على خلاف اندفاعها السابق وكأنها على وشك إثارة ضجة كبرى، لزمت سوزان الصمت فترةً من الزمن.
حقًّا، لا يوجد شخصٌ أشدُّ إخافةً من ذاك الذي يقول: «سنرى لاحقًا».
نفخت إيزيلين في سرّها بسخرية، ثم صعدت إلى مسند القدمين الصغير المخصّص للأطفال وغسلت وجهها. مسحت قطرات الماء بعناية بمنشفتها، ثم راحت تدير عينيها الخضراوين مفكّرةً فيما ستفعله اليوم.
كان من المفترض أن تبدأ تدريبات المبارزة قريبًا، غير أنّ تأخّر المعلّم بلا سابق إنذار جعل الموعد يُؤجَّل إلى أجلٍ غير مسمّى.
“هل أذهب لزيارة أمي بعد وقتٍ طويل؟”
كانت مونيكا ما تزال تتنقّل يوميًّا بين المنزل والقصر، وتزور الطفلين أحيانًا في غرفتهما. لكن بعد أن رأت مدى انسجام روبير وإيزيلين، قلّت زياراتها بشكلٍ ملحوظ.
فمجرد تنظيف القصر الواسع وترتيبه كان كفيلًا بأن يشغلها عن كل شيء.
ولعلّ لذلك السبب اشتاقت إليها بعد بضعة أيام فقط من عدم رؤيتها.
طرقٌ خفيف.
وكعادته، طرق الزائر الصغير الباب بيدين كغصني سرخس. لم تنتظر إيزيلين الإذن حتى دخل روبير مباشرةً.
“إيزيل، هل أنتهيتِ؟”
“نعم.”
كانا يعودان صباحًا كلٌّ إلى غرفته ليبدّل ملابسه ويغتسل، ثم يلتقيان مجددًا. غير أنّهما في الليلة الماضية ناما في غرفة روبير.
وبينما عادت إيزيلين إلى غرفتها بعد أن استيقظت أولًا، بدا أنّ روبر استيقظ هو الآخر.
جلس على السرير ينتظرها، وقد أنهى استعداداته أسرع منها رغم أنه استيقظ متأخرًا.
“ماذا سنفعل اليوم؟”
“كنتُ سأذهب إلى حيث الخادمات… أريد أن أرى أمي.”
“حقًّا؟”
تردّد روبير.
فما زال ينفر من الأماكن المزدحمة، لا سيّما تلك التي تعجّ بأناسٍ يعرفونه.
كان يشتاق إلى رؤية مونيكا، لكن بقية الخادمات كنّ يعاملنه كأنه يحمل وباءً.
فطنت إيزيلين لقلقه فقالت:
“انتظر هنا قليلًا. إن لم تكن أمي مشغولة، سأحضرها إليك.”
“حسنًا… حقًّا؟”
أومأ برأسه سريعًا.
اختارت إيزيلين رباط شعرٍ مزينًا بفراولة من درج الإكسسوارات، وربطت شعرها البني الفاتح بعناية أمام المرآة.
[آيريس: ازاي حضرتك عندك اربع سنين وبتعرفي تربطي شعرك]
أما روبير، الذي لم يكن لديه ما يفعله، فراح يرمقها بعينيه اللامعتين.
“هل ستتأخرين؟”
“إن بدت مشغولة سأعود فورًا. لن أتأخر.”
“حسنًا.”
أشرق وجهه بوضوح.
ابتسمت إيزيلين في سرّها.
‘يجب أن أعود بسرعة حقًّا.’
كيف كان يحتمل الوحدة كل هذا الوقت، وهو يكره البقاء وحيدًا إلى هذا الحد؟
ما إن أنهت استعدادها حتى خطت نحو الباب، ثم استدارت فجأة. كان روبير يحدّق بها بعينين صافيتين كجروٍ ينتظر صاحبه.
ابتسمت دون وعي، ثم خرجت.
بقي روبر وحده على السرير يلوّح بساقيه المتدلّيتين.
“…تبتسمين بشكل جميل جدًا.”
ورغم تجهّمه المصطنع، كان الخجل يصبغ وجنتيه بلونٍ وردي.
★*★*★*★*★*★*
أسرعت إيزيلين بخطواتها القصيرة.
الهيكل المعقّد للقصر، الذي بدا لها يومًا كالمتاهة، صار مألوفًا الآن.
استعادت في ذهنها المكان الذي أحاطت بها فيه الخادمات أول مرة قدمت إلى قصر أرماتي، وسارت نحوه بثقة.
لم يكن لها ما يدعو لزيارة أماكن الخدم عادةً، إذ كانت تعيش مع روبير.
كانت الوصيفات يتكفّلن بالخدمة المباشرة، وبإدارة الأماكن التي يرتادها النبلاء، بينما تعمل الخادمات في الأرجاء الخفية أو في الأوقات التي لا يكون فيها النبلاء نشطين.
حتى الزيّ كان مختلفًا بوضوح.
أدركت مجددًا مدى الصرامة التي تُقسَّم بها الطبقات هنا، وأدارت رأسها متعجبةً من الامتيازات التي نالتها.
فهي، وإن كانت تُدعى عاميّة، تُعامَل معاملة أبناء كبار النبلاء.
كادت تتمنى لو تصعد إلى العاصمة وتسأل الدوق بنفسها:
«يا صاحب السمو، لِمَ تعاملني هكذا؟»
“أظنّه هذا الاتجاه…”
لكنها توقفت فجأة عندما شقّ الصمت صراخٌ حاد:
“أتمزحين؟! من الذي ينجز العمل بهذه الطريقة؟!”
هرعت نحو مصدر الصوت، وما إن رأت المشهد حتى انعقد وجهها غضبًا.
كانت سوزان تضع يدًا على خصرها، وتضغط بسبابتها على جبين مونيكا مرارًا.
“أمي!”
رفعت مونيكا عينيها بدهشةٍ عند سماع صوت ابنتها، بعدما كانت تتحمّل الإهانة بصبر.
تقدّمت إيزيلين بخطواتٍ غاضبة، بينما بقيت الخادمات الأخريات عاجزاتٍ عن التدخل.
“ما الذي يحدث؟”
نظرت سوزان إليها باستعلاء وقالت بهدوءٍ بارد:
“التنظيف لم يُنجز كما ينبغي، لذا كنت أُعلّمها. هل من مشكلة؟”
بل هناك مشكلةٌ بالطبع.
“يبدو المكان نظيفًا.”
“آه، هذا بمقياس العامة.”
كانت تستخدم لغة الاحترام مضطرةً بأمر الدوق، لكن نبرة الاحتقار كانت واضحة.
مرّرت إصبعها على الأرض ورفعتها أمام أنف إيزيلين.
“أترين؟ غبار.”
لم يكن على إصبعها سوى ذراتٍ قليلة بالكاد تُرى.
كان الأمر أقرب إلى هوسٍ مرضيّ بالنظافة.
حين أدركت إيزيلين أن سوزان كانت تفرغ حقدها القديم بهذه الطريقة، اشتعل الغضب في صدرها.
“حسنًا. إن وجدتِ في غرفتي أكثر من ذرتين غبار، فسأُعلّمك أنا.”
اتّسعت عينا سوزان.
“سأفحصها اثنتي عشرة مرة في اليوم.”
أي مرة كل ساعة تقريبًا.
“كيف تجرؤين— وأنتِ ابنة خادمة!”
احمرّ وجهها غضبًا.
فهي، وإن لم تكن من أسرة عظيمة، تظل ابنة بارون.
أن تتسلّط عليها فتاة عاميّة — بل ابنة رئيسة الخادمات — أمرٌ لا يُحتمل.
قالت إيزيلين ببرود:
“تخالفين أوامر الدوق كثيرًا. تكلّمي باحترام.”
فانفجرت سوزان:
“فتاة ستموت خلال أربع سنوات—!”
ساد الصمت فجأة.
مرض كروك كان مستعصيًا، ومتوسط أعمار المصابين به قصير…
لكن الحديث عن ذلك علنًا كان خطًا أحمر.
حتى سوزان أدركت زلّتها، فشهقت.
وفي تلك اللحظة، خرج شخصٌ من خلف الباب.
كان روبير.
“هل تقصدين أنني سأموت قريبًا؟”
ارتجفت سوزان.
“سيدي الصغير… سأرافقك إلى غرفتك. ألم يقل الدوق أن ترتاح ولا تخرج—؟ مرضى كروك لا ينبغي أن يتجولوا.”
“أنا لستُ مريضًا بمرضٍ معدٍ.”
“لا أحد يعلم. أرجوك استمع إليّ.”
“بل أنتِ من ينبغي أن تستمع.”
تصلّبت ملامحها.
“أنا النبيل الذي تخدمينه. ولا أُبقي من يتمنى موتي تحت سقفي.”
“لابد أنك تسيء الفهم—”
قاطعها بصرامة:
“اخرجي من هذا القصر!”
مدّ ذراعه نحو الباب.
ارتجفت، ثم خرّت على ركبتيها.
“أرجوك! سامحني! لا تطردني!”
إن شاع أنها طُردت من بيت دوق أرماتي، فلن يقبلها أي نبيل آخر.
“اتركيني.”
“أرجوك!”
“أمنحكِ يومًا واحدًا. إن وقعتِ في عيني غدًا، فاعلمي أن رقبتك لن تسلم.”
انفجرت بالبكاء.
تبادل روبير وإيزيلين النظرات.
كان ينظر إليها كمن ينتظر المديح.
لكنها لم تستطع أن تفرح تمامًا.
هذه القسوة… ليست من طفلٍ في الرابعة.
ربما كانت تصرفات دوق بريوش هي البذور التي ستنبت منها ظلمة روبر مستقبلًا.
★*★*★*★*★*★*★*
أثار طرد سوزان ضجةً في ملحق سوفلي.
حاول كبير الخدم هاينت الاعتراض، لكن روبر أسكته ببرود.
“أليست هي من قالت إنني سأموت خلال أربع سنوات؟”
لم يجد ردًّا.
“أأنت في صفّها أيضًا؟”
انتهى الأمر بطردها رسميًا.
وصل الخبر إلى الدوق في العاصمة، لكنّه لم يُبدِ أي رد فعل.
كانت إيزيلين تقضم بسكويتها وقالت:
“قد يفكّر بالأمر بإيجابية.”
“حقًّا؟”
نظر إليها روبر بقلق.
طمأنته:
“ألم نَعِد الدوق أنك لن تُضرَب بعد الآن؟”
أومأ.
وضعت بسكويتة في فمه.
“كُل.”
وفي تلك اللحظة—
طرقٌ.
“هل أنتما بالداخل؟”
صوتٌ غريب،
فتح الباب ببطء.
وسقطت البسكويتة من يد إيزيلين.
شعرٌ ذهبي لامع، وعينان خضراوان صافيتان، ووجهٌ كالملاك.
ابتسم الفتى قائلًا:
“مرحبًا. أنا مايكل ويلبرايت.”
إنه هو.
البطل الثانوي الذي كان يُوصف في الرواية بالملاك المتألق.
همست:
“مايكل…؟”
قطّب روبر حاجبيه.
“من أنت؟”
ابتسم مايكل بلا انزعاج.
“أرسلني أبي لأتدرّب على المبارزة هنا.”
تقدّم بخطواتٍ واثقة.
“كنتُ سأدخل أكاديمية ستيفيل، لكن أُلغيت الخطة.”
توقفت إيزيلين.
أكاديمية ستيفيل…؟
أليست هناك حيث سيصبح صديقًا مقرّبًا لوليّ العهد أرسين؟
سألته:
“لماذا لا تذهب إلى الأكاديمية؟”
أجاب مبتسمًا:
“لأن الأمور هناك متوقعة.”
ثم اقترب منها حتى كادت أنفاسهما تتلامس.
“أظن أن التقرّب منك سيكون أكثر متعة.”
اندفع روبير بينهما صارخًا:
“ابتعد!”
تصلّبت ابتسامة مايكل قليلًا.
قال ببرود:
“أهكذا يكون أبناء الدوقات؟ وقحين؟”
ردّ روبير:
“وأنت، لِمَ تخاطبني بلا احترام؟”
فأجابه مايكل بهدوء:
“أمام المعلّم، كلّنا تلاميذ.”
ثم التفت إلى إيزيلين مبتسمًا:
“سأبحث عن أستاذي وأعود. لنتدرّب معًا.”
أومأت إيزيلين بلا وعي.
أما روبير، فعضّ شفتيه غيظًا.
إن بدأت التدريبات، فسيقضي مايكل وإيزيلين الوقت معًا… بدونه.
فأغمض عينيه وتمنى في سرّه ألا يظهر المعلّم أبدًا.
انتهى…
ترجمة: آيريس
[تذكير: لا تجعل قراءة الرواية تلهيك عن عبادتك]
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"