[تذكير: لا تجعل قراءة الرواية تلهيك عن عبادتك٭]
—
“هاه… حقًّا إن الحياة لا تكشف عمّا ينتظرنا ولو بمقدار شبر.”
هزّت إيزيلين رأسها وهي تتأمّل الغرفة الفاخرة التي أحاطت بها من كل جانب.
صحيح أنّها أعلنت عزمها على البقاء إلى جوار روبر ورعايته، لكنها لم تتخيّل قطّ أنّها ستعيش داخل قصر أرماتي نفسه… وفوق ذلك في الغرفة المجاورة لغرفته مباشرة.
كان دوق بريوش يُغدق عليها من المعاملة ما يفوق الحدّ، حتى ليكاد يبلغ حدّ الإحراج.
فالوصيفات رتّبن غرفتها بأنفسهن، وأخبرنها أنّ عليها أن تشدّ الحبل المعلّق في الجدار إن احتاجت شيئًا، ثم انحنين وغادرن بأدبٍ جمّ.
لولا أمرٌ صريح من الدوق، لما حظيت فتاةٌ عاميّة بمثل هذه المعاملة أبدًا.
‘يسخر منّي في العلن ويتّهمني بالوقاحة… ومع ذلك يبدو أنّه يرغب حقًّا في إنقاذ ابنه.’
غرقت إيزيلين في التفكير.
صحيح أنّ الوريث عزيز، لكن أليست هذه المعاملة مبالَغًا فيها قليلًا؟
‘أم لعلّ غرفةً واحدة لا تُذكر في نظر دوقٍ يملك عدّة قصور في أنحاء الإمبراطورية؟’
على أي حال…
‘إن أخفقتُ في إنقاذ روبر، فلن يتردّد في اقتطاع ثمن حياتي.’
لكنها لن تُقطع رأسها بعد أربع سنوات.
فبحسب الرواية الأصلية، كان روبر ينجو بأعجوبة من احتمالٍ ضئيل، ويبلغ سنّ الرشد.
كلما فكّرت بالأمر، بدا لها أنّ في هذا الكتاب الكثير من الحبكات القسرية.
إصابته بمرض كروك لم تكن إلا ذريعةً لتحويله إلى شرير.
كأنّ المؤلف تعمّد حشر تلك المأساة ليصنع طفولةً بائسة تبرّر سقوطه لاحقًا.
‘ما أقسى الكاتب…’
لكن من وجهة نظرها، هؤلاء ليسوا أشخاصًا حقيقيين.
وما إن بلغت هذه الفكرة، حتى شعرت بغرابةٍ أشدّ.
‘إن لم يكن حلمًا… فما هذا إذن؟’
طرْقٌ خفيف على الباب قطع أفكارها.
“مَن هناك؟”
انفتح الباب ببطء، وأطلّ منه روبر.
“إيزيلين.”
“روبرت… أعني، سيّدي الصغير.”
قطّب جبينه فور سماعه اللقب الرسمي. أغلق الباب خلفه وقال ببرودٍ مصطنع:
“لا داعي لهذا.”
“لكن… ماذا لو قال دوق بريوش شيئًا؟”
“إذن نستخدمه أمامه فقط.”
“حقًّا؟”
“أليس هذا بديهيًّا؟”
كان خدّاه قد احمرّا قليلًا.
ابتسمت إيزيلين بخفّة. بدا واضحًا أنّه غير صريح مع مشاعره.
تقدّم وجلس قبالتها.
“أنهيتِ ترتيب الأمتعة؟”
“نعم.”
ألقى نظرةً سريعة على الغرفة.
كانت رائحة إيزيلين تعبق في المكان.
أن تعيش حقًّا في الغرفة المجاورة له…
لم يستطع التفريق بين الحلم والواقع.
منذ أيامٍ وقلبه يخفق بلا توقف، حتى أنّه لم ينم جيدًا.
كان يتجوّل في الممرّات مترقّبًا انتهاء ترتيب أمتعتها، متردّدًا بين الاقتراب والعودة.
والآن، حين جلس أمامها… لم يعرف ماذا يقول.
ساد صمتٌ غريب بينهما.
مالت إيزيلين رأسها.
“هل لديك شيء تريد قوله؟”
تردّد لحظة، ثم سأل بصوتٍ خافت:
“هل… كنتِ تعلمين حقًّا؟”
“بماذا؟”
“أنني مصاب بمرض كروك…”
انحنى رأسه. حرّك أصابع قدميه بقلق.
“هل عرفتِ منذ يوم دخلتُ من ذلك الثقب في الجدار؟”
“…نعم.”
صمت طويل.
“كيف؟”
“لأنني رأيتك في القصر ذلك اليوم.”
ارتبك.
تذكّر كيف كانت تصرخ مخاطبته بأدبٍ حين حاول التسلّل.
لابدّ أنها رأته يوم عاقبه والده.
اشتعل وجهه خجلًا. كاد يبكي… لكنه ابتلع دموعه بصعوبة.
مدّت إيزيلين يدها، ووضعتها برفق فوق أصابعه المرتجفة.
هل يكفي هذا؟
التفت إليها، ثم ابتسم ابتسامةً ضعيفة.
قال روبر:
“سمعتِ ما كانت الوصيفات يتحدّثن عنه؟”
“عن ماذا؟”
“ثقب الجدار المصنوع من الميثريل.”
كانت الضيعة تضجّ بالهمسات حول الثقب الغامض في السور.
لا أحد يعلم من أحدثه، ولا كيف.
قال بقلق:
“مَن تظنّين فعل ذلك؟”
أجابت ببرود:
“لا بدّ أنّه شخص قويّ جدًّا.”
نظر إليها بدهشة.
“ألا يدهشك الأمر؟”
“لم لا يُمكن أن يُثقب؟”
ساد صمت.
أدركت أنها بدت غير مبالية أكثر من اللازم، فأردفت:
“أقصد… إن كان أحدهم فعل ذلك، فلا بدّ أنه قويّ. لا حاجة لكل هذا الضجيج.”
أومأ بتردّد.
تنفّست الصعداء. لحسن الحظّ، لا يزال صغيرًا وبسيط التفكير.
نظرت إلى النافذة المظلمة.
فجأة استلقى روبر على السرير.
“هل ستنام هنا الليلة أيضًا؟”
احمرّ وجهه.
“أسلوب نومكِ فوضويّ.”
“ماذا؟!”
“أُخبركِ فقط.”
“وأنت أيضًا!”
“أنتِ أكثر!”
“وأنت أكثر وأكثر!”
تجادلا حتى نفد صبرها.
“إذًا عد إلى غرفتك!”
ارتبك.
“لا… لا أستطيع.”
“ولِمَ لا؟”
تمتم:
“لأنني سأنتقم الليلة.”
“تنتقم؟!”
“سأضايقكِ في النوم.”
ضحكت.
“وكيف ستفعل؟”
“سأرفع ساقي هكذا… وألوّح بذراعي هكذا…”
انفجرت ضاحكة.
تجمّد ينظر إليها. لم يستطع احتمال رؤيتها تضحك بتلك الطريقة.
‘جميلة…’
احمرّ وجهه فجأة.
لم يفهم ما هذا الشعور الذي يخفق في صدره.
أما هي فكانت تنظر إليه مبتسمة.
‘وجهه حين يخجل لطيف…’
قرّرت التوقّف قبل أن يشتعل خجلًا أكثر.
‘لن أسمح بأن يكبر هذا الطفل ليصير شريراً.’
ربما ستختفي الإثارة التي كانت تمنحها الرواية…
لكن لا يجوز التضحية بحياة أحد لأجل المتعة.
“أهذا من عاداتك؟”
صوته أعادها إلى الواقع.
“ماذا؟”
“أن تحدّقي حتى تثقبي وجه شخص!”
ابتسمت بمكر.
“لأنك وسيم.”
تجمّد.
“ماذا؟”
“أنت وسيم للغاية.”
ابتلع ريقه، ثم أدار ظهره متظاهرًا باللامبالاة.
‘غريب… يغضب لأنني مدحته؟’
ابتسمت بخبث.
“روبرت!”
“اسمي روبر!”
“حسنًا… روبر.”
وانحنت فوقه حتى صار وجهها قبالة وجهه.
“ماذا تفعلين؟!”
“إن لم يعجبك أن أقول وسيم… أقول جميل إذن.”
“لا حاجة!”
“جميل! جميل!”
حاول إبعادها، لكنها أمسكت خدّيه المطاطيّين وشدّتهما.
“ماذا تفعلين!”
ضحكت ملء قلبها.
مرّت الوصيفات في الممرّ، وتوقّفن لحظة عند صوت الضحك المنبعث من الغرفة.
كان صوتًا لم يُسمع من قبل في قصر أرماتي.
كان شيءٌ صغير يتغيّر.
وهكذا لعب الطفلان طويلًا، حتى غلبهما النعاس.
وفي صباح اليوم التالي، استيقظ روبر—بعد أن تعرض للركل— متأوّهًا من آثار أسلوب نوم إيزيلين العنيف.
★*★*★*★*★*★
مرّت أيّام.
جاء حرفيّ الميثريل من العاصمة، وأُغلق الثقب بإحكام.
ورحل الدوق إلى العاصمة، وكذلك القائد كاريف إلى الحدود الشرقية.
عاد الهدوء إلى القصر.
كانت إيزيلين تجلس في غرفة روبر، تلتهم الحلوى بيدَيها، وخدّاها منتفخان كالسنجاب.
قال روبر:
“هل صحيح أن والدي أمركِ بتعلّم المبارزة؟”
“نعم.”
قبل رحيله، استدعاها الدوق وأمر بتعيين معلّمٍ لها.
“لكن لماذا؟”
“قال إن ذلك سيساعدني في خدمتك.”
كان واضحًا أنّه قلق.
“والدي لا يفعل شيئًا بلا سبب.”
خشِي أن يربّيها لتكون فارسةً تُرسل إلى ساحة الحرب.
لكنها قالت:
“قال إننا قد نهرب معًا مجددًا.”
احمرّ وجهه قليلًا.
ثم فجأة جذب كمّها.
“لنخرج.”
“إلى أين؟”
“إلى الخارج.”
ألبسها عباءة، وارتدى عباءته.
تحرّكا خلسةً حتى وصلا إلى السور.
“السور عالٍ جدًّا.”
لم يجب.
انحنى بين الشجيرات، ووضع كفّه على جدار الميثريل.
“روبر…؟”
توهّج ضوءٌ أحمر غريب بين كفّه والجدار.
“ما الذي—؟”
تشكّل تجويف في السور.
كان يصنع ثقبًا.
تراجعت مذهولة.
“كيف…؟”
نظر إليها بقلق.
“هل… تخافين مني؟”
لم تجب.
“هل أبدو لكِ وحشًا؟”
ارتجف صوته.
“قلتِ إنكِ ستعتبرينه قوّة…”
عادت إلى رشدها، واقتربت منه بسرعة.
“لا! فقط تفاجأت لأنك قويّ جدًّا!”
“حقًّا؟”
أومأت بقوة.
“أنت مذهل يا روبر!”
احمرّ خجلًا.
“منذ متى تستطيع فعل هذا؟”
“منذ البداية.”
اتّسعت عيناها.
“وهل يعلم الدوق؟”
“لا أحد يعلم… سواكِ.”
“لماذا؟”
“لأن المختلف يُعتبر وحشًا.”
صمتت.
رفع سبّابته أمام شفتيه.
“سرّ بيننا.”
مدّ خنصره.
نظرت إليه لحظة، ثم شبكت خنصرها بخنصره.
ابتسم مطمئنًّا، وعاد يضع كفّه على الجدار.
وبعد لحظات… تكوّن ثقب صغير يكفي لمرور طفل.
انتهى…
ترجمة: آيريس
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"