“إذًا ، هل أنقذتِ ذلكَ الصديق؟”
“لا أعلم.”
تلاشت الحيوية من صوتها الذي كان يثرثر قبل قليل ، و.حلّ محله وهنٌ شديد.
“بما أن الخصم كان ذئبًا رماديًا… فمن المرجّح أنه مات.”
“أنتِ على قيدِ الحياة. لو كان الذئب قد قتله ، فليس هناك احتمال بأن يترككِ و شأنكِ و أنتِ بالجوار.”
“آه ، هل يعقل أنه نجا إذًا؟ إن كان الأمر كذلك ، فهذا يسعدني حقًّا…!”
تنهد سوليشار و هو ينظر إلى سماء الليل ، محاولًا كتمان ضيقه من ذلكَ الصوت البريء الذي أشرق فجأة.
كان إدراك أن هذه المرأة ليست هي نفسها التي عرفها في كل مرّة أمرًا مثيرًا للاستياء أكثر مما توقع.
“أتمنى ألا يكون قد أُصيب بجروحٍ بليغة. لقد كان يحمل سيفًا صغيرًا فقط.”
“بما أنّني سليم تمامًا ، فلا بد أنّه كان سليمًا أيضًا.”
“سول ، أنتَ خبير. أما هو فقد كان طفلًا. طفلًا صغيرًا.”
كاد الرجل أن يكمل كلامه ، لكنه توقّف و استمر في عمله بصمت.
تلكَ الذكرى لا بد أن تكون حقيقيّة ؛ فبيلونا الحالية لا تملك سببًا لنسج قصصٍ من فراغ.
المشكلة هي أنه يملك الذكرى ذاتها.
‘لا تتبع ذلكَ الصوت!’
في سن الثالثة عشرة حين وصل إلى ساروتوم ، و عندما بلغت منه نوبات الهياج التي بدأت قبيل مغادرته العاصمة مبلغها ، سمع ذلكَ الصوت.
خلال النوبة ، لا يشعر المرء إلا بألمٍ فظيع يسلبه عقله ، لذا لم يكن من المفترض أن يسمع كلمات الآخرين.
و مع ذلك ، فقد سمعه.
صوتًا صافيًا مليئًا بالإستقامة و الصدق لدرجة تجعله يبدو ساذجًا.
‘لا تستسلم!’
كان الألم ينخر في الدماغ.
بالإضافة إلى الألم الذي يكاد يشطر وعيه ، كانت العظام و اللحم يتمزقان ، و الدماء تسيل من كل جسده.
عندها يبدأ في فقدان ذاته و ضرب و تحطيم كل شيء.
لم يكن يرغب في فتح عينيه ، لكنه تشبّث بالحياة بعناد لأن هذا بالضبط ما كان يتمناه والده و زوجة أبيه.
و حين استعاد وعيه ، وجد نفسه مستلقيًا وسط البرية بين جثث الوحوش الضارية ، مغطّىً بالجراح.
بذل فيرميل كل ما في وسعه ، لدرجة تعرضه لإصاباتٍ بليغة أثناء محاولة كبحه.
وصل الأمر بسوليشار إلى تقييد نفسه في غرفٍ أو في أعماق السجون ، لكنه كان يحطّم السلاسل الحديدية أثناء نوبته ، فلم يكن هناك مفرّ سوى الاندفاع خارج الحصن بمجرّد شعوره ببوادر النوبة.
في ذلكَ الوقت ، و بسببِ الجهل بالسّبب ، خضع كل ما يلمس جسده من طعامٍ و ثياب لفحصٍ دقيق و حساس.
لكن الجواسيس المندسّين وسط حاشية وليّ العهد الذين قدموا إلى الشمال كانوا يدبّرون المكائد لجعل نوباته تتكرّر بكثرة.
لذا ، كانت النوبة تبدأ في النهاية.
لا يسمع سوى ضجيجٍ مؤلم يكاد يفجّر أذنيه ، و تتحوّل رؤيته إلى اللون الأحمر ، و يملأ الألم العالم أجمع.
لم يكن أمامه سوى الصمود حتّى يسقط مغشيًا عليه من التعب.
‘سأساعدكَ!’
كيف يمكنه أن ينسى ذلكَ الصّوت الرقيق الصافي الذي برز فجأةً ليصدّ بنعومة الألم الذي كان يخدش جمجمته؟
‘مَنْ هناك؟’
في تلكَ اللّحظة ، اتّضحت رؤيته و ظهر الذئب الرمادي أمامه بوضوح.
كانت يده التي تمسك بالسيف مهترئة من الجروح ، و جسده مغطّى بخدوشٍ و طعنات من براثن الذئب.
و بسببِ البرد القارس ، كانت الجروح قد تجمّدت و انفتحت بالفعل.
أعاد سوليشار إمساك سيفه بيده التي فقدت الإحساس ، و طعن عنق الذئب المنهك دفعةً واحدة.
لو أضاع تلكَ اللّحظة الوحيدة ، لما ضمن ما سيحدث بعدها.
و رغمَ تخبط الذئب ، إلا أنه استمر في غرز السيف و الضغط عليه حتّى لفظ الذئب أنفاسه الأخيرة و همد جسده ، عندها فقط فقـدَ هو وعيه.
حين استعاد وعيه مجدّدًا ، كان داخل الحصن ، و كان فيرميل ينتحب متوسّلًا إليه ألا يخرج بمفرده ثانية.
بحثوا في المكان الذي التقى فيه بالذئب ، لكنهم لم يجدوا شيئًا.
كان ذلكَ اليوم هو المرّة الأولى التي يستعيد فيها وعيه في منتصف النوبة.
و لكن ، هل كانت هي تلكَ الفتاة نفسها حقًّا؟
“هل أنتَ بخير حقًّا؟”
كان يعلم منذُ سنوات أن بيلونا هي مَنٔ أوقفت نوباته ، و لكن هل بدأ الأمر منذُ سن الثامنة؟
تلكَ الطفلة التي كانت تعيش في زاوية قرية جبلية صغيرة أسفل الحصن و تتجول أحيانًا في الغابة؟
هل قامت طالبة في السنة الأولى من مدرسة “فوليكولي” الابتدائية بتهدئة نوبة عجز أعظم سحرة الإمبراطورية عن إيقافها؟
بينما تجاوز هو الثالثة عشرة ليصل إلى السادسة و العشرين ، نمت تلكَ الطفلة أيضًا.
لم تطل قامتها كثيرًا بمعايير سوليشار ، لكن بيلونا أصبحت امرأة ناضجة.
و فوق ذلك ، فقدت ذاكرتها تمامًا.
أليس هذا مريحًا للغاية؟
“هذه هي المرّة الرابعة التي تسألين فيها ذلك.”
“ألم تُصب بجروح؟ ألا يجب أن ترتاح؟ أليس الأمر شاقًا عليك؟ إذا كان قلبكَ يتألم و يشعر بالتعب ، فيمكنكَ أن ترتاح قليلًا ، أنا بخير حقًّا.”
بمجرّد أن نطق بكلمة ، انهمرت الأسئلة بسرعة و كأنها تطلب منه أن يستمع إليها.
هل كانت في الأصل ثرثارة بهذا الشّكل و تفعل عكس ما يُطلب منها؟
نظر سوليشار بدهشة إلى المرأة التي لا يصل طولها إلا إلى مستوى صدره.
لطالما كانت قليلة الكلام و لا تبرز نفسها أبدًا.
‘يبدو أنها تخفي الكثير من الأمور.’
سخر في نفسه.
“أنا سليم.”
إنها تسبّب الإزعاج ، و المتاعب ، و تجبره في النهاية على الالتفات إليها.
خافت بيلونا من الهجمات المتتالية ، لكنها مع ذلك ساعدت سوليشار بجدّ في عمله.
قام بتفتيش جثث القتلة ، و من بين الخيول التي هربت ثم عادت تحوم حول المكان ، اختار أفضلها و استبدل حصان الأمتعة.
كانت خيول القتلة أشبه بخيولٍ حربية مدربة ، و لا يمكن مقارنتها بذلكَ الحصان الهزيل الذي كان يركبه الصعلوك الذي ادعى أنه مأمور أمن.
“هل أركب الحصان وحدي؟”
سألت بيلونا بجدية و هي تنظر إلى الحصان ، بينما كان هو يمحو الأثر و يتفحص آثار الحوافر المشتتة ليحدد الاتجاه الذي يجب سلوكه.
لم يجب سوليشار فورًا ، بل حرك حدقتيه فقط لينظر إليها.
كانت نظراته حادة.
حينها فقط أدركت بيلونا أن سؤالها قد يبدو في أذنيه و كأنه محاولة للهرب.
“هل تجيدين ركوبها؟”
لكنه سأل بهدوء بدلًا من توبيخها.
“أشعر أنه يجب عليّ المحاولة الآن.”
ألا يمكنني فعل ذلكَ إذا حاولت؟
بل يجب أن أحاول حتّى لو لم أستطع.
هز سول رأسه.
“لا بأس.”
سول ، الذي تخلص من كل هؤلاء القتلة بمفرده و قتل الساحر ، قد تجاوز حدود البشر بالفعل.
لم يكن هذا عملًا يمكن لإنسانٍ عادي القيام به.
لكن بيلونا كانت خائفة.
هي التي أُلقيت في وسط العالم دونَ أن تعرف شيئًا ، كانت لا تزال تحرّك عينيها بقلق.
“أنتِ لا تبكين.”
قال سوليشار فجأة و هو يرمقها بنظرةٍ فاحصة.
“و لماذا أبكي؟”
“لأنّكِ كثيرة البكاء.”
حتّى عندما كانت صغيرة ، كانت عيناها المائيتان تحمران بسرعة و تترقرق فيهما الدموع.
و لأنها لم تكن تريد إظهار ذلك ، كانت تهرب.
تلكَ الفتاة الصغيرة التي سحبت يده فجأة طالبةً منه أن يكون صديقها كانت كذلك.
“لستُ كذلك على الإطلاق.”
هزّت بيلونا رأسها كمَن طُعن في كبريائه.
لم تتوقع أن يذكر فجأة بكاءها في النزل أثناء قص شعرها.
“لقد كنتُ خائفة ، لكن سول استعاد وعيه ، و أنا كنتُ مفيدة قليلًا.”
قالت ذلك بشجاعة متعمدة ، مؤكدة على جملة ‘كنتُ مفيدة’.
نظر إليها سول بنظرةٍ غريبة.
عندما كبرت بيلونا قليلًا ، كان من الصّعب سماع صوتها ما لم يبادر هو بالحديث.
و مع ذلك ، كان يعلم أنها تفكر فيه دائمًا ؛ كانت دائمًا توصيه بالحذر بوجهٍ يملؤه القلق.
‘أنتِ التي كنتُ أظنكِ كذلك.’
لقد خنتِني مع ذلكَ الساحر الملقى جثةً هناك.
اهتزّت زاوية عين سوليشار بشكلٍ طفيف.
“لنذهب.”
عند تلك الكلمة ، التفتت هي خلفها بلا سبب.
كانت البرية التي خمدت فيها كل الأصوات هادئة بشكلٍ مخيف.
تلك الجثث ستأتي الوحوش الضارية التي تحبس أنفاسها الآن ، و النسور التي تحوم في الأعلى ، لتلتهمها بالكامل.
و حين يصل المتعقبون الذين يبحثون عنهم إلى هذا المكان بعد قطع البرية الشاسعة لعدة أيام ، ستكون حتّى الآثار القابلة للتتبع قد اختفت.
و بحلول ذلكَ الوقت ، سيكون سوليشار قد غادر هذا المكان منذ فترةٍ طويلة.
رفع بيلونا بصمت و أجلسها فوق الحصان.
حتّى المكان الذي ظنت أنها سترتاح فيه قليلًا أصبح بعيدًا و فوضويًا.
كان لدى بيلونا الكثير من الأسئلة ، لكنها آثرت الصمت ؛ فقد تعلمت الآن أنه لا يجب الكلام أثناء الركض.
حين استعادت وعيها ، وجدت نفسها في نزلٍ غريب آخر.
فتحت بيلونا عينيها بصعوبة بعد أن أيقظها سوليشار ، و نظرت حولها بذعر.
أنزلها سول دون كلمة.
متى وصلنا إلى هنا؟
يبدو أنها اكتسبت مهارة النوم فوق الحصان ؛ شعرت ببعض الفخر بنفسها.
علاوة على ذلك ، هناك سقف و ماء للشرب!
بحثت عن الحمام بسرعة ؛ كان عليها أن تغتسل و تأكل و تنام فوق سرير كلما سنحت لها الفرصة.
بالطبع ، كان كل جزء في جسدها يؤلمها مع كل حركة ، لكن باستثناء آلام العضلات ، لم يكن هناك شيء سيئ.
شعرت بالحياة تعود إليها بعد أن غسلت كل غبار البرية عن جسدها.
حين جاء سول حاملًا وعاءً كبيرًا من الحساء الساخن و خبزًا محمصًا ، أطلقت بيلونا صيحة فرح.
“وااه… أوه.”
حرّك سول عينيه ليلقي نظرةً خاطفة على صوتها المتحشرج.
هي التي كانت غارقة في النوم فوق الحصان ، استطاعت أخيرًا استجماع صوتها أمام الطعام.
“شكرًا لك.”
و لم تنسَ إظهار امتنانها أيضًا.
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"