بعد قليل وُضِعت أمامي الأطباق الشهيّة وبيرة تتلألأ بلونٍ ذهبي.
دقّ قلبي.
إذًا… فلنختبر الأمر.
قدرتي على التحمّل.
أنا، كمواطنة كورية جنوبية، كان من متع حياتي احتساء كأس بيرة بعد العمل. أن يكون حدّي ثلاث رشفات فقط كان كالصاعقة. لا يمكنني تقبّل ذلك.
إن كانت قدرتي أقل من المتوقع، أزيدها.
الإكثار يوسّع التحمّل!
بعزمٍ بلغ السماء، أمسكتُ بالكأس.
طنين.
في تلك اللحظة، بدا صوت فتح باب المطعم واضحًا بشكلٍ غريب في أذني. نظرتُ حولي بلا سبب. حين دخلتُ كان المكان شبه فارغ، أما الآن فامتلأ تمامًا.
شعرتُ بوخز ضميرٍ لأنني أحتل طاولة تتسع لأربعة وحدي… لكنّي لمحتُ أن الداخل للتو كان وحده أيضًا.
هدأت نفسي قليلًا.
حسنًا، لنشرب البيرة إذًا.
رفعتُ الكأس— وفجأة اقترب أحدهم وجلس بجانبي.
آه، لم من الصعب أن يصل الكأس إلى فمي!
رفعتُ رأسي. كان الرجل الذي دخل قبل قليل.
“إن لم يكن لديكِ رفيق، هل تسمحين لي بالجلوس؟”
“آه، نعم.”
أشار إلى المقعد المقابل لي قطريًا. لم يكن لديّ سبب للرفض، فأومأتُ. لكن ليس هذا فقط.
كان شعره الأحمر مألوفًا.
نفس لون شعر مُحسِني ظُهرًا…
لكن الوجه مختلف.
“هل على وجهي شيء؟”
“لا. آسفة. فقط تشبه شخصًا أعرفه.…”
“شخص تعرفينه؟”
لمع في عينيه بريقٌ غريب. كمن سمع قصة شيّقة، أو كأنه يتوقّع شيئًا.
“باي أون خاصتي.”
“ومن يكون باي أون؟”
كان صوته… مهذّبًا. ناعمًا، سلسًا، ومفعمًا براحةٍ واثقة.
“إنه موجود. مُحسن كالرّيح. أنقذني ظهرًا، لكنه لم يخبرني باسمه.”
“هاه؟”
سأسمي هذا الرجل من الآن فصاعدًا “السيد النبيل”.
لأن هالته تشبه النُّبلاء فعلًا.
على أي حال، خرج من فمه صوت دهشة.
همم.
هل بدوتُ كأنني أقول هراءًا؟ ينبغي أن أشرح.
“في الحقيقة، شعره كان أحمر مثلك. لذلك سمحتُ لك بالجلوس لأنك ذكّرتني بباي أون. وإلا لما وافقتُ أبدًا. آه، طبعًا، لون شعرك بالمقارنة مع شعره لا يعدو كونه قشّة.”
“بفت.”
“لماذا تضحك؟”
“يبدو أن تحمّلكِ للكحول ضعيف.”
أشار بعينيه إلى كأس البيرة.
أوه.
لمستُ وجنتي بظاهر يدي.
“لم أشرب سوى رشفة واحدة، فلماذا أشعر بالحرارة… لماذا…”
“أنتِ لطيفة. اشربي ببطء. المقبلات وفيرة.”
مدّ يده وجعلني أضع الكأس على الطاولة، ثم نادى النادل بسلاسة.
“مثل طلبها، من فضلك.”
من دون أن ينظر إلى القائمة.
راقبتُ النادل وهو يبتعد، ثم التفتُّ إليه.
“لماذا تقلّدني؟”
“يبدو شهيًا. والرائحة رائعة.”
“أترغبُ في تذوّق لقمة يا سيّد؟”
“لا بأس. سأنتظر طلبي. لكن…”
رغم جلوسه قطريًا، بدا الحوار وكأننا رفيقان.
“لماذا تنادينني سيد منذ قليل؟”
“لأنك تبدو كذلك. صوتك عذب جدًا.”
“بفت.”
أيّ جزء مضحك؟
أجبتُ بجدّية فقط.
تأفّفتُ في سري، وقطّعتُ لقمةً من اللازانيا وأدخلتها فمي. بما أن مفعول البيرة بدأ يتسلّل بعد رشفة واحدة، قررتُ على الأقل أن أوازنها بالطعام.
ربما لأن انزعاجي كان واضحًا على وجهي، مسح الرجل زاوية فمه بالمنديل… ومسح معها ابتسامته المعلّقة.
“عذرًا.”
“لا بأس. إن كنتَ لا تحب أن أناديك سيد فأخبرني باسمك فحسب.”
“ناديني بالسيد. يعجبني ذلك كثيرًا.”
“إذًا كما تشاء.”
بين لقمة لازانيا وأخرى من البطاطا المقلية، شربتُ البيرة دفعةً بعد دفعة كما اعتدت. كان انسيابها في الحلق رائعًا.
آه.
كم هذا لذيذ.
لكن… لم يكن ينبغي لي ذلك.
عندما كنت أعيش كـيون جيا في كوريا، لم تكن كأس واحدة شيئًا يُذكر. ثلاث أو أربع كانت أمرًا عاديًا.
لكن الآن…
“آفيوو… أنا سعيييدااة جدًااا.”
“يا للهول. هل ثملتِ بالفعل؟”
“تعرف؟ هذا أول يووم إجازة ليي…”
“أوه؟ وأين تعملين؟”
“في القصر الإمبراطوري. شهر كامل وأنا أتدحرج كالمجنونة… بالكاد حصلتُ على إجازة…”
“……يبدو أن الإمبراطور أرهقكِ كثيرًا.”
بدا صوته أبرد قليلًا، لكن ربما كان ذلك من تأثير السكر. رأسي يدور وعقلي مترنّح.
“لااا. يوهان شخص طيب. أحيانًا يغيظني، لكن يهتم بي جيدًا. أظن.”
“……يبدو أنكِ مقرّبة منه. تنادينه باسمه مباشرة.”
“هيهيهي. إن كنتَ تغار فسأناديك باسمك أيضًا… ما اسمك؟”
“سيريل.”
“همم؟ ماذا قلت؟”
“لا شيء.”
آه، هذا لا يُطاق.
من يملك قدرة تحمّل ضعيفة للكحول يعاني فعلًا.
العالم أخذ يدور بغرابة. أذناي مكتومتان، والرجل أمامي بدا كأنه يذوب مثل قطعة هلام.
ما هذا؟
لماذا الطاولة تطير نحوي؟
دار رأسي أكثر.
وسقطتُ على الطاولة الخشبية. أظن أن السيد قال شيئًا، لكنني لم أنتبه.
”من الخطر أن تسكري هكذا.. ماذا كان سيحدث لو لم آتِ، سيرافينا؟”
لم نتبادل الأسماء.
آه…
لا بد أنني أحلم.
***
في زقاقٍ مظلم، سار ظلّ رجل.
كان ذا شعرٍ أحمر يتجاوز كتفيه بقليل، مربوطًا إلى الخلف، وتحيط به هالة باردة.
في الضوء الخافت ظهر وجهه للحظة— الرجل الذي جلس مع سيرافينا مساءً. السيّد… سيريل.
“سيدي.”
من بين الظلال خرج رجل آخر. رغم اختلاف ملامح سيده عن المعتاد، تعرّف عليه بسهولة مذهلة.
“هل انتهيتَ من الأمر العاجل الذي ذهبتَ لأجله؟”
“جاك، كيف تتعرّف عليّ دائمًا؟”
“كيف لا أتعرف على من أخدمه؟”
انحنى جاك باحترام.
لكن عادةً… لا ينبغي لأحد أن يتعرّف عليه.
تمزّق خفيف.
نزع سيريل جلده— بل قناعه الصناعي.
نعم.
أن لا يتعرّف أحد على هذا الوجه أمر مفهوم.
تنكّرٌ قادر على تغيير الهوية بالكامل.
لكن ظُهرًا…
<ابتعد! ابتعد!>
<آه!>
عندما أحدث اللص فوضى، كان سيريل بين الحشد. تعرّف على سيرافينا من النظرة الأولى.
طوال الوقت الذي بحث عنها لم يرَ لها أثرًا، ثم يلتقي بها هكذا فجأة…
ما إن نُشر خبر عن ظهور مطهِّرة في الصحف حتى توجّه إلى إيلمون. قيل إن اسمها سيرافينا. لم يُذكر شيء عن ماضيها سوى أنها من عامة الشعب. ومع ذلك جاء إلى هنا بسبب الاسم وحده.
كم من شخص يحمل اسم سيرافينا؟
لكن لقاءها وهي حبيسة القصر لم يكن سهلًا. بدأ ينسج خططًا خفية ليجد ذريعة للدخول. وبينما يفعل ذلك، صادفها صدفة.
‘أي حظ هذا؟’
تبعها فورًا. بل قبل ذلك التقط دفترها البنكي الذي أسقطته.
‘آه. كما كانت دائمًا، لا تزال مهملة بعض الشيء.’
لم يشعر أن شيئًا تغيّر فيها، فاختلط في صدره الفرح بالشوق.
التعليقات لهذا الفصل " 15"