التقويم القاري، 18 أبريل 1891
توفي رئيس جامعة بوارنيه، فريديريك بيلمارتييه.
كان السبب الرسمي المعلن لوفاته حادثة مؤسفة وقعت أثناء قمع الشغب في الليلة السابقة إلا أن القصة الحقيقية وراء هذا الإعلان الرسمي لم يكن يعرفها سوى قلة قليلة من الناس.
نجحت قوات القمع التي اقتحمت جامعة بوارنيه في القبض على عشرات الطلاب الذين لم يتمكنوا من الفرار كما عثروا على جثث كانت مرتبة بعناية داخل المباني إلا أن المشكلة الأكبر كانت أن الأمير هنري، الذي كان ينوي تنفيذ الإعدام الفوري بحق الطلاب المعتقلين، غيّر رأيه وبدأ بتعذيبهم بحثًا عن إجابة واحدة: هل ساعدهم فريديريك بيلمارتييه على الفرار؟
رغم أن الطلاب الذين قُبض عليهم كانوا بالفعل مشاركين في الثورة، لم تكن هناك أي أدلة تثبت أن بيلمارتييه قد قدم لهم أي مساعدة بل إنه خرج بنفسه من بوابة الجامعة قبل إطلاق النار عليه.
بعض النبلاء الذين كانوا يحملون الود لبيلمارتييه افترضوا أنه ربما خرج من بوابة الجامعة ليخبر قوات القمع بأن الطلاب قد استولوا على الحرم الجامعي وهذا يعني أن الأمير هنري قتل رجلًا بريئًا عن طريق الخطأ.
أدرك هنري أنه حتى بين النبلاء الذين يدعمونه، كان هناك من يكن الاحترام لبيلمارتييه، ذلك المثقف ذو السمعة الرفيعة.
ولم يكن الأمير مستعدًا للاعتراف بخطئه لذا، كان عليه أن يحول بيلمارتييه إلى خائن تعاون مع الثوار لتبرير جريمته.
ومن أجل ذلك، لجأ إلى تعذيب الطلاب بشكل وحشي، مكررًا عليهم نفس السؤال:
“أليس صحيحًا أن رئيس الجامعة ساعدكم على الهروب؟”
لكن لم يكن هناك طالب واحد اعترف بذلك.
كانت شهاداتهم جميعًا متطابقة: لقد اقتحموا الجامعة بالقوة، وكان بيلمارتييه يحاول طردهم وعندما فشل في ذلك، غادر سرًا ليطلب المساعدة من قوات القمع.
وهكذا، ذاق الأمير هنري طعم الفشل لأول مرة.
أما الصفعة الثانية التي تلقاها، فكانت من شقيقه الأصغر، ليونارد.
ففي اليوم التالي لمقتل فريديريك بيلمارتييه، عاد ليونارد مسرعًا إلى القصر الملكي وذهب مباشرة إلى الإمبراطور أنطوان الثالث وهناك، اعترف بكل شيء: أنه كان يتسلل سرًا من القصر منذ فترة طويلة لزيارة عائلة بيلمارتييه، وأنه في الليلة الماضية كان يتجول في ساحة الجامعة مع آنيس، ابنة الرئيس، بدافع الفضول الطفولي.
رغم استياء الإمبراطور من تصرفات ابنه غير اللائقة، إلا أنه صدق كلام ليونارد، لأنه كان الدليل الوحيد الذي يفسر سبب وجود الأمير الصغير في جامعة بوارنيه تلك الليلة.
أما الأمير هنري، فلم يكن أمامه خيار سوى الاعتراف بخطئه.
وهكذا، تم الإعلان رسميًا أن فريديريك بيلمارتييه قُتل عن طريق الخطأ برصاص أحد جنود قوات القمع.
وبفضل هذه الرواية، تم إنقاذ الطلاب المعتقلين، كما تم إنقاذ آنيس، التي كادت تُعدم بتهمة كونها ابنة رجل يُشتبه في دعمه للثورة.
⚜ ⚜ ⚜
آنيس بيلمارتييه، التي اعتُقلت لأيام في السجن تحت الأرض داخل القصر الملكي، لم تُمنح حتى فرصة الحداد على وفاة والدها.
لكن مع إثبات براءة والدها، أُطلق سراحها أخيرًا.
اقتادتها خادمات القصر، دون أن تعرف من أرسلهم، إلى حمام ساخن، ثم ألبسوها ثوبًا فاخرًا ونقلوها عبر ممرات القصر المذهلة التي أبهرتها بأضوائها وزخارفها.
هناك، كان في انتظارها خادم الأمير ليونارد، الذي قادها بصمت إلى غرفة الاستقبال الخاصة بالأمير.
طوال الطريق، لم تتوقف آنيس عن التفكير، حتى كادت أن تنهار من كثرة ما جال في خاطرها.
لكن عندما دخلت الغرفة ورأت ليونارد، توقفت أفكارها للحظة.
كان ليونارد جالسًا على الأريكة، يرتدي أفخر الملابس التي رأتها عليه في حياتها، ويداه مشبوكتان في قلق، بينما كانت ساقه تهتز بعصبية وما إن أعلن الخادم:
“لقد جلبت الآنسة بيلمارتييه.”
حتى وقف ليونارد فجأة.
وقفت آنيس عند الباب بهدوء، وقد بدت هادئة بشكل غريب، أو ربما كانت غارقة في الحزن بدت أكثر نحافة بسبب معاناتها في الأيام الماضية.
“آنيس!”
ركض ليونارد نحوها، يريد أن يتأكد من أنها بخير، أن يمسك بيدها، أن يحتضنها ليواسيها.
لكنه كبح جماح نفسه.
فمنذ ذلك اليوم عندما كان في الرابعة عشرة من عمره، وحتى هذا اليوم، لم يجرؤ ليونارد على لمس حتى طرف إصبع آنيس.
“هل أنتِ بخير؟ هل أصابك مكروه؟”
أجابت آنيس بصوت هادئ:
“أنا بخير، حقًا.”
ثم أخذت نفسًا عميقًا وانحنت له برفق:
“أنا آسفة، سمو الأمير لقد تسببت في جلب المتاعب لك بسببي.”
في إحدى أمسيات أبريل
في تلك الأمسية، وكعادته، ارتدى ليونارد ملابس متخفية وتوجه إلى منزل عائلة بيلمارتييه.
كان فريديريك وابنته آنيس يتجادلان بخفة بشأن رغبة آنيس في مرافقة والدها.
ليونارد لم يكن يحمل أي ضغينة ضد الجمهوريين ألم تكن جمهورية ويستيريا الجارة مثالًا حيًا على ذلك؟ في بلد يتداعى بهذا الشكل، كيف يمكن لوم أولئك الذين يحلمون بعالم بلا إمبراطور؟ لقد سبق أن أوضح ذلك لآنيس، لذا فهم بسهولة سبب الخلاف بين الأب وابنته.
الأمير هنري كان قد أمر بإعدام خمسة طلاب جامعيين لمجرد تداولهم كتب الفكر الجمهوري، مما أشعل شرارة الانتفاضات الطلابية في أنحاء البلاد وتوقّع الجميع أن تصل نيران الغضب إلى ذروتها في تلك الليلة.
كان فريديريك يستعد لاستقبال الطلاب الذين قد يفرّون إلى الجامعة طلبًا للحماية، لكن آنيس أصرت على مرافقة والدها لمساعدتهم.
كان موقف فريديريك واضحًا: “الأمر خطير، لا يمكنك الذهاب.”
أما آنيس، فقد أجابت بإصرار: “إن كان هناك من يعاني في وجه الخطر، فواجبي أن أكون هناك لمساعدتهم.”
راقب ليونارد الجدال بصمت، ثم خطرت له فكرة جريئة.
كان ليونارد يعتقد أن قرار هنري كان خاطئًا، وأن غضب الطلاب مبرر ورغم كونه أميرًا، لم يكن بإمكانه دعمهم علنًا، لكنه كان مستعدًا لمساعدتهم بطريقته الخاصة.
لذلك، اقترح أن يرافق آنيس، حتى يتمكن بصفته أميرًا من حمايتها إذا ما اندلعت مواجهة مع قوات القمع.
ورغم خطورة الخطة، إلا أنها بدت الحل الأمثل، فوافق فريديريك على مضض.
ولو لم يكن ليونارد هناك في تلك الليلة، لما نجت آنيس من الموت، وهذه ليست مبالغة.
“كيف تقولين إنني واجهت المتاعب بسبَبك؟ لم أتعرض لأي انتقاد يُذكر ثم إنني رجل بالغ، ومن أرافقه ليس من شأن والدي.”
“لكن… سمعتُ أنني كنت سأُقتل لولا تدخلك، سمو الأمير.”
آنيس، بفستانها الفاخر الذي لم تعتد ارتداءه إلا في القصر، تحدثت بصوت هادئ، بينما كان ليونارد يصغي إليها بصمت، ثم تنهد بمرارة.
كان يعلم أنها على وشك أن تقدم له الشكر مجددًا.
“إن مصائب حياتك، يا آنيس، كانت دومًا بسبب أخي.”
قالها ليونارد بأسى.
“كنتُ أود أن أقدم هذا كاعتذار لوالدك وأخيك… بحمايتك.”
“اعتذار؟ هذا كلام لا يليق، سمو الأمير أنا هنا فقط لأشكرك على إنقاذي مرة أخرى.”
“أرجوك، لا تقولي ذلك، آنيس هذه المرة، لا تفعلي.”
توسل إليها ليونارد بحرارة، ثم، دون وعي، اقترب منها وأراح جبينه على كتفها.
شعر وكأنه فقد عقله.
آنيس جعلته يفقد صوابه، لذا سمح لنفسه بهذا التمرد البسيط.
أنفاسه الحارة لامست كتفها، وغضبه اشتعل في صدره.
لم يفهم كيف يمكنها أن تشكره هكذا، وكأن حمايتها لم تكن من مسؤوليته.
“لا تتحدثي وكأن من الطبيعي أن أتخلى عنك…”
ثم همس بكلمات ارتجفت لها روحه:
“لدي من الأسباب والواجب ما يكفي لإنقاذك… حتى لم يعد باستطاعتي جمع شتاته.”
• نهـاية الفصل •
حسـابي انستـا [ i.n.w.4@ ].
التعليقات على الفصل " 20"