2
ما إن وصلتُ إلى قصر أرمايتي حتى واجهتُ معضلة.
صحيحٌ أن المكان ريفيٌّ ناءٍ، لكن أمام ملحق الدوق كان يقف حرسٌ مدججون، يؤدّون واجبهم بصرامة.
ولم يكن في وسعي، مهما حاولت، أن أتسلّل من بينهم.
تردّدتُ قرب البوابة أراوح مكاني، حتى تقدّم أحدهم وقال بصوتٍ جهوري:
“عرّفي بنفسك.”
“إي، إيزِلين!”
انتفضتُ واقفةً باستقامةٍ تامّة وأنا أجيب.
ارتسمت على شفاه الحرس ابتسامةٌ خفيّة، لكنهم سرعان ما تداركوا أنفسهم وعادوا إلى صرامتهم.
“ما سبب قدومكِ؟”
“أر، أريد لقاء أمي……”
“ومن تكون أمكِ؟”
“مونيكا……”
عبثتُ بأصابعي الصغيرة مطرقة الرأس.
لم يكن سببٌ كهذا كافيًا لدخول ملحق دوق أرمايتي.
كنتُ على وشك أن أستسلم وأعود، على أن أستفسر من أمي لاحقًا عن روبر—إن كان هنا فعلًا، وإن كان مصابًا بمرض كروك، وكم يبلغ من العمر الآن……
لكن—
“تمّ التحقق من الهوية. ادخلي.”
تشاك!
رفع الحرس رماحهم وفتحوا لي الطريق.
تجمّدتُ في مكاني.
أيها السادة…
أليس من الخطير إدخال طفلةٍ غريبة بهذه السهولة؟
غير أنني أدركتُ بعد لحظات أن كوني ابنة مونيكا يُعدّ هويةً كافية.
“يا إلهي، ما ألطفها!”
“إنها ابنة كبيرة الخادمات.”
“كم عمركِ؟”
أحاطت بي الخادمات من كل جانب.
أما أمي، فلم تكن في الأفق.
في هذا البيت، كانت هناك وصيفاتٌ من أصولٍ نبيلة يخدمن أفراد الدوق مباشرة، وخادماتٌ يتولين الأعمال الشاقة.
وأمي كانت من الفئة الأخيرة.
“أين أمي؟”
تبادلت إحداهن نظرةً جانبية قبل أن تجيب باقتضاب:
“لعلها في غرفة السيد الصغير……”
كان في نبرتها شيءٌ مريب.
وبمجرد أن ذُكر الأمر، تفرّقن واحدةً تلو الأخرى بذريعة الانشغال.
‘لماذا تكون خادمة في غرفة السيد الصغير؟’
انطلقتُ أركض عبر الممرات الواسعة.
لم يكن من الصعب العثور على المكان.
جَــلَنْــج!
“أتسخرون مني؟ كيف تُدخلون هذا الوغد إلى غرفتي!”
كان الصخب يتردّد من خلف الباب، والوصيفات يقفن بعيدًا، متردّدات في الاقتراب.
تدحرج بصري الأخضر في قلق.
لا بد أن الصوت يعود إلى بريوش فون أرمايتي، الدوق نفسه.
ومن أسلوبه، بدا واضحًا أن روبر ما يزال طفلًا ضعيفًا.
اقتربتُ بحذر.
من خلال شقّ الباب، رأيتُ ظهر أمي، منكفئًا بانكماشٍ واضح.
‘أمي!’
صفع—!
انحرف رأسها تحت يد الدوق.
‘أيها المجنون!’
كاد لساني ينطلق، ناسيتُ أن هذا مجتمع طبقي، لكن—
“أعتذر… لن أطلب رؤية والدي بعد الآن……”
كان الصوت يرتجف كأوراق الحور في مهبّ الريح.
روبر.
لم أرَ وجهه، لكن الألم والخوف في صوته كانا كافيين.
ارتجفت قبضتي الصغيرة.
لو أحدثتُ ضجّة، فقد تُقطع رقبة أمي قبل أن أفهم ما يجري.
“إن كنتَ تفهم، فاخرج حالًا!”
صاح الدوق بحدة.
تحرّكت أمي وروبر نحو الباب، فاندفعتُ أختبئ عند المنعطف.
ومن بعيد، رأيتُ أمي تمسك بيده بلطفٍ وهي تسير إلى جواره.
كان مشهدًا مؤثّرًا… وخطيرًا في آن.
‘لم أكن أعلم أن علاقتهما قريبة إلى هذا الحد.’
إن جاء اليوم الذي يُصفّي فيه ولي العهد كل من حول روبر، فقد تكون أمي من بينهم.
وإن حدث ذلك، فلن أكون في مأمن أنا أيضًا.
لكن—
“هـ… هاه……”
“لا بأس، أنا هنا يا سيدي الصغير.”
“مو… مونيكا……”
“لا بأس، لا بأس.”
ارتجاف كتفيه الصغيرين مزّق قلبي.
ما ذنبه؟
أهو المسؤول عن إصابته بمرض كروك؟
“وغد.”
تمتمتُ بالكلمة في سرّي، محدّقةً نحو الباب المغلق.
★*★*★*★[تذكير: لا تجعل قراءة الرواية تلهيك عن عبادتك]
بعد حين، خرجتُ إلى الساحة مجددًا، فرأيتُ روبر يسير وحده متسلّلًا.
كان يرتدي عباءةً للأطفال، يخفي بها وجهه.
ولم يكن في البيت طفلٌ بطوله سواه.
‘إلى أين يذهب؟’
تلفّت حوله كمن يسرق لحظة، ثم اندسّ بين الشجيرات الكثيفة.
تبعتهُ دون وعي.
خلف الأدغال، ظهر ثقبٌ صغير في الجدار.
“ألا… يهرب من البيت؟”
تجمّدتُ.
“أيها أنت!”
تسلّلتُ من الثقب ذاته، فالتفت إليّ وبدأ يركض.
يا لك من—
“إلى أين تذهب؟!”
“لا تـ، تتبعيني!”
اشتعلت روح المنافسة في داخلي.
ركضنا نزولًا من التل، حتى بلغنا الغابة التي يلعب فيها أطفال القرية.
“هاه… هاه…”
“لماذا… أنتِ سريعة هكذا!”
نزعتُ غطاء رأسه فجأة.
“من تكون—”
والتقت أعيننا.
شعرٌ أسود كليلٍ بلا قمر، وعينان حمراوان كغروبٍ مشتعل.
هو ذاته الصبي الذي التقيته يوم استيقظتُ هنا.
“أنتَ……!”
تذكّرتُ ثقب الجدار.
يا للعجب.
أن يتسلّل وريثُ أرمايتي عبر ثقبٍ في السور!
‘منطقٌ روائيٌّ بحت.’
تنحنحتُ.
“هل أنتَ بخير؟”
احمرّت وجنتاه وصرخ:
“ما، ما الذي تقصدينه!”
الصورة ذاتها خطرت في ذهنينا معًا.
“أنا… لستُ ذلك الشخص!”
فهمتُ قصده.
كان يخشى أن أكتشف هويته.
قرّرتُ أن أسايره.
“إذًا من أنت؟”
“أنا… ابنُ خادمة.”
يا له من اسمٍ مرتجل.
“وأنا ابنةُ كبيرة الخادمات. اسمي إيزِلين. ما اسمك؟”
“…… روبر.”
مددتُ يدي.
“هيا.”
تردّد، قبض يده وبسطها، ثم صافحني أخيرًا.
ابتسمتُ ولوّحتُ بيدينا معًا، بينما ظلّ يحدّق بي بشفتين مطبقتين كفرخٍ صغير.
كان ضوء العصر الذهبي ينساب فوق وجنتيه، فيزيدهما احمرارًا.
مالت الشمس، وصبغت السهول بلونٍ أثير، وبدأ هواء النهار الحارّ يبرد رويدًا.
عند أطراف الغابة الصغيرة، تحت جذعِ زَلْكَوةٍ عتيقة، جلسنا متكئين جنبًا إلى جنب.
“إذًا… تعيش في قصر أرمايتي؟”
“نعم. ليس لدينا بيت.”
كذبةٌ بيضاء.
كان مضطرًا لاختلاقها بعدما رأيتُه يخرج من هناك.
هززتُ رأسي متظاهرةً بالتصديق.
“لكن… لماذا كنتَ تبكي يومها؟”
ساد الصمت.
ضمّ ركبتيه وأخفى وجهه، وخمدت لمعة عينيه الحمراوين فجأة.
“إن لم ترغب في الكلام……”
“لأنكِ ضربتِني.”
رفع رأسه وحدّق بي بامتعاض.
“كنتُ أمزح……”
“لقد آلمتِني كثيرًا.”
وضع يديه على رأسه متأوّهًا، كأن الألم ما يزال حاضرًا.
ضحكتُ.
اتّسعت عيناه، ثم احمرّ وجهه وأعاد تمثيل الألم بجدّيةٍ أكبر.
“أيها الأحمق! لا يمكن أن يؤلمك إلى الآن!”
“بل… بل يؤلمني!”
ضحكتُ أكثر.
وهكذا جلسنا نضحك ونتجادل ونلهو، بينما كان الغروب ينسج حولنا دفئًا وادعًا.
ومع حلول الليل، وتلألؤ النجوم في السماء الداكنة—
غلبنا النعاس.
أسندتُ رأسي إلى كتفه، وأسند رأسه إلى رأسي،
ونمنا تحت الشجرة، غافلين عن العالم بأسرِه.
★*★*★*★
“ممم…….”
فركت إيزيلين عينيها المثقلتين بالنعاس، وما إن رفعت جفنيها حتى انعكست على شبكتيها الخضراوين ملامح غرفتها المألوفة.
تحرّك جسدها الصغير محاولةً النهوض، لكنها سرعان ما أدركت أنها ليست وحدها في السرير.
“كيف حدث هذا؟”
كان روبر نائمًا إلى جوارها، يتنفس بهدوءٍ عميق.
كانت تذكر أنهما كانا يتحدثان في الغابة عن أشياء كثيرة…
ثم غلبها النعاس فجأة، ومن بعدها لا شيء.
جمعت كفّيها أمام شفتيها وحدّقت في وجهه طويلًا.
أيمكن أن يصبح هذا الطفل البريء اللطيف الشرير الأعظم في الرواية مستقبلًا؟
لم تستطع تصديق ذلك.
‘أكان السبب طغيان دوق بريوش؟’
بما أن الرواية ركزت على قصة ولي العهد أرسين والبطلة ليبنه، فقد وردت طفولة روبر بإيجازٍ غامض على أنها «تعيسة» فحسب.
لكن إن جُمعت الإشارات المتناثرة، اتضحت الصورة تقريبًا.
لقد خجل دوق بريوش من ابنه المصاب بمرض، فأرسله إلى إقطاعية سوبلي بحجة الاستشفاء. وهناك، قضى روبر أيامًا وحيدة قاسية، فانحرف شيئًا فشيئًا نحو الظلام.
وعندما شبّ، صعد إلى العاصمة وأباد أسرة أرْماتي الدوقية — عائلته — حتى عمّت البلاد مذكرات القبض بحقه.
ومع ذلك، أخضع عالم الجريمة بقوته، ثم وجّه سيفه إلى إمبراطورية باركان نفسها.
كان هدفه أن يبلغ مقامًا لا يستطيع أحدٌ تجاهله.
وكان غضبه وقودًا أشعل به عاصفةً دامية في أنحاء الإمبراطورية.
‘متى يصبح هذا الصغير مرعبًا إلى هذا الحد؟’
كان يتنفس بهدوءٍ وداعةٍ لا توحي بشيء من ذلك المستقبل.
في الأصل، هو طفلٌ طيبٌ رقيق.
أكان احتقار الناس هو ما دفعه إلى حافة الهاوية؟
ما إن فكرت في الأمر حتى انقبض صدرها ألمًا.
‘إنه ظلمٌ قاسٍ بحقه وحده.’
صحيح أن الحفاظ على مسافةٍ بينهما هو الخيار الأسلم لها…
لكن—
‘إنه لطيفٌ للغاية.’
دون وعي، مدّت سبابتها ووخزت خده الممتلئ قليلًا.
“ممم.”
عقد حاجبيه الصغيرين واستيقظ.
“آه!”
فتح عينيه، فتوسعت حدقتاه الحمراوان عندما وجد وجهها قريبًا جدًا منه.
“ما— ما هذا؟!”
“وما يكون؟ أنا إيزيلين.”
“لماذا أنتِ هنا؟!”
“هذا سريري.”
“س— سريركِ؟”
“نعم.”
تجمّد لحظةً، ثم انتصب جالسًا فجأة.
شدّ على ياقة ثوبه كأنه يتفقد حاله، وأخذ ينظر حوله باضطراب. كان ضوء القمر المتسلل من النافذة يضيء الغرفة بهدوء.
ستائر بسيطة، جدران وسقف بلون الخشب، خزانة أنيقة، مكتب وكرسي صغيران، و—
توقفت عيناه عند السرير.
لحافٌ واحد.
وسادةٌ واحدة.
احمرّ وجهه دفعةً واحدة.
“روبر، هل يؤلمك شيء؟”
وضعت يدها على جبينه بقلق.
“لا، لا يؤلمني شيء!”
وأبعد يدها بعفوية.
هو الذي طالما تاق إلى حنان أحد، لم يفهم حتى نفسه.
نظرت إلى يدها التي بقيت معلّقة في الهواء لحظة، ثم ابتسمت. كانت تشعر بوخزٍ خفيف، لكنها لم تنزعج.
“لكن وجهك وعنقك شديدا الاحمرار.”
صمت.
“هل لأننا نمنا في الخارج؟”
راقبته قليلًا، ثم أمسكت كتفيه وأسندته إلى الخلف.
“ماذا تفعلين؟!”
احمرّ أكثر وهو يهتف.
لكنها لم تعبأ، ورفعت اللحاف حتى عنقه.
“انتظر قليلًا.”
شدّ اللحاف حتى غطّى أنفه.
قفزت من السرير وركضت إلى الخارج، ثم عادت بعد قليل وهي تحمل طست ماء ومنشفة.
“حسنًا، سأعتني بك.”
بللت المنشفة وعصرتها بكفيها الصغيرتين، ثم رفعت خصلات شعره عن جبينه.
كان هادئًا على غير عادته.
لمسة يدها الباردة الناعمة أثارت في قلبه تموجًا خفيفًا.
وضعت الكمادة على جبينه وسألته بعينين متألقتين:
“كيف الآن؟ هل أنت بخير؟”
“همم…”
صوت خافت بالكاد يُسمع، لكنها فهمته.
أسندت خدّيها إلى كفّيها ونظرت إليه بسرور.
تمتم وهو يشيح بنظره:
“سوف يثقب وجهي إن ظللتِ تحدقين هكذا…”
“لن يُثقب. لكنك وسيم.”
“ماذا؟”
التفت إليها، فقرصت خده.
“طريّ.”
لو فعلها غيرها لدفعها بعيدًا، لكنه لم يستطع.
ظل يحدّق بها كالأبله.
طفلة بشعر بني فاتح عادي…
ومع ذلك، بدت وكأنها تتلألأ.
“هيهي.”
“لا— لا تضحكي.”
“لماذا؟”
“لا أدري! تبدين قبيحة!”
“ماذا قلت؟”
“حين تضحكين تبدين قبيحة!”
“قلتُ إنك وسيم، أهذا ما تقوله لي؟”
زاد ضغط أصابعها.
“آه! يؤلمني!”
“تستحق!”
أخرجت لسانها، فعبس بغيظ.
وفي تلك اللحظة—
“هل استيقظتما؟”
ظهرت مونيكا عند الباب.
“أمي!”
“إيزيل، هل تعلمين كم أقلقني اختفاؤكِ دون كلمة؟”
ثم نظرت إلى روبر بطرف عينها، ولاحظت القلق في نظرته.
“وجدتكِ العمة جولي نائمةً في الغابة.”
“آه…”
“سمعتُ أنكِ ذهبتِ إلى قصر أرْماتي؟”
“نعم.”
“ولِمَ ذهبتِ دون أن تخبريني؟”
“ذلك… لأنني اشتقتُ إليكِ فجأة.”
راقبتها مونيكا، لكنها اكتفت بابتسامةٍ لطيفة.
ثم التفتت إلى روبر.
“سيدي الصغير—”
“اسمي روبر!”
انتفض فجأة.
“أنا ابن خادمةٍ في بيت الدوق!”
اتسعت عينا مونيكا، لكنها أدركت أنه يخفي هويته عن ابنتها، فسايرته.
“نعم، أخبرتني.”
ارتخت كتفاه ارتياحًا.
‘حتى هو يحتاج إلى صديق.’
نظرت إلى ابنتها بعينين حانيتين.
صديقٌ واحد بلا حسابات…
قد يكون هدية الطفولة التي لن تتكرر.
حملت إيزيلين وأعادتها إلى السرير بجواره، ثم غطّتهما باللحاف.
“ناما هنا الليلة.”
لم يجب.
لم يرغب أحدٌ يومًا في لمسه بسبب مرضه،
لكن ذراع إيزيلين التصقت به بلا تردد تحت اللحاف.
ربما لأنها لا تعرف عن مرضه…
لكن هذا القرب، رغم غرابته، لم يكن مزعجًا.
انتهى…
ترجمة:آيريس
التعليقات لهذا الفصل " 2"