الفصل السادس والأربعون
فجأة يتحدث عن الطلاق.
من كلام مفاجئ كهذا ظنت إيديث أنها أساءت السمع.
لكن حين رأت تعبيري أغني وكرو أدركت أنها ليست الوحيدة التي سمعت.
وجه إيديث المشوش تحول في لحظة إلى قلق بالغ.
“سيد أغني… يبدو أن عقل لوسيون قد تلوّث. ماذا نفعل؟”
بخلاف إيديث التي كانت قلقة بصدق، كان وجه أغني مفعماً بالمزاح.
“أول مرة أرى تلوثاً متأخراً. مادة بحثية رائعة؟ هل أتحقق؟”
“ابتعد أيها المنحرف.”
دفع لوسيون يد أغني الممدودة بغضب، ثم اقترب بخطوات واسعة وأمسك كتفي إيديث.
كانت لمسته عاجلة جداً.
“إيديث، أجيبي.
هل ستطلقين؟
لن تفعلي، أليس كذلك؟”
“ما هذا السؤال؟ طبعاً لن أفعل.”
من أين سمع كلاماً غريباً ليتصرف هكذا؟
تمتمت إيديث في سرّها.
“كيف تزوجنا أصلاً وأنت تتحدث عن طلاق؟
هل نسيت؟ ذلك اليوم… حين قلتُ إنني سأمسك بك مهما كلّف الأمر…”
مجرد استرجاع تلك اللحظة جعل يديها تعرقان وقلبها يخفق بعنف.
طلاق؟
ذهلت إيديث فضيّّقت حاجبيها وشدّت ذراعيها معاً.
من وقفتها المائلة بدا واضحاً: لو ذكر الطلاق مرة أخرى فسيلقى ضربة لا محالة.
هذا الرد الحاد طمأن لوسيون بدلاً من أن يزعجه.
عيناه الحمراوان المتجمدتان من التوتر ذابتا، وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه.
“أجل، مستحيل أن يكون الأمر كذلك.”
“ولم تُرفع اللعنة بعد، فكيف نطلق؟ لا تقل كلاماً مخيفاً.”
بهذا الصوت الهادئ تجمد وجه لوسيون.
تذكر فجأة حديث العقد الذي دار بينه وبين إيديث يوماً ما.
[هل تحتفظين بالعقد جيداً؟ إنه مهم جداً، لا تفقديه أبداً.]
[العقد لا يُكسر جزافاً.]
هو يراه باطلاً عملياً منذ زمن، لكن إيديث لا تزال تؤمن به حتى الآن.
والهدف الأخير لذلك العقد هو…
“عندما تُرفع اللعنة…”
هل ستغادرين حينها؟
ابتلع لوسيون الكلمات التي بلغت حنجرته بالقوة.
لو سمعت إجابة «نعم»… ماذا سيفعل؟
فجأة اجتاحه خوف عنيف.
أطرق برأسه نحو الأرض وعضّ شفتيه بشدة.
✦ ✦ ✦
لوسيون غريب اليوم.
وإيديث تعرف السبب تقريباً.
“هيدن، أنت قلت شيئاً غريباً أمام لوسيون، أليس كذلك؟”
“لماذا؟”
“اقتحم الدرس فجأة وسألني إن كنت سأطلق منه. أنت السبب، صحيح؟”
“كخ… قال ذلك أمامك مباشرة؟”
كخخخخ.
انفجر هيدن ضاحكاً وهو يمسك بطنه.
من ضحكته المدوية دلكت إيديث جبهتها المؤلمة وقالت: كنت أعلم.
“كما توقعت، أنت السبب. ماذا قلت له هذه المرة؟”
“لحظة، اهدئي.”
أمسك هيدن بسرعة المعصم الطائر نحو فمه.
هو يعرف أكثر من غيره كم تؤلم تلك اليد الصغيرة.
“لم أقل شيئاً كبيراً.
سألته فقط: ماذا ستفعل إذا طلّقت منك؟”
“سألته هذا؟ متى أصبحتما قريبين إلى هذا الحد؟”
أم أنه يقلب معدتي عمداً؟
ضيّقت إيديث عينيها وسألت.
“حسناً…”
لم يكن قرباً، بل بسبب رسالة أحرقها سراً امتد الحديث إلى ذلك، لكنه لم يستطع قوله.
لا يريد أن يُقطع لسانه.
رفع هيدن كتفيه بدل الجواب.
“الأهم أن السيد الشاب قال إنكِ ملكه. هل هذا مقبول؟”
“أنا ملكه؟”
“كان واثقاً تماماً.”
طبعاً.
إيديث تعرف منذ زمن أن لوسيون متمسك بها.
كان دائماً شديد التملك والاحتكار تجاه ما يراه ملكه.
وإيديث لا تبتعد عن جواره أبداً، بل تمتص لعنته أيضاً، فمن الطبيعي أن يشعر كذلك.
“من رد فعله يبدو أنه لن يتركك أبداً.”
“لا داعي للقلق. عندما يحين الوقت سيفقد اهتمامه بي حتماً.”
هيلينا ستظهر بعد ست سنوات من الآن.
لوسيون سيُسحب إليها غريزياً ويعطيها قلبه.
تمسكه الحالي سينتقل تلقائياً إلى هيلينا.
وحين تُرفع لعنته، نضع ختم الطلاق ونفترق، كما نص العقد.
“إذن السيدة تنوي الطلاق فعلاً.”
“حددنا النهاية منذ البداية. الطلاق كان شرط الزواج أصلاً.”
“الطلاق… شرط؟”
هل أقول أم لا؟ حتى كاليد لا يعلم.
ترددت إيديث قليلاً ثم شرحت لهيدن باختصار.
“نعم. كان يكره الزواج بي في الأصل. لذا وضعتُ الشرط. لو لم أفعل لما تم الزواج أصلاً.”
كنت بحاجة ماسة لهذا الزواج كي أغادر عائلتي.
أضافت إيديث، فابتسم هيدن ابتسامة ساخرة خفيفة.
‘يا إلهي… عقاب ذاتي.’
لا يعرف تفاصيل بدايتهما بالضبط، لكنه يعرف شيئاً واحداً بوضوح:
العلاقة انقلبت.
الآن المتعلق هو لوسيون بلا شك.
تس تس… لا يدري أن العقد هو من يربط قدميه، غبي.
“وماذا تعتقدين أنتِ في السيد الشاب؟”
“لوسيون صديقي الأول… وعائلتي.”
“إجابة متطابقة تماماً.”
انتعش وجه إيديث.
“قال لوسيون الشيء نفسه؟”
“أجل.”
الحمد لله. حتى لو افترقنا ولم نعد عائلة، يمكننا البقاء أصدقاء.
رأى هيدن فرحتها الصادقة فحكّ حاجبه.
كما توقع، لكن الوزن مختلف.
إيديث تراه فعلاً عائلة وصديقاً، أما لوسيون…
‘يا إلهي… حتى لو اكتشف الحقيقة سيُتعب كثيراً.’
ليس شأنه، لكن…
كلما تعب لوسيون، زادت المتعة.
ابتسم هيدن ابتسامة ماكرة وسأل:
“وماذا لو تغير رأيه؟ لو أحبّكِ يوماً ما؟”
“مستحيل.”
إجابة حاسمة جعلت زاوية فم هيدن تهبط ببطء.
“لوسيون قالها بفمه: لن يحبني أبداً، حتى لو مات.”
“ها؟”
“وأنا أعرف مكانتي. لم أطمح يوماً بأكثر من ذلك. أريد فقط أن نعيش معاً بهدوء.”
ولوسيون يعاملها أفضل بكثير مما توقعت.
كانت تظن أنه سيكتفي بالمعاملة الشكلية، لكنه يحبها ويقدرها بصدق.
لكن ذلك ليس حباً رومانسياً.
صديق، عائلة.
إيديث حصلت على أكثر مما تمنت، وهي راضية تماماً.
لكن هل لوسيون راضٍ أيضاً؟
‘يا سيدي الشاب… أنت انتهيت.’
شعر هيدن بعرق بارد يتصبب من ظهره، وهو أمر لا يعنيه أصلاً.
✦ ✦ ✦
طاخ!
طار سيف لوسيون في قوس طويل وانغرز في الأرض.
انحنى ممسكاً بمعصمه المؤلم.
“سيد لوسيون، لو كان هذا قتالاً حقيقياً لكان رأسك قد فُصل الآن.”
تردد صوت أوسكار البارد في ميدان التدريب.
“وليس هذه المرة الأولى. لو جمعنا أخطاء اليوم لمتّ عشر مرات على الأقل.”
“أعلم…”
“اليوم مستحيل. نكتفي بهذا. اذهب وبرد رأسك.”
تنهد أوسكار، فعض لوسيون على أسنانه.
عيناه المثبتتان في الأرض تشوّهتا بؤساً.
لم يستطع تحمل شفقة نفسه على حاله.
شعر بنظرة أوسكار القلقة على ظهره.
“سيد لوسيون.”
“انصرف.”
بقي لوسيون وحيداً في الميدان عمداً وبدأ يرتب المكان، ظناً أن رأسه المضطربة قد تهدأ.
لكن حتى بعد الانتهاء من الترتيب واستلقائه في الظل، ظل عقله فوضى.
“آه… مزعج.”
بعثر لوسيون شعره المبلل بالعرق.
أول مرة يُوقف فيها الدرس.
كان يشتت انتباهه أحياناً بسبب إيديث، لكن حين يمسك السيف كان ينسى كل شيء ويركز.
اليوم لم يستطع.
دائماً إيديث بجانبه.
مهما حدث لن تترك فروست.
الافتراض الذي ظنه أبدياً تحطم اليوم لأول مرة.
عقد تافه؟ يكفي تمزيقه.
لكن هل ستقبل إيديث ذلك؟
لوسيون لا يملك يقيناً.
وفي الوقت نفسه يملك يقيناً تاماً:
إيديث ستنفذ الوعد مهما كان العقد موجوداً أم لا.
بمجرد رفع اللعنة ستضع أوراق الطلاق أمامه وترحل.
حينها لن تحتاج لحماية فروست بعد الآن.
كما جاءت من تلقاء نفسها يوماً، سترحل من تلقاء نفسها.
“من سمح لكِ…”
كوّر قبضته حتى غرست أظافره في لحمه بألم.
المترجمة:«Яєяє✨»
التعليقات لهذا الفصل " 46"