“شكرًا على اعتنائكَ بي.”
“كُلي.”
“و أشكركَ بصدق لأنّكَ أنقذتني.”
رغمَ أنها كانت تتضور جوعًا ، إلا أن بيلونا لم تتوقف عن شكره بتهذيب.
كان سوليشار يتوقع أن تندفع للأكل بجنون فيضطر لجعلها تبطئ ، لكنه لم يتوقّع سماع كلمات الشكر هذه.
ظل يراقبها و هي تمسك بالملعقة و كأنها سلاحٌ ثمين.
“لقد نسيتُ أن أشكركَ البارحة.”
منذُ استيقاظها في القلعة الحجرية وصولًا إلى هنا ، كان جسدها في حالةٍ يُرثى لها و صوتها متحشرجًا تمامًا.
و مع ذلك ، كانت تملك من الوعي ما يكفي لتدرك ما كان سيحلّ بها لو سُحبت إلى منطقة العقوبات دون وجود سول.
بالتأكيد لم تكن لتحلم بحساءٍ تطفو فيه قطع اللحم.
في كلّ مرّة يتردّدان فيها على نزلٍ أو يحصلان على ثيابٍ نظيفة ، كان سول يدفع الثمن لصاحب النزل.
ما تنعم به الآن ليس مجانًا ، و كان هذا الإدراك يمثل لها أهميةً كبرى.
“شكرًا جزيلًا.”
قالتها بصوتٍ متهدّج من التعب ، لكنها لم تتلقَّ ردًا.
لم تكن تتوقع منه إجابةً على أي حال ، فهو رجلٌ شديد الصمت.
غرست ملعقتها بنشاطٍ في الحساء.
“أنتِ أيضًا أنقذتِني.”
جاء الرد متأخرًا قليلًا.
كانت بيلونا قد بدأت تأكل لقمةً كبيرة ، ففتحت عينيها على وسعهما و نظرت إليه.
في الغرفة التي لم تضم سواهما ، كان قد أنزل لثامه و أمسك بأدوات طعامه.
“أعني أنّكِ قمتِ بدوركِ على أكمل وجه.”
حينها فقط ، أدركت بيلونا مجدّدًا أن سول يمتلك بشرةً صافية لا تشوبها شائبة.
سقطت خيوط الشمس الشاحبة على أنفه المنحوت بدقة و وجنتيه المتناسقتين ، فجعله ذلكَ يبدو وسيمًا بشكلٍ يُبهر الأبصار.
“صحيح؟ في الحقيقة ، أنا أيضًا أظنّ ذلك.”
كاد سوليشار أن يغصّ بطعامه بسببِ نبرة صوتها المبهجة التي باغتته و هو يهم بالأكل.
“لذا أشعر ببعض الفخر. أيًّا كان مَن قام بختم ذاكرتي ، يبدو أن مهارته كانت متواضعة قليلًا. أو ربّما…”
تلكَ الفتاة التي كانت تحمّر خجلًا و تكتفي بخفض رأسها عند سماع أي مديح ، تتحدّث الآن بفخرٍ و حماسٍ شديدين.
ثم فجأة ، توقفت عن الكلام و انشغلت بتحريك ملعقتها دونَ سبب. بدا تلاشي كلماتها أمرًا مريبًا.
“أو ربّما ماذا؟”
تساءل في نفسه ما الكلام المذهل الذي ستنطق به هذه المرّة.
“أو ربّما… ممم… أليس من الممكن أنّني كنتُ ساحرةً بارعة حقًّا؟”
قالتها دفعةً واحدة ، ثم تلافت نظراته بإحراج و أخذت تحدّق في السقف.
“و لماذا تظنين ذلك؟”
“قيل لي إن ذاكرتي مختومة ، و مع ذلك بدأت أتذكر بعد يومين فقط.”
“و ماذا أيضًا؟”
“تذكرتُ و ساعدتُ سول.”
“لقد استخدمتِ السحر. ماذا أيضًا؟”
اعترف سوليشار باستخدامها للسحر ببساطة ، لكنه لم يترك الأمر يمرّ هكذا.
و ماذا أيضًا؟ أليس هذا كافيًا! ماذا يتوقّع أكثر من شخص فقد ذاكرته!
ثبتت بيلونا عينيها المرهقتين على وعاء الحساء فقط.
“السحرة يطرحون ثلاث حججٍ على الأقل لإثبات أي ادعاء.”
و بيلونا التي يعرفها سوليشار كانت ساحرةً حتّى النخاع.
كانت تمضغ الحساء و تحرّك عينيها من تحت رموشها لتختلس النظر إليه ثم تهرب بنظرها مجدّدًا ؛ كانت تلكَ لفتة مألوفة رآها منها مرارًا.
أحيانًا كانت بيلونا تختلس النّظر إليه سرًا ، و تحرّك شفتيها كأنها تهمّ بقول شيءٍ ما ثم تصمت في النهاية.
كان يرغم نفسه على صرف نظره عن شفتيها اللتين تتبعهما نظراته تلقائيًا.
‘هل كانت تفكّر بخيانتي و هي تضع مثل تلك التعابير؟ أم كانت تحاول الاعتراف بما في داخلها؟’
لم يعد هناك سبيل لمعرفة ذلك الآن.
و إذا لم تقل هي شيئًا ، فلم يعـد ينوي استجوابها ؛ فالعلاقة بينهما كانت بهذا القدر من السطحية على أي حال.
“عندما دخلتُ لأغتسل في النزل السابق ، كبرت قطرات الماء فجأة.”
لكن ، و خلافًا لتوقعاته ، اعترفت بيلونا بصوتٍ خافت.
“قطرات الماء؟”
“نعم.”
هزّت بيلونا رأسها بتعبيرٍ يقول ‘أنت تفهم ما أعنيه ، أليس كذلك؟’ ، ثم عادت لتأكل الحساء بجدية… بجديةٍ مفرطة.
“لقد طلبتُ منكِ المضغ عشرين مرّة.”
عندما سحب وعاء الحساء نحوه قليلًا ، تبعت عيناها الوعاء تلقائيًا ، ثم بدأت تمضغ بإخلاص و هي تبدي تذمّرًا طفيفًا.
حينها فقط أعاد سوليشار الوعاء إلى مكانه.
“ماذا تقصدين بأن قطرات الماء كبرت؟”
“بالمعنى الحرفي للكلمة.”
“قطرة ماء واحدة؟”
“لقد ارتفعت وحدها ثم كبرت.”
هزّت بيلونا رأسها و رفعت يديها بحذر لترسم دائرةً في الهواء.
“إلى هذا الحدّ؟”
و بينما كانت تمضغ ببطء لعشرين مرّة ، كانت الدائرة التي ترسمها بيديها تزداد حجمًا.
فكر سوليشار مليًّا ثم استنتج :
“لهذا السّبب بدوتِ كفأرٍ مبلّل حينها.”
“فأر؟”
نظرت إليه بحدّة بعد أن كانت تشرح بكل جوارحها.
“لقد كنتِ كالفأر. لقد غمركِ الماء لأنّكِ لم تستطيعي السيطرة عليه.”
“هل تدرك مدى الرعب الذي تشعر به حين ترى الماء يكبر فجأة؟”
احتجّت بشدة ، لكن سول لم يعرها انتباهًا.
تجاهل أيضًا شعور الارتباك الذي انتابه حين رآها مبلّلة بالكامل في ذلكَ الوقت ، و تلكَ المشاعر الطفيفة التي اضطربت في صدره.
“و هل كان ذلكَ أكثر رعبًا من حيرتي حين فكرتُ إذا كان يجب عليّ أن أعلّمكِ كيف تغتسلين أيضًا؟”
“كان يمكنكَ ببساطة أن تعلمني. أما الماء الذي يكبر فجأةً و يحيط برأسي ، فهذا شيء لا حيلة لي فيه.”
بيلونا ، التي لم تكن تجرؤ سابقًا على النطق بكلمةٍ واحدة أمامه ، أصبحت الآن تجادله و تصرّ على رأيها بقوة.
و فوق ذلك ، كانت يداها تتحركان بسرعة لتغرف الحساء في خضمّ النقاش.
كان هذا أحد الأمور القليلة التي تعجبه فيها منذُ أن فقدت ذاكرتها.
“أي نوعٍ من السحر استخدمتِ؟”
“لا أعلم. كل ما فكرتُ فيه هو أنّني أريد غمر جسدي في ماءٍ دافئ.”
“و في النهاية انغمرتِ بالفعل.”
ارتسمت على وجه بيلونا ملامح الظلّم و هي تحاول توضيح أنها لم تكن ترغب في أن ينهمر الماء فوق رأسها ، لكنها فوّتت فرصة الرد لأنها كانت منشغلة بمهمة المضغ لعشرين مرّة.
‘ساحرة استخدمت السحر قبل مرور يومٍ واحدٍ على ختم ذاكرتها. إمّا أنّها ساحرة عظيمة ، أو أنّ سحرة الشمال الذين ختموا ذاكرتها عديمو الكفاءة.’
كانت بيلونا موهبةً يصعب العثور عليها في الشمال ، لكنها لم تظهر أي براعةٍ استثنائية من قبل.
ومع ذلك ، كان سوليشار قد لاحظ القوّة التي تخفيها بيلونا منذُ زمن.
و كان يعلم أنها متورطة بشكلٍ عميق في نوبات الهياج التي تصيبه.
لم يكن يعلم أن الأمر بدأ منذُ أمدٍ بعيد ، لكنه كان يظن أنها تساعده ، قبل أن يدرك أنها خانته.
و الآن ، تلاشت كل الحقائق خلف ضبابٍ كثيف.
لم يعد يعرف ما هو الصواب.
لكن كون بيلونا ساحرةٌ بارعة ، هو أمرٌ مؤكد.
كانت براعتها تصل إلى حد الخطورة إذا ما أظهرت المزيد من مواهبها.
“ولكن ، ما الذي يجعلكِ تثقين بي لتخبريني بكل هذا؟”
انطلق صوته باردًا كالثلج فجأة.
رفعت بيلونا رأسها و نظرت إليه وهي لا تزال تأكل.
في النهاية ، هو شخصٌ كذب عليها ، أليس كذلك؟ ألا يمكن أن يكون هو مَنٔ يجرها نحو خطرٍ أكبر؟
“آه. تقصد أن الأمر خطير و يجب أن أحذر في كلامي. فهمت. سأكون أكثر حذرًا من الآن فصاعدًا.”
أومأت بيلونا برأسها مدّعية الفهم.
و لأوّل مرّة ، ارتبك الرجل الذي لا تُفهم نواياه أمامها ؛ فأدركت أنها أصابت كبد الحقيقة.
“لكنّني أخبركَ بهذا لأقول إنني مفيدة إلى هذا الحدّ ، لذا أرجو أن تأخذني معكَ بأمان.”
كان من المستحيل على بيلونا البقاء على قيدِ الحياة دون مساعدته.
لذا ، أثبتت قيمتها بحذرٍ و لكن بوضوح. فهي لم تكن مجرد حملٍ ثقيل ليلة البارحة.
“رغمَ أنني لم أقدم ما يوازي ثمن وعاء الحساء هذا.”
في الواقع ، حتّى لو قال سول إنها لم تقدم ما يغطي ثمن وجبةٍ واحدة ، لم تكن بيلونا لتملك حقّ الرد.
لقد كانت طوال الوقت مجرّد طردٍ ثقيل ينقله سول.
و رغمَ قوله إنه سيوصلها لشخصٍ يبحث عنها ، إلا أنها لا تعرف هوية ذلكَ الشخص ، و قد يكون كلامه محض كذب.
و إذا سئم منها سول أو تخلّى عنها في الطريق ، فقد تجد نفسها في وضعٍ أسوأ من الموت.
لم تكن تعرف التفاصيل ، لكنها أدركت أنها ليست مجرّد سجينةٍ عادية ، و أن سول ليس مجرّد رجلٍ عاديّ.
لقد استشعرت ذلكَ و لو بشكلٍ طفيف بعد تعرضهما لهجومين.
‘يبدو أن وليّ العه هذا شخصٌ عظيم حقًّا. لكن ، ما هو وليّ العه أصلًا؟’
“لقد قدمتِ أكثر من ثمن وعاءٍ واحد.”
قال سوليشار بنبرةٍ عادية و جافة :
“كُلي وعاءين.”
عند تلكَ الكلمة ، تهلل وجهها و ارتسمت عليه ابتسامة تشبه تفتح الزهور.
لم تكن تدري لماذا أسعدتها تلكَ الجملة إلى هذا الحد ، لكن وجهها الذي كان مطفأً أشرق فجأة.
ضحكت بصفاء ، ضحكة امرأة لا تعرف شيئًا عن حقيقة الأمور.
بدا و كأن شمس العصر المتأخرة قد التصقت كلها بوجهها الصافي ، مما جعل الرؤية تبدو مشوشة في عينيه من فرط بريقها.
حاولت بيلونا تنفيذ أمره و تناول وعاءين من الحساء لكنها فشلت.
فرغمَ أن سول لم يكن يبدو و كأنه يراقبها ، إلا أنه كان يدرك ببراعة متى تتوقّف عن المضغ جيدًا فيوبخها.
لذا اضطرت للأكل ببطء ، مما جعل وعاءً واحدًا كافيًا ليشعرها بالشبع التام.
بعد أن غسلت أسنانها ، غلبها النعاس من شدّة التعب ، لكنها لم تستطع النوم.
كان سول قد ارتدى رداءه بقلنسوته مجدّدًا و بدأ يتحرك بنشاطٍ في الخارج.
الجو لا يزال باردًا ، لكنه ألطف مما هو عليه في الشمال.
فتحت بيلونا النافذة قليلًا ، فسمعت صوتًا غريبًا من الأسفل.
“هل أنتَ مسافر؟ هل أنتَ مرتزقٌ بالمصادفة؟”
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"