لا يمكنها الوثوق بذلك الرجل. لم يصارحها بالحقيقة، و كذب بشأن كونه مراقبًا قضائيًّا.
حتّى اسم “بيلونا” قد يكون مزيّفًا .لكن هذا الاسم أعجبها لسببٍ ما، لهذا قررت التمسك به حتّى لو كان كذبة.
و على أيّ حال، لم يكن أمام بيلونا خيار سوى اتباع سول، فالتخلف عن الركب في هذه القفار يعني الموت لا محالة.
“لم تموتي اليوم، أليس كذلك؟”
فتح سول فمه متحدّثًا، و كأن تململها كان يزعجه.
“لقد نجوتِ و استمررتِ في الحياة، و هذا يكفي.”
‘لكنني فقدتُ ذاكرتي، و قيل أنّ سجلاتي قد مُحيت.’
فتحت بيلونا شفتيها لتنطق بأيّ شيء بعد أن قرّرت تصديق الكلمات السيئة فقط من حديث مومونا، لكن سول قطب مابين حاجبيه.
“عليكِ العيش غدًا أيضًا، لذا نامي فحسب.”
“…. هل سننام في الخارج دائمًا من الآن فصاعدًا؟”
“في الوقت الحاليّ.”
و عندما تقلبت بيلونا في مكانها، تنهّد سول و أضاف:
“سنرى.”
كانت الأرض الصلبة و الباردة غير مريحة على الإطلاق، مما طرد النوم من عينيها.
حتّى لو أغمضت عينيها، كانت صور الأشخاص الذين سقطوا بسهولة تامّة تهاجم مخيلتها.
و رغمَ أن جسدها كان منهكًا من ركوب الخيل طوال اليوم، إلا أن وعيها كان متيقظًا بشدّة، و لم يبدُ أنها ستنام قريبًا.
مع ذلك، أغمضت بيلونا عينيها بقوّة و حاولت استحضار النوم، فربّما إذا جاهدت لكي تنام، ستغفو في النهاية.
بدا و كأن وقتًا طويلاً قد مر.
و عندما بدأت النار التي أشعلاها تخبو و تتضاءل، نهض سوليشار من مكانه.
“بيلونا، انهضي!”
صرخَ بتلكَ الكلمات القصيرة و القوية، فانتفضت بيلونا واقفة.
عندما رفعت رأسها، وجدت سول قد استلّ سيفه الطويل بالفعل. و حين حاولت التحرك، انطلق سهم في الهواء بصوتٍ حاد.
تدحرجت بيلونا على الأرض بفعل قوّة دفعه لها قبل أن تتمكّن من الصراخ حتّى.
و لحسن الحظّ أنها تدحرجت بعيدًا عن النار، ثم أمسك بها سوليشار و جعلها تقف.
“هل جاؤوا للإمساك بي مجدّدًا….”
“لا.”
تمتم سوليشار و هو يطفئ النار بقدمه بينما يحدّق في الظلام الدامس:
“هذه المرة، جاؤوا من أجلي.”
نظرت إليه بيلونا متسائلةً عما يعنيه ذلك، لكنه عوضًا عن إجابتها، سحبها خلف ظهره.
و في تلكَ اللّحظة، انغرست السهام في المكان الذي كانت تقف فيه بيلونا قبل ثوانٍ.
إنهم أولئك الذين لم يتخلوا عن البحث عن وليّ العهد المفقود و جاؤوا لقتله مهما كلف الثمن.
كما أنهم كانوا قتلة محترفين، لا يمكن مقارنتهم بمأمور الأمن التافه أو جمعية السحرة الذين رأتهم في النهار.
سُمع صوت رنين حادّ لاهتزاز المعدن.
انكمشت بيلونا و هي تشعر بآلام في طبلة أذنها، و بدأت تتفقّد ما حولها.
كانت الخيول المربوطة تجمح و تضطرب، و بدا و كأن زاوية فم سول المغطى باللثام قد ارتفعت بحدّة و شراسة.
استمرّت السهام في الانطلاق، لكنه كان يصدّها بخفّة، و كأنه يرى بوضوح في الظلام تلكَ السهام المصوبة نحوه بدقّة.
“فلنهرب!”
رأت بيلونا أن تجنّب المواجهة قد يكون أفضل.
“لا يمكننا ذلك.”
قال سوليشار ذلكَ باختصار، ثم ضرب بسيفه الصخرة التي كانت بيلونا تستند إليها بظهرها قبل قليل.
تلكَ الصخرة التي صمدت طويلاً أمام الزمن، قُطعت بعبثية مذهلة.
ثم ركل الجزء العلوي المقطوع بقوّة.
طار الحجر الثقيل لمسافة بعيدة بارتفاع منخفض، فأطاح بفارسين من الرماة بضربة واحدة.
“ابقِي في الخلف بهدوء. لا تخرجي.”
ترك سوليشار هذه الكلمات فقط و اندفع للأمام، ليبدأ بقطع أوّل حصان اقترب منه.
و مع سقوط عنق الحصان، هوى الرجل الذي كان يلوّح بسيفه إلى الأرض.
التقط سوليشار ذلكَ السيف و رماه ليخترق صدر رجل آخر، ثم استخدم سيفه الطويل لبتر ذراع رجل كان يطعن بالرمح من جهة اليمين.
رمى الرمح الذي استولى عليه ليخترق جسد رجلٍ آخر كان يندفع نحوه.
الحصان الذي كان يركض خلفه لم يستطع تفادي الرّجل الذي سقط بالرمح، فاصطدم به و سقط و هو يصهل بصخب.
تحرّك سوليشار بسرعة كان من الصّعب تتبعها بالعين.
في اللّحظة التي يمر فيها، يسقط حصان و يُقطع إنسان إلى أشلاء.
كان الرّجال الذين يرتدون ثيابًا سوداء و يغطون وجوههم يسقطون و يتلوون من حوله.
بدا سوليشار الذي كان يقاتل و يهيمن على كل مَنٔ حوله و كأنه كائن يتجاوز البشر. و رغمَ كثرة المهاجمين، لم يفلت أحدًا منهم.
لكن الموقف كان خطيرًا للغاية.
شحب وجه بيلونا و هي تبحث عما يمكنها فعله، فاقتربت من الخيول المربوطة. فكّرت في حل وثاقها و الهرب مع سوليشار إذا ساءت الأمور.
في تلكَ اللّحظة، سُمع صوت اهتزاز المعدن مجدّدًا.
‘كييييييينغ!’
كان الصوت حاداً لدرجة تثير القشعريرة.
لمست بيلونا عقدة حبل الحصان ثم رفعت رأسها.
في الليل الأسود الذي لا يضيئه سوى ضوء النجوم، كان سوليشار يقاتل الفرسان كأنه محارب ممسوس بالجنون.
و هذا الصّوت المزعج لم يكن صادرًا عن الأشخاص الذين يقتربون منه، بل عن شخصٍ يقف بعيدًا دون حراك.
كان ذلكَ الشخص يرتدي رداءً طويلاً و يراقب سوليشار بتركيز.
شعرت بيلونا بهبوط مفاجئ في قلبها.
لقد رأت مشهدًا كهذا من قبل.
ذاكرتها التي كانت خاوية استعادت فجأة ذكرى قديمة و تمسّكت بها.
عندما كانت صغيرة، كانت تلعب كثيرًا في الغابة. كانت الغابة مليئة بشتّى أنواع الأعشاب و الأشجار و الثمار المأكولة و الفطر.
لم تكن تشعر بالملل أبدًا و هي تلعب وحيدة، ففي الغابة لم تكن بيلونا وحدها، بل كانت هناك غزلان كبيرة، و أرانب، و ثعالب، و أحيانًا تظهر الدببة.
و كل الأطفال الذين يعيشون بالقرب من هناك كانوا يتجنبون الأماكن التي تظهر فيها الوحوش الضارية من تلقاء أنفسهم.
في ذلكَ اليوم أيضًا، خرجت بيلونا و هي تحمل سلّتها، و سمعت صوتًا غريبًا في أعماق الغابة.
“آه….!”
كان صديقها الذي تلعب معه هذه الأيام يئن و يصاب بتشنجات. و أمامه، كان هناك ذئب رمادي يزمجر.
‘لا يجب عليّ الاقتراب أبدًا’.
كان عليها أن تلتفت و تهرب، لكن بيلونا سمعت صوتًا غريبًا.
‘كييييييينغ!’
في تلكَ الغابة الكثيفة بأشجار التنوب المليئة بالهواء النقي، سُمع صوت قويّ كأنه يمزق الأذنين و يخدش طبلة الأذن.
‘إنه صوت شرير!’
قفزت بيلونا الصغيرة دونَ أن تشعر.
وضعت يدها التي ترتدي قفازًا دافئًا على شجرة و تقدّمت للأمام.
إنه صوت خبيث يعذّب البشر.
صديقها كان يرتجف، لكنه كان يقاتل الذئب كما يأمره ذلكَ الصوت.
و من وراء أشجار التنوب، رأت شخصًا يرتدي رداءً و يختبئ هناك.
‘إنه ساحر شرّير!’
يجب أن تساعد صديقها الذي كان يمزّق الذئب بسيفٍ صغير بجسده الضئيل. سيموت الذئب، و سيموت صديقها أيضًا.
مدّت بيلونا يدها بكلّ قوّتها لتساعد صديقها.
نعم، هكذا كان الأمر.
و في إيليروي شمال إمبراطورية هيلونين، على بُعد 87 كم شمال غرب “السهول اللامتناهية”، صرخت بيلونا التي أصبحت الآن بالغة بنفسِ الطريقة:
“لا!”
‘لا يجب أن تتبع ذلكَ الصوت!’
صرخت بصوت عالٍ، و هاجمت تلكَ التعويذة الشريرة التي تنخر الدّماغ كالشفرة لتجعل الإنسان مجنونًا في النهاية.
‘بما أنني فعلت ذلكَ منذُ صغري، فأنا أستطيع فعلها الآن أيضًا’.
و كما قامت لتهدئة صديقها الذي كان يجمح بجنون، هزّت بيلونا سوليشار الذي بدأ في ارتكاب مجزرة لا نهاية لها لتوقظه.
لم تغفل بيلونا عن ذلكَ السّاحر الذي جلب عددًا لا يحصى من القتلة ليكونوا قرابين، ثم تراجع للخلف ليتمتم بتعاويذ دنيئة.
تمنّت بصدقٍ و بساطة، تمامًا كما تمنّت في حمام النزل بالأمس ‘أن يكون هناك الكثير من الماء الساخن’.
‘لا تفعل أشياء شريرة! لا تعذبه!’
طارت تلكَ الرغبة الصادقة و دفعت السّاحر بقوّة.
سقط غطاء الرداء الذي كان يرتديه إلى الخلف، ليكشف عن وجه عجوز مجعد بلحية.
بدا الساحر مذهولاً بشدّة و عيناه جاحظتان.
“سول! استعد وعيكَ!”
في الحقيقة، كان هذا كل ما تجيد بيلونا فعله.
كانت تلكَ القوّة الخام، الخشنة و غير المصقولة التي عرفتها و هي في الثامنة من عمرها، هي كلّ ما تملك.
لذلك، صرخت بصدقٍ أكثر من أيّ شخصٍ آخر.
استطاعت أن تصرخ بصوتٍ أقوى و أعلى مما فعلت و هي في الثامنة.
رفيقها، الذي كان يتحرّك كوحش فقـدَ عقله، كان قد تلطخ جسده بالدماء بالفعل.
“سول!”
ماذا كان اسم ذلكَ الصديق الذي ساعدتُه آنذاك؟
لم تكن تتذكّره.
لكنها عرفت أن مناداة الاسم بقوّة لها تأثير في إيقاظ الوعي، لأنها هي نفسها استعادت وعيها عندما نادى سول اسمها و طلب منها النهوض.
“لقد منعتُه، لذا لا يجب أن تتبعَه!”
لقد سدّت بكلّ قوّتها ذلكَ الممر أمامَ وعي سول، الذي كان مفتوحًا بوهن تجاه تلكَ التعويذة الشريرة.
“سول! آه، هل تسمعني؟”
بصراحة، كانت يداها ترتجفان و ساقاها ترتعشان، لكن بيلونا صرخت بغضب بدلاً من ذلك.
كانت خائفة، لكنها رفضت الاستسلام.
“قلتُ لكَ استعد وعيكَ! لقد فقدتُ ذاكرتي فجأة! و حتّى حقيقة أن اسمي كان يانكي! و شعري الأخضر! كل هذا يشعرني بالظلم، لذا لا أريد الموت هنا!”
عندما يُدفع الإنسان إلى أقصى حدوده، تخرج مشاعره الصادقة دونَ أن يشعر.
كان شعورها بالظلم و الضيق نابعًا من كون كل ما تجيده الآن هو الصراخ و إلقاء سحرٍ بسيط و غير متقن تعلمته و هي في الثامنة.
و الساحر القابع هناك في الظلام، بدأ يتمتم بالتعاويذ مجدّدًا دونَ أن يجد وقتًا لإعادة غطاء الرداء فوق رأسه.
كان سول لا يزال يفتك بالبشر.
و لأن القتلة أدركوا أنهم قد يموتون في أي لحظة إذا لم يواجهوه، فقد تركوا بيلونا و ركّزوا هجومهم عليه.
لم تكن ترى كيف تبدو عينا سول، لكن من المؤكد أنه لم يعد يملك ذرّة من العقل.
لابد أنه أصبح وحشًا تمامًا و مسحورًا بالكامل، مثل صديقها الذي رأته في طفولتها.
في تلكَ اللّحظة، سرت قشعريرة في جسدها.
لقد كان الآن يستمتع بالقتل.
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"