لكن ذلكَ الشخص النبيل ظلّ واقفًا بشموخٍ كعادته ، دون أن يتزعزع.
“ماذا حدث؟”
كانت نبرة سؤاله عاديةً ، بل و بدت خفيفةً أيضًا.
“لقد تعقّبنا الخونة و قتلناهم جميعًا ، و على رأسهم ذلكَ الوغد غراي ريزوي ، تمامًا كما أمرت.”
صرّ فيرميل على أسنانِه و هو يذكر اسم الخائن.
بالأمس ، عندما وقعت محاولة اغتيال وليّ العهد السادسة و العشرين دون سابق إنذار ، اشتعلت النيران في الحصن ، و سقط سوليشار ، و قُتل الكثير من الناس ؛ و كل ذلكَ لأنّ رفيقًا تشاركوا معه الصعاب قد خانهم.
كانت الخطة قد وُضعت للإيقاع بالخونة ، لكنّ الضرر كان أشدّ إيلامًا مما توقّعوا.
“و الأميرة ليليان؟”
“لقد غادرت على الفور ، لكنني شعرتُ بالريبة فجعلتُ رجالي يقتفون أثرها.”
“أحسنت.”
في الشمال حيث تتساقط الثلوج كأنّها نصالُ سيوف ، تشتّتت قاعدة وليّ العهد بالكامل ؛ تلكَ القاعدة التي بناها و هو يقاتل الأجناس الغريبة و القراصنة و الوحوش.
و بما أنّ غراي ريزوي كان المسؤول عن المعلومات ، فقد كانت الضربةُ أكثر سحقًا.
“كيف حالُ صحتك؟”
لم يكن هناك مَنٔ هو أقوى من سوليشار ، و مع ذلك ، كان غالبًا ما يعاني من نوباتٍ تفقده صوابه.
“أنا بخير. هل انتهى ترتيب الحصن؟”
بالرّغم من تعرّضه لنوبةٍ شديدة مساء الأمس وسط تلك الفوضى ، إلّا أنّ سوليشار ابتسم بهدوء كعادته.
ذلكَ التابع المخلص ، الذي يتحرّك دائمًا بلا صوت رغمَ جسده الضخم كالجبل ، شعر بغصّةٍ حارقةٍ تخنق صدره من هذا المشهد ، لكنه تمالك نفسه.
“أجل. لقد أحرقتُ جميع الوثائق ، و أغلقتُ البوابات. كما أجلبتُ أتباعنا إلى مكانٍ آمن. لقد أُعلن رسميًا عن اختفاء سموّك ، و الحصنُ الآن تحت حماية غرين.”
“استمرّوا هكذا ، و إن ساءت الأمور فاتركوا كلّ شيء و اهربوا.”
كان كلامًا يبعث على الضيق و الحنق ، لكنه كان أمرًا يجب وضعه في الحسبان في هذا الموقف.
لقد حُفرت ثغرةٌ كبيرة في الأمن ، لذا لا يمكن الوثوق بأحد ، سواء داخل الحصن أو خارجه.
حتّى المجرمون الذين حدّدهم وليّ العهد فور استعادته لوعيه ، تمكّنوا من الفرار و الاختفاء مثل الدخان و كأنّهم يسخرون منه.
“الحياةُ هي الأهم ، و ليس حصنًا تافهًا.”
هكذا لخّص الأمر وليّ العهد ، الشّخص الذي سكب أكبر قدرٍ من الدماء لحماية حصن ساروتوم ، متحدثًا بلهجةٍ خفيفة.
“إذا فقدنا شيئًا ، يمكننا بناؤه مجددًا. الوضعُ الآن أفضل بكثير مما كان عليه عندما طُردتُ في المرّة الأولى.”
ذلكَ الفتى الذي كان في الثالثة عشرة عندما طُرد من العاصمة نحو الشمال ، أصبح الآن في السادسة و العشرين.
جلده الرقيق الذي تشقّق مرارًا و تكرارًا من البرد القارس ، اِلتأم و أصبح الآن طبقةً صلبةً و قوية.
ابتسم سوليشار دون حرارة و هو يمسك سيفًا طويلًا بيده.
للوهلة الأولى ، بدا و كأنه شخصٌ تخلّى عن كلّ شيء و رحل ، لكنّ فيرميل كان يعرف جيدًا أيّ نوعٍ من الحكّام هو سيّده.
إنه الشخص الذي يبني مدينةً آمنةً من أنقاضٍ لم يتبقَّ منها الرماد حتّى ، و يقاتل بحر الشتاء الهائج و ينتصر عليه.
“لقد تركتُ ثغرةً عمدًا لأعرف مَنٔ الخائن ، لذا عليّ تقبّل النتائج. و بالمصادفة ، لديّ مكانٌ أذهب إليه.”
اتجهت نظراته المظلمة نحو الطابق الثاني من النزل الذي غادره للتوّ.
“تلكَ المرأة ، هل حقًا لا تتذكّر شيئًا؟ ألا يمكن أن يكون ذلكَ فخًا أيضًا؟”
في هذا الموقف ، يجب التشكيك في كلّ شيء حرفيًا.
فيرميل ، الذي كان ينوي حماية سلامة سيّده بكلّ قوته وسط هذه الأزمة ، كان يتوجّس من كلّ مَنٔ حوله.
“كنتُ أظنّ أنه لا يوجد ساحرٌ كفءٌ واحد في الشمال ، لكن يبدو أنهم تخلّصوا من ذاكرتها بشكلٍ مؤكّدٍ على غير المتوقّع.”
أو أنّها امرأةٌ تملك قدرةً مذهلةً على التمثيل لدرجة أنها خدعت عينيّ سوليشار نفسه.
“ماذا عن الآخرَين؟”
لقد حدّد سوليشار بدقّة السحرة الثلاثة الذين حاولوا اغتياله.
إحداهم هي تلكَ المرأة فاقدة الذاكرة الموجودة في النزل.
“أعتذر منكَ. لقد تتبّعناهما ، لكن لم نجد سوى كلماتٍ تفيد بأنّ التحقيق جارٍ…”
لكنّ الآخرَين اختفيا تمامًا.
لم يستطع فيرميل إكمال كلامه ، و ظلّ رأسه منحيًا نحو الأرض من شدّة الخجل.
هذه هي البلاد التي يعيشون فيها ؛ بلادٌ تحمي الأشخاص الذين حاولوا اغتيال وليّ العهد.
سوليشار ، الذي وُلد نبيلًا لكنه اعتاد على الازدراء ، اكتفى بالابتسام مجدّدًا.
“هذا متوقّع.”
كلّ ما تبقّى لوليّ العهد هو امرأةٌ واحدةٌ أصبحت بلهاء لدرجة أنه يشكّ في معرفتها بكيفيّة الاستحمام.
بالطبع ، كان ختمُ الذاكرة و محوُ السجلات هو أقسى عقوبةٍ يتلقاها السحرة.
لكنّ مَنٔ يحاول اغتيال وليّ العهد يستحقّ الإعدام.
و عندما سُلّمت إلى قاضية الصلح ليتمّ التحقيق معها وفق الإجراءات القانونية العادلة ، لم تُتّخذ في حقّها أيّ إجراءاتٍ عادلة ، بل صدر حكمٌ سخيفٌ يسخر من وليّ العهد علانية.
“يُقال إنّ قاضي صلح ساروتوم قد تغيّر فجأةً بالأمس.”
“يبدو أنّ الكثير من الناس كانوا مشغولين جدًا بالأمس.”
حتّى لو احترق الحصن ، فقد كان سوليشار يحكم منطقة ساروتوم بالكامل لفترةٍ طويلة.
و مع ذلك ، فإنّ قاضي الصلح الذي كان يُفترض به أن يكون في صفّه قد تغيّر بسهولة ، و النظام القانوني الذي ثبّته على مدار سنواتٍ صار في حالة فوضى.
“سموّك ، مهما كانت فاقدةً للذاكرة ، فالبقاءُ بالقرب من ساحرةٍ أمرٌ خطيرٌ للغاية.”
فالسّبب في معاناة وليّ العهد من تلكَ النوبات المروّعة بين الحين و الآخر هو لعنةٌ نُفّذت بالسحر.
لم يكن بإمكان فيرميل ألّا يقلق.
“إنهم صنفٌ خطير حتّى لو ابتعدتَ عنهم. و لا أظنّ أنّ فتاةً لا تعرف ما هو الصابون قادرةٌ على إلقاء لعنة.”
“عفوًا؟ هل وصلت إلى هذا الحدّ؟”
حتى فيرميل ، الذي نادرًا ما تظهر عليه علامات المفاجأة ، صُدم تمامًا.
شعر بالعرق البارد يتصبّب منه.
‘هل يجب على سموّه أن يتحمّل عبء فتاةٍ شبه معتوهة في مثل هذا الموقف؟’
“……سموّك ، هي في النهاية ورقةٌ تخلّى عنها الطرف الآخر أيضًا. بما أنّها كذلك ، فمن الأفضل أن تتركها فحسب…”
“لو أردتُ تركها لقتلتُها بدل ذلك. فذلك أسهل. لكنهم بذلوا جهدًا لختم ذاكرتها و هم على عجلةٍ من أمرهم في يومٍ واحد.”
ابتسم سوليشار بمرارة.
“هذا الأمر مريبٌ للغاية.”
بدلًا من إرسال المجرمة الوحيدة التي أمسك بها وليّ العهد إلى المحكمة العليا في العاصمة وفق الإجراءات القانونية ، قاموا فجأةً بختم ذاكرتها.
ليست عقوبة الإعدام ، بل مجرّد ختم ذاكرةٍ يخصّ السحرة ؛ لم يكن الأمر سخيفًا فحسب ، بل كانت تفوح منه رائحةُ الشبهات.
لم يكن أمامه خيارٌ سوى التحرّك بنفسه لاستعادة تلكَ المرأة.
“أليس هذا فخًا واضحًا؟”
في هذا الموقف ، لا يمكنه الوثوق بشيء.
و كان فيرميل يعرف جيدًا أنّ سيّده لا يثق به هو أيضًا.
كان ذلكَ أمرًا بديهيًا لدرجة أنه لا يستدعي الشعور بالإساءة.
“كلّ مكانٍ هو فخ. لذا ، عليّ أن ألتقط أكبر طُعمٍ موجود.”
سأعضّ الشخص الذي ألقى الطُعم حتّى و أجرّه إلى هذا الجحيم.
ابتسم الرجل الذي نجا طوال حياته كأنه وحشٌ كاسر.
“اعتنِ بالبقية. و إن شعرتَ أنّ الأمر أصبح مستحيلًا ، فلا تصمد بحماقة ، بل اعبر الحدود فورًا.”
جاء الردّ هادئًا من خلف سوليشار ، الذي كان يغادر بعد أن ترك أمرًا بتركه إن لزم الأمر.
“سأبدأ العمل التجاريّ.”
كان يعني بذلك أنه سيعود للقيام بالأعمال الشاقة و الدنيئة ، مثل التسكّع في الأسواق و الأزقة لجمع المعلومات و الأموال كما في السابق.
و رغمَ سماعه لتلك النبرة المليئة بالعزم و التصميم ، إلا أنّ المغادر لم يلتفت أبدًا.
* * *
غمست المرأة أطراف أصابعها في الماء.
لم تعجبها درجة حرارة الماء أبدًا.
‘ألا يمكن أن يكون الماء أكثر سخونةً و أكثر غزارةً قليلًا؟’
قطبت المرأة ما بين حاجبيها بشدّة و غمست أصابعها في الماء مرّةً أخرى.
كانت ترغب في غمر جسدها بالماء الدافئ و الاسترخاء.
“……آه؟”
في تلك اللّحظة ، قفزت قطرة ماءٍ فجأةً من فوق الحوض.
و بدلًا من أن تسقط لأسفل ، ظلّت تطفو في الهواء و تنتفخ شيئًا فشيئًا.
و سرعان ما أصبحت كتلة الماء أكبر بكثير من الحوض ، و بدأت تقترب من فوق رأس المرأة التي فغرت فمها من الدهشة.
‘ما هذا؟ لا ، لماذا أصبح الماء أكبر؟ ماذا أفعل؟’
أغمضت المرأة عينيها بشدّة و هي في حيرةٍ من أمرها.
تشااااك.
تردّد صدى صوت انسكاب الماء بقوّة في أرجاء الحمام.
و بعد فترةٍ طويلة ، مسحت وجهها بيديها.
جفّفت الماء الذي كان ينهمر من فوق رأسها ، ثمّ فتحت عينيها بصعوبة.
كانت الأرض مغطاةً بالماء ، بينما امتلأ الجوّ ببخارٍ كثيفٍ ضبابي.
نهضت بسرعة لتتفقّد الحوض.
كان الحوض لا يزال يحتوي على كمية الماء التي تتذكّرها.
‘ماذا حدث؟’
نظرت بذهول إلى يديها المبلّلتين بالكامل ، ثمّ بَسَطت كفّها نحو الحوض.
“هيا.”
حرّكت يدها قليلاً.
لكنّ الماء الموجود في الحوض لم يتزحزح.
“تادا.”
لا يزال كما هو.
‘أليس الأمر هكذا؟’
“تحرّك!”
صرخت و هي تقرّب وجهها من الماء ، فتسبّب صوتها فقط في حدوث تموّجات على السطح.
و لم تتكرّر حادثة طفو قطرة الماء من تلقاء نفسها مرّةً أخرى.
“اطفُ ، اطفُ؟”
أليس هذا أيضًا؟
بينما كانت تلوّح بيديها بجدّ ، سُمعت حركةٌ بالخارج ثمّ صوت طرقٍ على الباب.
“ماذا تفعلين؟”
كان المراقب.
انقبض جسد المرأة من أثر صوته المنخفض ، و نظرت نحو الباب و هي تنكمش على نفسها دون وعي.
“ماذا فعلتِ؟”
كان من الصعب جدًا شرح ما حدث.
خاصةً و أنّ مومونا حذّرتها بوضوح قائلةً : “استخدام السحر يعني الإعدام”.
لم تكن متأكدةً حتّى إن كان ما حدثَ للتوّ هو سحرٌ أم لا.
و بينما كانت المذنبة تنظر إلى يديها مرّةً أخرى ، أعلن ذلكَ الصوت المنخفض الذي حسم أمره أخيرًا.
“سأدخل. إن أردتِ تغطية نفسكِ ، فافعلي ذلك.”
فُتح الباب ، لكنها لم تكن بحاجةٍ لتغطية نفسها بشكلٍ خاص.
فقد كانت مبلّلةً بالكامل بملابسها التي ترتديها ، قبل أن تجد فرصةً لخلعها حتّى.
جلست القرفصاء و هي متمسكةٌ بالمغسلة حيث وُضع الحوض ، و كأنّها ملاذها الوحيد ، و نظرت إلى المراقب بعينين واسعتين.
أما هو ، فلم يقل شيئًا لفترةٍ طويلة بعد أن وجد تلكَ المرأة الصغيرة وسط البخار الكثيف.
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 2"