—
تنحّى الناس الذين كانوا يشاهدون الشجار جانبًا كما لو أنّ معجزةً قد شقّت لهم الطريق، فصار صاحبُ الشعر البني يسير في هدوءٍ تام.
لكن كلما ابتعد عن متجر أسياخ الدجاج، ازداد الموقف إحراجًا.
“أمسكوا اللصّ! اللصّ!”
“توقّف! أيها العم ذو الشعر البني!”
كانت إيزيلين وروبير يلاحقانه بإصرارٍ ويثيران ضجيجًا وراءه، حتى بدأ من لا يعرف تفاصيل الحادث يتهامس.
“لم يجد ما يسرقه إلا من طفلين؟”
“هيئته محترمة، لكنه بلا خجل.”
“أيها البني الرأس! أألقّنك درسًا؟”
لم يحتمل النظرات اللاسعة، فاستدار فجأة.
“من الذي ناداني بالبني الرأس؟!”
قال روبير ببراءةٍ متحدّية وقد صار خلفه مباشرة:
“قلتُ ذو الشعر البني.”
شدّ الرجل زاوية فمه بابتسامةٍ مصطنعة.
“يا صغير.”
“نعم، أيها العم.”
“ومن الذي قلتُ له عم؟”
رفع حاجبًا بامتعاض، لكن ما إن وصلت إيزيلين واندفعت نحوه بغضب حتى ارتسمت على وجهه ابتسامةُ شرير.
“أعِد الزرّ حالًا!”
“انتزعيه مني إن استطعتِ.”
تزايد همس المتفرجين.
“انظروا إلى وقاحته.”
“أيمزح مع طفلين من أجل زرّ؟”
“يا له من تافه.”
حافظ على ابتسامته بصعوبة، غير أن عرقًا نابضًا برز عند صدغه.
أدرك أن الكفّة لا تميل لصالحه، فانحنى قليلًا وهمس في أذن إيزيلين:
“تجيدين استخدام رأسك.”
أن تستغلّ أنظار الناس لتقيّده في العلن… ليست حيلة طفلٍ عادي.
رفعت ذقنها بتحدٍّ.
أما روبير، فانتفخ صدره فخرًا بدهائها وقال مستفزًّا:
“يبدو أن رأسك فارغ من الداخل.”
كاد يغلي، لكنه ابتسم.
“أحقًا؟”
نزع زرًّا من كمّه، ثم اعتدل رافعًا إياه عاليًا ليراه الجميع.
“تفضّلا، ها هو. انتهى الأمر، أليس كذلك؟”
وهو يضع الزرّ في يد روبير، همس بخفة:
“كان الأمر ممتعًا، أيها الصغيران.”
أدركت إيزيلين أنه نصب لهما فخًا.
لو طالبت بالزرّ الحقيقي، لرفعه عاليًا أمام الجميع كما فعل قبل قليل.
وزرّ مرصّع بجوهرةٍ ثمينة كهذا لا يحمله إلا أبناء النبلاء.
وسيتذكّر الناس فورًا أن الفتى النبيل الوحيد في هذا العمر هنا هو أمير أرماتي… ذاك الذي انتشرت عنه شائعة إصابته بمرض كروك.
عضّ روبير شفته غيظًا؛ فقد وصل بفكره إلى النتيجة ذاتها.
وبينما كان الرجل يبتسم ابتسامة المنتصر—
“سيدي الشاب؟”
انطلق صوتٌ بين الحشود.
ارتجف روبير.
والتفتت إيزيلين بفزع.
كانت خادمةً خرجت لقضاء شأنٍ في السوق، وقد تعرّفت إليه. اتسعت عيناها كأنها رأت شبحًا.
ارتبكت إيزيلين.
إن أخطأت الآن، فسيُعاد مشهد الغابة حين كاد أمرهما يُكشف.
استدارت نحو روبير—
وفي اللحظة نفسها أدركت أمرًا آخر.
‘يا له من مراوغ!’
اختفى سارق الزرّ كأن الريح حملته.
“اهرب!”
أمسكت معصم روبير واندفعت به.
خسارة الزرّ مؤسفة، لكن الأهم أن يغادرا قبل أن تثرثر الخادمة أكثر.
“انتظرا! قفا هناك!”
تردّد الصراخ خلفهما.
شدّت قبضتها وركضت أسرع. لمحت خلفها الخادمة تطاردهم.
“لا يجب أن نُمسك!”
“من هنا!”
كان روبير يُسحب خلفها، ثم تنبّه فجأة وأوقفها قبل أن تتجه نحو أرضٍ أخرى.
استدارا بزاوية حادّة، وانطلقا من جديد.
تقدّم روبير هذه المرة.
“انتبهي! اتبعيني فقط!”
“حسنًا!”
كدت أقدام البالغين تصطدم بإيزيلين، لكنها ركزت عينيها على ظهره.
كانا ينسلان بين الناس كزوج سنجابين.
بعد مسافة طويلة، توقّفا أخيرًا.
انحنى كلٌّ منهما واضعًا يديه على ركبتيه، يلهثان.
رفع كلاهما رأسه في آنٍ واحد.
تلاقت العينان الحمراوان بالخضراوين.
ثم… انفجرا ضاحكين.
“كان الأمر جنونيًا!”
“هل رأيتِ وجه الخادمة؟”
“اتسعت عيناها هكذا!”
“تخلّصنا منها حقًا، أليس كذلك؟”
“نعم! تركضين جيدًا!”
“وأنت أيضًا!”
ضحكا حتى خفتت الأصوات.
قالت إيزيلين بجدية:
“يجب أن نصل قبلها.”
لو كُشف أنهما خرجا خلسة، فلن ينجوا من التوبيخ.
وإن اكتُشف الثقب الجديد في السور، ستتوجّه الشبهات إليهما بلا شك.
أشار روبير إلى عربة بضائع على وشك الانطلاق.
أومأت.
ركضا وقفزا إلى العربة في اللحظة الأخيرة.
دارت العجلات، وانطلقت.
★*★*★*★*★*
على سطح مبنى قريب، كان الرجل ذو الشعر البني جالسًا، إحدى ركبتيه مرفوعة وذراعه مستندة إليها، يراقب العربة التي تهتز مبتعدةً عن السوق.
هبت نسمة فحرّكت شعره.
وهمس بصوتٍ حملته الريح:
“إلى لقاءٍ آخر، أيها الصغيران.”
★*★*★*★*★*★*
قصر أرماتي.
كان هاينت، كبير الخدم في ملحق سوفلي، يسير بخطواتٍ سريعة بعدما تلقّى تقريرًا يصعب تصديقه من الخادمة سوزان.
“أأنتِ متأكدة؟”
“رأيتُهما بعينيّ.”
طرقا باب غرفة إيزيلين.
لا ردّ.
فتح الباب—
الغرفة فارغة.
“أرأيت؟ ما زالا في السوق!”
انتقل إلى غرفة روبير.
طرق.
“سيدي الشاب، هل أنت في الداخل؟”
صمت.
دار المقبض.
دخل—
وتجمّد.
كان روبير وإيزيلين مستلقيين جنبًا إلى جنب على السرير، يتنفسان بعمقٍ كأنهما نائمان منذ زمن.
تنفّس هاينت الصعداء.
“لعلّكِ أخطأتِ الرؤية.”
“لكنني متأكدة…”
“أيعقل أن يذهبا إلى تلك المسافة وحدهما؟”
خفضت رأسها.
غادروا الغرفة.
أُغلق الباب.
صمت.
“يا.”
فتح روبير عينه قليلًا وهمس.
“ماذا.”
رفعت إيزيلين جفنًا واحدًا.
تبادلا النظرات، ثم كتما ضحكةً صامتة.
“تجيدين التظاهر بالنوم.”
“وأنت أيضًا. كنتَ فاتحًا فمك!”
فتحت فمها مقلّدةً إياه، فضحك.
ثم فرد ذراعيه وساقيه مقلدًا طريقتها في النوم.
“هذا كذب!”
“بل تفعلين هكذا تمامًا!”
احتجّت، فتنهد:
“أعاني كل ليلة ولا تقدّرين.”
“أنت من يختار المعاناة.”
منذ دخلت القصر، صارا ينامان معًا كل ليلة.
وكان هو دائمًا من يطرق بابها أولًا.
“همف.”
اقتربت فجأة ووضعت يديها تحت ذقنها تحدّق فيه.
احمرّت وجنتاه.
“هل أنت غاضب؟”
“لستُ كذلك.”
“ألا يعجبك أن تنام معي؟”
أطبق شفتيه بخجل.
كانت تبتسم له حين فاجأها—
احتضنها فجأة، فدفن وجهه في صدرها.
“أنتِ غريبة.”
تجمّدت لحظة، ثم عانقته بهدوء.
مرّرت أصابعها بين خصلاته السوداء.
“كيف ذلك؟”
صمت قليلًا.
“لا أعرف… لكن قلبي يصعب عليّ التحكم به.”
ابتعدت مذعورة.
“هل يؤلمك؟”
تفحّصت وجهه بقلق.
مرض كروك قد يتفاقم…
“لم أقل إنه يؤلمني.”
“إذن؟”
همس:
“ألن تموتي قبلي؟”
ارتجفت عيناها.
“أبي لن يؤذيك.
أنتِ حميتِني. وأنا سأحميك.”
أمسك يدها ووضعها على صدره.
شعرت بندوبٍ بارزة تحت القماش الفاخر.
“لن أموت. أعدك.”
ابتسمت رغم غصّةٍ خفية.
“لنَعِش طويلًا معًا.”
احمرّت وجنتاه أكثر.
وكان نبضه تحت كفّها أسرع من قبل.
★*★*★*★*★*★*
وضعت سوزان طبق الحلوى على الطاولة، ونظرت إليهما خلسة.
“سيدي الشاب.”
رفع روبير رأسه باستغراب؛ فهي عادةً تتجنبه.
“لا يجوز أن تغادر القصر خفية.”
قالتها بنبرة تعليمية.
“ماذا تقصدين؟”
“أقول ذلك احتياطًا. لا ينبغي لمرض كروك أن ينتقل إلى الأبرياء.”
تجمّد روبير.
صرخت إيزيلين فجأة ممدّةً ذراعيها نحوها:
“سأعديكِ!” [آيريس: يعني بتنقل لها المرض]
صرخت سوزان وتراجعت حتى سقطت.
ثم احمرّ وجهها غضبًا:
“ابنة خادمة تجرؤ—!”
نزلت إيزيلين من الكرسي بهدوء.
“ألم يُطلب منكِ مخاطبتي باحترام؟”
“غغغ…!”
نفضت فتات الحلوى عن يديها فوقها.
ارتجفت سوزان خزيًا.
“سترين!”
غادرت غاضبة.
تمتمت إيزيلين ببرود:
“قلتُ احترميني.”
انتهى…
ترجمة: آيريس
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"