57
رفعت إيديث رأسها، وكأن صدرها قد ضاق بما لا يحتمل.
كانت السماء زرقاء صافية، صافية حتى الوجع.
“هاا…”
تناثر نفسها في الهواء كغيمة بيضاء سرعان ما تلاشت.
ما إن تأكدت أن زهرة الثلج في قلب لوسيون، لم يبقَ أمام إيديث خيار سوى الموت.
“على الأقل… خيرٌ فيما حدث.”
هذه المرة، بإمكانها أن تموت دون أدنى ندم.
أغمضت إيديث عينيها.
ثم فتحتهما من جديد.
كانت قد عادت إلى المكان الأول الذي وقفت فيه.
وراء الباب المفتوح على مصراعيه، كان المشهد الذي رأته للتوّ لا يزال ممتدًّا.
استدارت إيديث بهدوء.
مدَّت يدها نحو الباب المقابل.
لكن الباب، على عكس المرة السابقة، لم يتحرك قيد أنملة.
ألصقت أذنها بالباب الحديدي المغلق بإحكام.
فسمعت صوتًا خافتًا، كأنه همس من بعيد.
«…أنقذ…ني…»
«نعم… وعدٌ… بالتأكيد…»
صوتٌ سمعته من قبل في مكان ما.
طرقت إيديث الباب مرات عديدة، لكنّه ظلّ صلبًا لا يفتح.
تخلّت أخيرًا عن فتحه، فاستلقت على الأرض وبدأت ترمش بعينين شاردتين.
رمشة.
رمشة.
رمشة.
ثقلت جفناها، ثم انغلقت، وسُحبت من جديد إلى الظلمة.
✦ ✦ ✦
فتحت عينيها، فاستقبلها إحساس مقيت ثقيل.
كأن شبحًا يضغط على صدرها، فلا تستطيع الحركة.
ابتلعت إيديث ريقها.
هل لا تزال داخل الحلم؟
تفحصت الظلمة المحيطة بعينين قلقتين.
‘أين لوسيون؟’
ما إن تذكرت الدفء الذي كان يبرد بين ذراعيها حتى انتفض جسدها قشعريرة.
كانت تعلم أنه مجرد حلم، لم تستطع كبح القلق.
وفيما هي ترتبك لهذا الشعور الجديد بالرعب،
“…ما بكِ؟”
صوتٌ ناعسٌ جذبها إليه.
بللها دفء بشرته من فوق القماش.
ما إن شعرت بحرارة تشبه حرارتها حتى بدأ جسدها المتصلب يرتخي شيئًا فشيئًا.
“كابوس؟”
“…نعم.”
لكن هل يمكن حقًّا تصنيف هذا بمجرد كابوس؟
خطر لها أن هذا الحلم قد يكون ما حدث فعلاً لإيديث الأصلية في الرواية.
في أحلامها، دائمًا يظهر لوسيون، وعلاقتهما دائمًا في أسوأ حال.
نادرًا ما تشهد أحداثًا لا تعرفها، ومعظمها يتطابق مع ما تعرفه.
هل هي قلقة من اقتراب أحداث القصة الأصلية؟ أم أنها تأثرت لأنها حلَّت محل إيديث؟ لا تعلم.
“طفلة صغيرة وترى كوابيس؟”
ضحك لوسيون ناعسًا ضحكة خافتة، ثم استدار نحوها وربت على بطنها برفق.
“ألم أقل لكِ إن بقائي إلى جانبكِ كان قرارًا صائبًا؟”
“…نعم.”
“…يبدو أنكِ خفتِ حقًّا. لم تغضبي حتى.”
تمتم بدهشة، ثم رفع يده ومسح جبينها المتصبب عرقًا، ثم فتح ذراعيه.
“سأمنحكِ فرصة نادرة للاحتماء في حضني.”
نظرت إيديث إلى ابتسامته المقوسة بمرح، ثم تسللت بحذر إلى صدره.
انتفض جسد لوسيون انتفاضة خفيفة.
“…هل كل شئ بخير؟”
دهش لوسيون من دلالها غير المعتاد، فربت على ظهرها بلطف.
“ربما ليس سيئًا أن ترين كابوسًا بين الحين والآخر.”
“أنا أكره ذلك.”
حتى لو كان مزاحًا، فهي ترفض.
تخاف، حتى في الحلم، أن يموت لوسيون.
دفنت إيديث وجهها في صدره.
سمعت دقات قلبه القوية.
“…لقد انتهى الكابوس وحان وقت النوم.”
دق، دق، دق.
كانت دقات قلبه أسرع من المعتاد، وبينما كان صوته يبتعد رويدًا رويدًا، غرقت هي في النوم من جديد.
✦ ✦ ✦
في ساعة متأخرة من الليل، قصر عائلة ليستر الحاكمة.
في غرفة وريث العائلة، مايلز ليستر، لم تنطفئ الأنوار.
“أحضروا المزيد من الخمر! الآن!”
كان مايلز قد بدأ الشرب منذ الصباح، فثمل ثمالة شديدة، وهوى بكأسه على الطاولة وصاح بغضب.
“كيف يجرؤ على إذلالي؟”
إن فكرة أن يُهان أمام الجميع كانت لا تُطاق، جرحًا في كبريائه لا يُشفى.
قرقع مايلز أسنانه.
“لوسيون… لوسيون وحده لا يكفي، من تلك العاهرة اللعينة أصلًا؟”
لماذا تردد؟ أمام أنثى أصغر منه وأضعف بكثير.
“أنثى؟”
عبست لورا التي جاءت بالخمر بدلاً من الخدم.
“مايلز، لم تلتقِ بامرأة أخرى غيري، أليس كذلك؟”
“أي امرأة وأي هراء! صادفت زوجة لوسيون فقط.”
أمال مايلز الكأس بعنف، فمررت لورا يدها على كتفه بلطف لتهدئه.
ثم سألته بصوت يتفحص:
“لم أسمع أن الدوق الصغير تزوج من جديد، متى حدث ذلك؟”
“تزوج من جديد؟”
ضحك مايلز كأنه سمع نكتة سخيفة.
“لم يطلّق أصلاً حتى يتزوج ثانية. لا يزال متزوجًا تلك التي تزوجها طائشًا في الصغر.”
“إذن المرأة التي تزوجها الدوق الصغير وقتذاك… لا تزال حية؟”
في ذلك الوقت، لم يتزوج لوسيون فروست سوى امرأة واحدة.
‘مستحيل…’
تلك الفاة الغير شرعية لا تزال حية؟
تسارع نبض لورا، فسألت:
“هل رأيت وجهها؟”
“لا. كانت مخفية تمامًا تحت حجاب. ظننت لوسيون مريضًا بالغيرة.”
كان يخفيها بإحكام حتى لم يكن من السهل الحصول على صورة واحدة.
“شعر فضي، عينان زرقاوان، ونفس عمر لوسيون… هذا كل ما استطعنا معرفته.”
حتى هذه المعلومات كانت من يوم الزفاف فقط.
بعدها، سيطر الدوق على كل شيء، فصارت إيديث فروست كيانًا محاطًا بالستار.
“يقال إن حتى الشيوخ لا يعرفون شيئًا…”
هدأ غضب لورا، وحلّ مكانه فضول حاد.
“هل اسمها… إيديث بالصدفة؟”
“كيف عرفتِ؟ لا توجد أي معلومات، فقد أخفاتها العائلة الحاكمة تمامًا.”
مستحيل أن تعرف عائلة كلارك المنهارة أي شيء عن لوسيون.
حكّ مايلز أنفه الأحمر وهو يتذكر فجأة.
“آه! صحيح، أن تلك المرأة كانت الابنة غير الشرعية لعائلة كلارك، أليس كذلك؟ أنتِ تعرفينها جيدًا إذن. كيف هي؟ جميلة؟ يخفونها هكذا فصرت أكثر فضولًا.”
استمر مايلز في ثرثرته السكرانة، لكن لم يصل صوته إلى أذني لورا.
إيديث.
ما إن عاد الاسم الممحو من الذاكرة حتى ابيضّ وجه لورا كالورق.
‘كيف؟ كيف لا تزال حية؟’
لم يشك أحد في موتها.
أرسلوها لتموت كقربان.
لم يسمعوا عنها شيئًا بعد الزواج، فافترض الجميع موتها.
لكنها لم تمت، بل تعيش وتحظى بحب الدوق الصغير.
“لورا؟ لورا! أتسمعيني؟ كيف تبدو تلك الفتاة؟”
استمر مايلز في هرائه حتى غفا أخيرًا.
قرقعة… قرقعة.
دوّى صوت عضّ الأظافر في الغرفة.
“لا يجوز… لا يجوز أن تظل حية.”
إن لم يمت الدوق الصغير؟ إن ورث العائلة بسلام؟
“تصبح إيديث تلك الدوقة…”
ارتعشت شفتا لورا الباهتتان.
يجب إخبار والدها بهذا فورًا.
✦ ✦ ✦
استيقظت إيديث والشمس قد بلغت كبد السماء.
ارتفع جسدها فجأة من فرط الضوء المتساقط على وجهها، ثم شعرت بثقل على خصرها فأنزلت عينيها.
ذراع لوسيون القوية لا تزال تحيط بخصرها وترفض الإفلات.
“هذا… قريب جدًّا…”
لم تكد تتفاجأ من التصاق الجسدين حتى عادت إليها ذكرى الفجر.
خجلت حتى أطراف أذنيها وهي تتذكر نفسها تتدلل كطفلة وتغوص في حضنه.
‘آاااخ! حتى لو كان كابوسًا، كيف أرمي نفسي في حضنه هكذا!’
صرخت في صمت، وضغطت على وجهها المحترق.
‘الحمد لله أنه نائم.’
لو رآها في تلك الحالة المهينة لقضمت لسانها.
جمعت ملامحها بصعوبة، ثم هزّت كتف لوسيون النائم بعمق.
“لوسيون، استيقظ. تأخرنا.”
“أمم… قليلاً فقط…”
تدلل لوسيون وجذبها إليه أكثر.
“لا، ليس وقت هذا الآن. الشمس في كبد السماء، عُد إلى غرفتك قبل أن تدخل بيكي.”
“بيكي دخلت وخرجت منذ زمن.”
“ماذا؟”
تعلقت عينا إيديث بالإبريق على الطاولة.
كان نصفه فارغًا صباحًا، والآن ممتلئ.
تكوّنت قطرات عرق على جبين إيديث كقطرات الندى على الإبريق.
‘رأتني… بهذه الحال…’
احمرت وجنتاها من جديد، فضربت كتف لوسيون وهي تلومه.
“لو رأيت بيكي تدخل كان عليك الاستيقاظ منذ البداية! لماذا لا تزال هكذا؟”
“ومن الذي منعني من النوم أصلاً…”
لا كلام بعد هذه الجملة.
… دفعت إيديث ذراعه بصعوبة وربتت على ظهره.
“حسنًا. نم أكثر. لن أوقظك.”
“…لا حاجة.”
قال إن ضجيجها أيقظه تمامًا، فنهض لوسيون ببطء ورفع الغطاء.
تساقط اللحاف، فانكشف صدره العاري القوي وبطنه المشدود.
رفع عينيه الناعستين إليها بنظرة كسولة، فابتلعت إيديث ريقها وهربت بنظرها بعيدًا.
المترجمة:«Яєяє✨»
التعليقات لهذا الفصل " 57"