كل ما تخلصت منه بيلونا بعد مغادرة ساروتوم هو شعرها فقط. و بالنّظر إلى حالة شعرها الذي عُبث به بشكلٍ شنيع، كان من الواضح أن السحرة قد وضعوا فيه تلكَ التعاويذ التافهة التي يستخدمونها لتتبع الأثر.
على أي حال، كانت تلكَ التعاويذ أسرع بالفعل من “الظلال” الذين يخدمون العائلة الإمبراطوريّة.
بيلونا، التي لم تكن تدرك ذلك، كانت عيناها قد انكسرتا بالفعل من الصدمة و صارتا شفافتين. و لأن الرؤية أصبحت فجأة ساطعة بشدّة، أغمضت عينيها بقوّة، فظلت نقطة بيضاء طويلة كأثر في بصرها. لقد استلّ سوليشار سيفه الطويل الذي يحمله دائمًا.
“أنتِ لا تتذكرين كيفيّة ركوب الخيل، أليس كذلك؟”
كان سؤالاً هادئًا بشكلٍ مثير للسخرية بالنّظر إلى الموقف، بل و كان يحمل صيغة الجزم. و في كلتا الحالتين، لم تستطع بيلونا الإجابة، تمامًا كأي شخص طبيعيّ يمر بمثلِ هذه الأحداث.
لم تكن تعرف إن كان عليها الهروب من سول، أم من مأمور الأمن، أم إن كان الهروب ممكناً أصلاً. و بمجرّد رؤيتها للسيف الطويل، تجمّد جسدها تمامًا.
“سأغفر لكِ اليوم فقط.”
قال سوليشار هذا الكلام غير المنطقيّ، ثم اندفع بحصانه إلى الأمام مباشرة.
سحب أحد أتباع مأمور الأمن وتر قوسه على عجل، لكن سوليشار، الذي اقترب بسرعة، ضرب القوس بسيفه الطويل ثم طعن عنق الرجل فورًا.
و عندما سحب السيف بحركةٍ ملتوية، تطايرت الدماء نحو السماء الزرقاء الصافية. كانت مهارته في القتل بخفّة و دون بذل مجهود دقيقةً بشكلٍ مرعب.
مأمور الأمن، الذي كان يشعر بثقة كبيرة لإحضاره ساحرًا معه، انحاز غريزيًّا إلى جانبِ الساحر بمجرّد اندفاع سوليشار نحوه.
ففي النهاية، كل المعارك التي خاضها كانت عبارة عن أعمال عنف تحدث في أزقة الأحياء أو الأسواق؛ لذا لم يكن لديه ما يعتمد عليه سوى السّاحر.
لكن، و قبل أن يتمكّن الساحر الذي جعل الأرض ترتفع لإيقاف المجرمة الخطيرة من استخدام يديها، تلقى مأمور الأمن ضربة بالسيف و سقط عن حصانه، حيث كُسرت فقرات عنقه و مات.
“آآآه!”
الساحر الأخير، الذي كان منهكًا من قطع الطريق الطويل و بالكاد تمكّن من استخدام سحره، صرخ و مـدّ يده.
رأيت بيلونا الهواء أمام سول يتموج كسراب على شكل دائرة، و كانت حواف تلكَ الدائرة حمراء بوضوح رغمَ شحوبها.
كانت النيران تشتعل ، إلا أن سوليشار رغمَ رؤيته للنار، غرز سيفه فيها مخترقًا إياها ليضرب الساحر.
و بمجرّد تلويحه بالسيف، تحطمت كل العناصر التي تسببت في اشتعال النار و اختفت بوهن، و لقي السّاحر نفس مصير رفاقه.
لم يعد يُسمع في الحقول سوى صهيل الخيول التي فقدت أصحابها و تفرقت.
“انزلي.”
نزلت بيلونا و هي في حالة ذهول كما أنزلها سوليشار، و حين وطأت قدماها الأرض، تلاقت عيناها مع الجثث الملقاة.
مأمور الأمن، الذي كان يصرخ قبل ثوانٍ فقط، كان ملقى و عنقه ملتوٍ بزاوية غريبة. و رغمَ ذهنها المشتّت، ظلّت الكلمات التي قالها تتردّد في رأسها.
اقتربت بيلونا من الجثة قليلاً دونَ أن تشعر. كانت الجثة قد بدأت تبرد و تتصلب، و الدماء لا تزال تنزف منها.
ماذا كان يعرف هذا الشّخص حين كان حيًّا؟
“مهما أطلتِ النظر، لن تأتيكِ الإجابة من جثة.”
اقترب سوليشار الذي أمسك بسرعة بالخيول المذعورة قبل أن تهرب. مرّ بجانبِ بيلونا المتصلبة و انحنى نحو مأمور الأمن، و بدأ يتحسس ملابس الرجل الذي قتله بيديه.
“ماذا.. ماذا تفعل؟”
كان صوتها و هي تسأل بالكاد يُسمع من شدّة نهجانها، لكن سوليشار رفع كيس نقود أخرجه و أراها إياه.
“خذي.”
أمسكت بيلونا بكيس النقود الذي ألقاه إليها فجأة، فسمعت رنين بضع عملات معدنية.
كان قد بدأ بالفعل في تفتيش الجثة التالية. كانت سرعته في البحث و اتخاذ القرار بشأنِ ما سيأخذه أو يتخلص منه من أدوات و أسلحة بمجرّد رؤيتها سريعة جدًّا. كانت سرعة بديهة لا يمكن لبيلونا مجاراتها.
“كل هذا.. ما الذي يحدث؟”
“ماذا؟”
بشكلٍ أدق، هي لا تفهم أي شيء على الإطلاق.
التفت سوليشار لينظر إلى بيلونا، التي شحب وجهها و اتسعت عيناها، و كان فمها مفتوحًا من أثر الصدمة بينما ترتجف بشكلٍ طفيف.
“لماذا كذبت؟”
“لأن ذلكَ كان بسيطًا”
هذه أيضًا كذبة؛ بل لأن ذلكَ كان سهلاً فقط. شعرت بيلونا بالظلم للمرّة الأولى لأنها لا تعرف شيئًا.
“على أيّ حال، لم يكن الأمر ليدوم طويلاً.”
“صحيح.”
أجاب سوليشار بفتور.
“إذًا، هل تودين العودة؟ هناك خيول كثيرة، اركبي أي واحد منها و اذهبي.”
اعتبرت بيلونا أن قول مثل هذا الكلام لشخصٍ لا يملك حتّى خيار العودة هو تصرّف شرير للغاية.
“أقصد، لماذا كذبتَ لتأخذني إلى مكانٍ ما و تفعل شيئًا ما؟”
لم يكن من السّهل مواجهة شخص قتل أناسًا للتو دونَ مبالاة و مساءلته بوضوح.
لكن بيلونا بذلت قصارى جهدها. و رغمَ أن صوتها كان يرتجف تدريجيًّا، ربّما بسببِ المفاجأة أو الغضب، إلا أنها تحدثت بوضوح.
“سألتكَ، ما السّبب وراء ذلك؟”
“إذا أجبتكِ، هل ستصدقينني؟”
لسببٍ ما، بدا سؤاله لطيفًا بعض الشيء، و كأنه يلمح لها بأن تفكر مليًّا. فكرت بيلونا بصمتٍ ثم هزت رأسها.
“لا. لكنّني أسأل لأنني أريد أن أعرف على أيّ حال.”
سألت حتّى لو كان سؤالاً غبيًا، لأنها لم تستطع ألا تسأل. فعلت ذلكَ لأن هذا كلّ ما تستطيع فعله الآن.
ضغطت على شفتيها المرتجفتين بقوّة.
في صباح هذا اليوم، بكت طويلاً في ساحة النزل، و ها هو ذا الحزن المألوف يتصاعد داخلها مجدّدًا، و بدأت عيناها تسخنان بشكلٍ مزعج.
“شخص يعرفكِ اتصل بي و قال إنه سيعطيني الثمن إذا أخرجتكِ. لذا، نحن ذاهبون إلى ذلكَ الشّخص.”
رفعت بيلونا رأسها فجأةً عند سماع هذه الكلمات غير المتوقعة. الرجل الذي كان يبتسم بمرح و يتحدث بفتور و جفاف، كان الآن يقطب ما بين حاجبيه.
“مَنٔ هو ذلكَ الشخص؟ و كيف يعرفني؟”
‘الرّجل الذي كنتِ تذكرينه طوال فترة الاستجواب.’ أراد سوليشار قول ذلكَ لكنّه شعر بالإستياء، فسألها بدلاً من الإجابة:
“هل تصدّقين كلامي؟”
“أن تجيب ثم تقول كلامًا كهذا….هذا لؤم و جبن.”
في النهاية، قطبت حاجبيها و قالت ما أرادت قوله دفعة واحدة، ثم شعرت بالندم على الفور. لكن سول أومأ برأسه بهدوء.
“هذا صحيح.”
لم يتحدث أكثر، و تابع عمله بصمت. بعد أن تفقد النقود و الأمتعة الصالحة للاستخدام و جمعها، أطلق سراح حصانين، و اتخذ حصانًا آخر لحمل الأمتعة، ثم أعاد بيلونا لتركب خلفه على حصانه الأصلي.
غادرا المكان تاركين الجثث منبوذة في القفار.
التفتت بيلونا إلى الخلف، فكانت رياح باردة تهب فوق الجثث المتروكة.
فكرت في أن موت البشر أمر سهل للغاية.
استمروا في الركض حتّى وقتٍ متأخر من ذلكَ المساء دونَ أن يظهر أي مكانٍ مأهول بالسكان.
و رغمَ قطعهما للغابات و القفار إلى أن تيبست وجنتاها و فقدت الإحساس بطرف أنفها، لم تبتعد سلسلة الجبال التي تطل عليهما و لو قليلاً.
كانت النجوم تتلألأ في الليل الأسود الذي يمتد بلا نهاية، و تحتها في البرية لم يكن هناك سوى التراب و الحجارة و قليل من النباتات اليابسة الموحشة.
وجد سوليشار، الذي تتبع التضاريس الوعرة، مكانًا يصلح لقضاء ليلة واحدة بصعوبة، فأشعل نارًا بين الصخور المتراكمة أسفل منحدر. في هذا المكان لن يكون ضوء النار مكشوفًا.
جلست بيلونا، التي كانت تلف جسدها بالرداء بالكامل، منكمشة بالقرب من النار.
“كلي، ثم نامي.”
قال ذلكَ باختصار و هو يعطيها خبزًا و يعدّ لها شريحة لحم مقدّد.
يبدو أن الإقامة في النزل كانت ضربة حظ. و لأنها لم تكن تعرف إن كانت ستستطيع النوم حتّى لو طُلب منها ذلك، حدّقت بيلونا في الأرض الترابية.
ربّما كانت شخصًا اعتاد النوم في العراء و تناول الطعام هكذا، لذا قد يكون هذا القدر من المعاناة مقبولاً. فكما يقال، الماضي مجهول.
“أولئك الناس قبل قليل، هل من الطبيعيّ قتلهم؟”
“القتل أفضل.”
لم تكن تظنّ أنّه سيجيبها، لكن الإجابة جاءت بشكلٍ غير متوقع.
“لماذا؟”
“صديقتكِ لا تعرف شيئًا لدرجة أنها عيّنت حثالة الحي كمأمور أمن. بمجرّد رؤيتهم للجثث، سيتملكهم الخوف. و بمجرّد خروجنا من حدود الشمال، لن نكون في نطاق رؤيتهم، و لن يتمكّنوا من تتبعنا.”
كان هذا شرحًا أطول مما توقعت. لكن إلى أي مدى يجب أن تصدق هذا الكلام؟
نظرت بيلونا إلى سوليشار و هو يرتّب المكان، ثم ضمت ركبتيها إلى صدرها.
هل يمكنها الهروب؟
نظرت إلى الجهة الأخرى من النار، حيث كان الظلام دامسًا لدرجة أنها لم تكن ترى شيئًا. سمعت صوت عواء حيوان من مكانٍ ما، فجفلت بيلونا و أدارت رأسها مجدّدًا.
نظر سوليشار إلى وجهها الذي تعاقبت عليه مشاعر الحيرة و الكآبة و الاستسلام، ثم وضع المزيد من الأغصان التي جمعها في النار.
طارت الشرارات في الهواء، و تحوّل الحطب إلى سواد ثم تآكل و صار رمادًا، و في النهاية توهج باللون الأحمر قبل أن يتفتّت و يصبح رمادًا أبيض.
“نامي بسرعة.”
حتّى لو فقدت ذاكرتها، فهي في الأصل امرأة ذكية.
يبدو أنها أدركت بسرعةٍ حقيقة أنها لا تستطيع فعل شيء الآن، فاستلقت و سحبت الرداء حتّى غطّت رأسها بالكامل.
‘مومونا كين، لابدّ أنها تشعر بالارتباك الآن بكلّ تأكيد.’
بما أنها مستلقية على الأرض، لم يكن من الوارد أن يغالبها النوم. تابعت بيلونا تسلسل أفكارها.
تلكَ المرأة التي كذبت و ادّعت أنها صديقتها كانت تحاول إبقاء بيلونا تحت سيطرتها، لكنها ارتبكت بالتأكيد لخروجها عن المنطقة التابعة لها، أليس كذلك؟
‘هذا يشعرني بالرضا. فوسط كل هذا، وجدت أمرًا واحدًا يبهجني.’
بينما كانت تحاول جاهدة التفكير بإيجابية، أنزلت الرداء قليلاً و خطفت نظرة نحو سول.
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"