حياة هيلينا، كانت دائمًا هي المُتروكة، من أمها الحقيقية، ومن والديها بالتبني.
لذلك لم تبنِ أي رابط يومًا. هكذا لا أحد يتركها.
‘فلا تكوني وحيدة. لا تفكري بأشيء لا داعي له.’
وفيما هي تُشدّ من أزر نفسها، جذبتها الطفلة من يدها.
نظرت إلى الأرض، فوجدت اسمها محفورًا بحروف متعرجة.
“…كتبتِ اسمي؟”
رمشت الطفلة.
نظرت هيلينا إلى تلك العينين الصافيتين، فشعرت بشيء لا تستطيع تسميته: رضا؟ سعادة؟ فرح؟ شعور لم تعرفه من قبل.
وفيما هي تحدّق في انعكاسها بتلك العينين الشفافة، انبثق سؤال عفوي منها:
“هل… تريدين أن تكوني أختي الصغيرة؟”
ما قلته بدا… ليس سيئًا.
دائمًا كانت هي المختارة، ولم تختار يومًا.
“سأكون أختك الكبرى.”
إن كان هناك شخص تريد أن تكون عائلته، أفلا يكون ذلك الشخص عائلتها الحقيقية؟
ابتسمت الطفلة ابتسامة عريضة وهزّت رأسها.
“وينتر.”
تأكدت هيلينا من عدم وجود حراس، ثم همست:
“هل… نهرب معًا؟”
أمالت الطفلة وجهها المدور.
“سيأتي الفرصة يومًا. سنهرب.”
العالم قاسٍ على طفلين، لكن أي مصير أفضل من أن يُباعا إلى الأبد؟
“ستأتين معي، أليس كذلك؟”
هزّت الطفلة رأسها موافقة.
في ذلك اليوم، وُلد لدى هيلينا لأول مرة شخص تريد حمايته مهما كلّف الأمر.
لكن المصيبة تأتي دائمًا دون إنذار.
في البداية ظنت أنها برد عادي. شعرت بالكسل والحمى.
كانت تتحمل حتى ذلك الحين، لكن حالتها ساءت رويدًا رويدًا.
في النهاية، كان أقل حركة تُلهثها، فصار الهروب حلمًا مستحيلاً.
عندما استيقظت، كانوا قد وصلوا إلى ساحة المزاد.
رأى المسؤول هيلينا المريضة، فظنها مصابة بعدوى، فألقى بها في مخزن مظلم.
“هؤلاء الكلاب…”
تلك الطفلة لا تستطيع حتى ارتداء ثيابها بدوني.
وفيما وعيها يتلاشى، ظلت هيلينا تقلق على الطفلة.
في ليلة كان ضوء القمر ساطعًا إلى حدّ البرودة، تسلل إلى المخزن،
رنّ في أذنيها صوت غريب:
“…لينا.”
المت
رجمة:«Яєяє✨»
التعليقات لهذا الفصل " 60"