ما إن تجاوزتُ السورَ المنخفض حتى بدا المكان، كعادته، مكتظًّا بأطفال الحيّ.
وقد عرفتُ لاحقًا أن الأهالي، لانشغالهم بأعمال الحقول أو إدارة متاجرهم، يدفعون أجرًا بسيطًا ليُودِعوا أبناءهم هنا خلال النهار.
كان المكان أشبه بروضةٍ صغيرة.
“إيزل، تعالي سريعًا. حساء الفطر والبطاطا المشوية قد—”
توقّفت جولي فجأة عن الكلام، وقد اتجه بصرها إلى روبر.
“أمّاه، هذا صديق إيزل. اسمه روبرت.”
ظنّ كيمري أن أمّه فوجئت بقدوم وجهٍ جديدٍ من غير سابق إنذار، فسارع إلى تقديم روبر.
لكن دهشتها لم تكن لذلك السبب.
فالتي عثرت مساء الأمس على الطفلين النائمين تحت شجرة الدردار لم تكن سوى جولي نفسها.
لم تكن لتعرف ملامح سيّدٍ صغيرٍ مصابٍ بداء كروك ومخبّأ بعناية في قصر أرماتي… لكن مونيكا كانت تعرف.
[كيف يكون السيّد الصغير هنا…؟]
[سيّد صغير؟ أتقصدين ذاك المصاب بداء كروك الذي يتحدّثون عنه…؟]
[أرجوكِ، اجعلي الأمر سرًّا يا جولي.]
[لكن…]
[أرجوكِ.]
بعدها حملت مونيكا روبر، وحملت جولي إيزلين إلى الفراش.
لم تكن تعرف ما الذي جرى تحديدًا، لكنّها أدركت بفطرتها أن إظهار المعرفة لن يجلب خيرًا. فقد يتطاير شررٌ لا يُحمد عقباه.
هزّت جولي رأسها أخيرًا بصعوبة، واستقبلت روبر.
“حسنًا. إذًا هو صديقٌ جديد. أ… أهلًا بك.”
“أ… أهلًا.”
كان روبر مبتهجًا قليلًا بازدياد عدد من يرحّبون به.
ما إن أخفى كونه مريضًا بداء كروك حتى بدا له كأن عالمًا جديدًا قد انفتح أمامه.
غير أنّ كيمري، الذي راقب التحية من الخلف، لمح في تصرّف جولي شيئًا غريبًا…
كأنها تتحرّج من طفلٍ صغير.
“كيمري، أحضر مزيدًا من البطاطا من المخزن.”
بكلمات أمّه انقطع شروده.
“نعم، أمّي.”
وانصرف بخطواتٍ واسعة.
كانت إيزلين تتابع ظهر كيمري المبتعد، ثم التفتت إلى روبر.
“روبرت، تعال. لنأكل.”
“حسنًا.”
تقدّمت بثقة، وتبعها روبر بخدّين محمرّين.
كانت إيزلين قد كوّنت صداقات كثيرة، فبادرت إلى تعريفه بهم.
“مرحبًا يا روبرت!”
“تشرفتُ!”
“نلعب الغمّيضة لاحقًا؟”
أربكه اندفاع الأطفال نحوه بلا تردّد.
لم يلقَ في حياته مثل هذا الترحيب قط.
راوده خاطرٌ عجيب…
ليته يعيش دومًا باسم روبرت.
لو استطاع ألّا يعود إلى بيت الدوق، وأن يبقى في منزل مونيكا إلى الأبد…
امتلأ صدره بالسعادة وهو يفكّر أن يطلب منها ذلك حين تعود.
قد يبدو الأمر ساذجًا في أعين الكبار، لكنّه لم يكن سنًّا غريبًا عن الأمل.
“يكفي أن أُخفي جرح صدري جيدًا.”
عندئذٍ يستطيع أن يضحك ويلهو مع الآخرين من غير ازدراء.
أمرٌ بديهيّ للناس… لكنه بالنسبة إليه كان حلمًا.
قال بحماس:
“لم ألعب الغمّيضة من قبل.”
“إذًا في الجولة الأولى تكون معفى.”
“ما معنى معفى؟”
“حتى لو أُمسكتَ، لن تكون الباحث.”
أومأ الأطفال موافقين.
“دعْه يتعلّم القواعد أولًا.”
“بل لنمنحه ثلاث جولات!”
“لا، ليختر بنفسه!”
تملّكه شعورٌ بالامتنان يكاد يخنقه.
أيعقل أن يحظى بمثل هذا التعامل لو لم يكن مريضًا؟
فتح فمه بصوتٍ متحمّس:
“ج… جولة واحدة تكفي.”
“حسنًا!”
صرخت إيزلين، وأفرغت صحنها حتى آخر قطرة ثم نهضت.
كان حدسها يخبرها بشيءٍ يقترب.
قلّدها روبر، وانكبّ على الحساء حتى آخر قطرة…
وفي تلك اللحظة—
اندفع عددٌ كبير من الأطفال فجأة يركضون كالمجانين.
وكأنهم اتفقوا مسبقًا، ترك حتى الذين لم يُنهوا طعامهم أوانيهم وهرعوا.
كانت إيزلين قد ابتعدت تاركةً روبر خلفها.
“آخر من يصل يكون الباحث!”
اشتدّ السباق.
“ما هذا؟!”
تأخّر روبر في استيعاب الموقف، ثم انطلق يركض.
كان الأخير بلا منازع… لكن ابتسامةً عريضة أشرقت على وجهه.
★*★*★*★
بما أن روبر كان “معفى”، صارت إيزلين، ثانيَةَ الأخيرين، هي الباحثة.
كانت الأصغر سنًّا بين الأطفال، وذلك كان عيبها الأكبر.
جالت في الغابة كالسنجاب، حتى عثرت صدفةً على كيمري منكمشًا داخل جذعٍ مجوّف.
“أمسكتُك!”
“آه! كُشِفت!”
خرج كيمري متظاهرًا بالبكاء.
توتر الأطفال حالما صار هو الباحث.
فالأمر يختلف تمامًا إن كان كيمري—التاسعة من عمره، القويّ السريع المتسلّق—هو الباحث.
“كيمري صار الباحث!”
“احذروا!”
“إلى الأعلى!”
هتف روبر:
“انتهت الإعفاءات! فهمتُ القواعد!”
ابتسم كيمري.
“إذًا لا رجوع.”
بدأ يعدّ وهو يغمض عينيه مستندًا إلى جذع شجرة.
أشارت إيزلين لروبر أن يختبئ.
أومأ، وركض ليختبئ خلف صخرة.
مرّ بعض الوقت.
ما إن بلغ كيمري الخمسين حتى بدأ يتجوّل كضبعٍ يبحث عن فريسته.
رأى أطفالًا فوق الأشجار لكنه تجاهلهم.
كان يريد شخصًا بعينه.
روبرت.
“أمره مريب.”
في هذه الضيعة الصغيرة لا يتجاوز عدد الأطفال مئة بالكاد.
كيف لم يره قطّ؟ ثم إن تصرّف جولي أثار قلقه.
وأخيرًا—
“وجدتُك!”
انطلق كيمري نحو الصخرة.
ركض روبر بكل ما أوتي من قوة.
“لن تفلت!”
لكن—
تمزّق!
تقطّعت أزرار قميصه حين حاول الإفلات بعنف.
تجمّد في مكانه.
تساقط قلبه كحجر.
ساد الصمت.
ثم—
“آآآآه!”
“إنه داء كروك!”
“ملعون! ستنتقل اللعنة!”
“اهربوا!”
تفرّق الأطفال كالنمل المذعور.
تصلّب روبر مكانه.
شعر بكيمري يتراجع.
خطواتٌ اقتربت.
“خطرٌ عليكِ يا إيزل.”
ارتجف روبر.
لم يجرؤ على الالتفات.
لكنه سمع صوتًا حازمًا:
“تنحَّ يا كيمري.”
لم يتنحَّ.
داء كروك كان محاطًا بشائعات…
لعنةٌ شيطانية، وعدوى تفتك بمن يقترب.
أمسك كيمري بكتف إيزلين ليحميها، لكنها ضربت يده.
“قلتُ تنحَّ.”
تقدّمت نحو روبر.
مدّت يدها.
انتفض كقطّةٍ متأهبة.
تجاهلت ردّة فعله، وفتحت قميصه من الجانبين.
“م… ماذا تفعلين؟”
قالت بهدوء:
“انقطعت الأزرار، فلنلبسه بالعكس.”
لم تذكر المرض.
لم تتقزّز.
تشوش روبر:
…”لِم؟”
“ليس ذنبك.”
اهتزّت عيناه الحمراوان.
كلماتٌ طال شوقه لسماعها.
“أخرج ذراعك.”
فعل، كحملٍ وديع.
ألبسته القميص بالمقلوب، فستر صدره وظهره مكشوف.
شعر بالأمان لأول مرة.
أمسكت يده.
“سألتني إن كنّا أصدقاء، أليس كذلك؟”
“…”
“الصديق الحقيقي لا يتركك لأمرٍ كهذا.”
انطبقت شفتاه.
كان يريد أن يشكرها ألف مرة… لكن صوته خانه.
★*★*★*★*
[تذكير: لا تجعل قراءة الرواية تلهيك عن عبادتك٭]
حين خرجوا من الغابة، بدأ القلق يتسلّل.
انتشر الخبر.
ووصل إلى قصر أرماتي.
وقف أهل القرية يرمقون روبر بازدراء.
ثم—
“هناك!”
تقدّم جنود.
ترجّل رجلٌ أشقر بوقار.
“أيها الأمير الصغير.”
همس روبر:
“أيها… الكونت.”
“صاحب السمو قلق. عد.”
حاول حمله إلى السرج.
تقدّمت إيزلين فجأة.
“لحظة!”
رمقها بنظرةٍ باردة.
قالت بثباتٍ طفولي:
“كان معي. أنا مسؤولة.”
ابتسم بسخرية.
“هل تعلمين معنى المسؤولية؟”
“أن أُعاقَب بدلًا عنه.”
ضحك.
ثم حملهما معًا على الحصان.
وانطلقوا إلى القصر.
★*★*★*★*★
في مكتبة الدوق بريوش، ساد صمتٌ ثقيل.
“من هذه الطفلة، كونت ويلبرايت؟”
اتّسعت عينا إيزلين.
ويلبرايت…؟
اسمٌ تعرفه من الرواية.
“شاركت في اختفاء الأمير.”
تقدّم الدوق.
“ما علاقتكما؟”
“صديقان!”
صفعة—
انتفخ خدّ روبر.
“ما علاقتكما؟”
صفعة أخرى.
رفعت إيزلين رأسها متحدّية.
“نحن مرتبطان بثقبٍ في الجدار!”
ساد صمت.
“ثقب؟”
“في الجدار الجنوبي الشرقي.”
أمر بالتحقّق.
ثم سألها:
“متى علمتِ أنه نبيل؟”
وقعت في الفخ.
قالت:
“كنت أعلم.”
استعدّت للضربة…
لكن—
ابتسم.
“لديكِ أمّ، أليس كذلك؟”
دخلت مونيكا.
صفعة—
“أمّي!”
“سوء تربية.”
انهالت الصفعات.
ارتجفت إيزلين غضبًا.
كادت فكرةٌ مظلمة تومض في ذهنها—
لو يكبر روبر سريعًا ويقتل هذا الرجل…
لكنها تذكّرت:
موته سيحوّل روبر إلى سيّد الظلام.
[آيريس: ما عندي مشكلة المهم يقتل ذا الغثيث]
ارتجفت.
حين عاد الكونت، صاحت:
“عمر مريض كروك لا يتجاوز خمس سنوات بعد الإصابة!”
اشتعل غضب الدوق.
رفع السوط—
“أنا! سأُنقذه!”
تجمّد.
“كيف؟”
“سأبقى إلى جانبه… وسأُثبت ذلك بتجاوزه الثامنة.”
“وإن فشلتِ؟”
“أهب حياتي.”
ضحك طويلًا.
ثم قال ببرود:
“حسنًا. لكِ الفرصة.”
تردّدت لحظة، ثم أضافت:
“بشرط… ألا تضربه بعد اليوم.”
نظر إليها طويلًا.
ثم ابتسم ابتسامةً مائلة.
“ممتع… أوافق.”
★*★*★*★*★*★
وفي المكتبة، بعد أن خلا المكان—
وضع الدوق فنجانه ببطء، وتجهم وجهه.
“طفلةٌ وقحة…”
انتهى…
ترجمة:آيريس
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 4"