انسحبتُ من حضن أمي الدافئ، وبخطواتٍ وئيدة مشوبة بالتردد، دلفتُ إلى حجرتي. أغلقتُ الباب خلفي وكأنني أغلقه على ضجيج العالم وأسئلته الملحّة. استلقيتُ على سريري، وأخرجتُ هاتفي، تلك الشاشة الصغيرة التي كانت قبل قليل مسرحاً لخيبيتي. بوجلٍ، فتحتُ المذكرة ذلك الرحم الذي يغذي كتاباتي قبل أن يولدها للعالم وبدأتُ أقرأ الفصول السابقة، لم تكن بالسوء الذي صورته لي نفسي، بل كانت تحتاج فقط إلى “روح” كُتبت بيقين.
فجأة، وبلا مقدمات، وكأنَّ “جمرة” أمي قد اشتعلت في رأسي، بدأت الأفكار تتدافع كما لو أن سدر قد انفجار فبات الطوفان هلاك. فتحتُ فصلاً جديداً، ولم تكن أصابعي تكتب، بل كانت ترقص على لوحة المفاتيح. غبتُ عن الوجود، لم أعد أشعر بمرور الوقت، ولا ببرودة الغرفة، كانت الكلمات تطيعني كما لم تفعل من قبل، تنسابُ بسلاسةٍ مذهلة، وكأنَّ “العسراء” قد وجدت أخيراً قبضتها المحكمة على المعنى.
وفجأة.. توقف النزف. وضعتُ النقطة الأخيرة في نهاية ثالث فصل اكتبه .
بدأتُ أراجع ما كتبت، وفي كل سطرٍ كنتُ أبتسم؛ فهذا هو النص الذي طالما طاردته في أحلامي ولم أدركه، هذا هو الصوت الذي يشبهني تماماً.
قرأتُ ما كتبت من فصول مرةً، واثنتين، وثلاثاً، والسعادة تملأ صدري حتى كدتُ أطير، ثم عزمتُ على تهذيبها إملائياً وتزيينها بعلامات الترقيم ، استعداداً لنشرها ومواجهة نفسي بها قبل العالم .
ثم خرجت من مذكرتي، لكن هذه المرة بقلبٍ خفيف غير مثقل بالخيبة ، ورحتُ أتصفح “إنستغرام” بعينين تلتمعان ببريق الانتصار الصغير.
فجأة، تسمرت عيناي على منشورٍ يتحدث عن “نهضة العنقاء”.
كانت الصورة المرفقة آسرة؛ طائرٌ بلون مهيب يخرج من وسط اللهيبٍ المستعر، ينفض عن ريشه الرماد ليحلق نحو شمسٍ لا تغيب.
تأملتُ الأسطورة ثن قرأت السطور المكتوبة أسفل الصورة: “العنقاء لا تموت، إنها تختار اللحظة التي تكتمل فيها خيباتها، لتصنع منها عشاً من نار، تحترق فيه تماماً، ثم تخرج من تحت الركام كائناً أكثر بهاءً وحدّة.”
شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي، وكأنَّ الكلمات كُتبت لي خصيصاً في هذه الساعة.
لقد كنتُ طوال الأسبوع الماضي “عنقاء” تحترق ببطء؛ كان كرهي لما أكتب هو النار، وشعوري بالدونية أمام المبدعين هو الرماد، ومحاولتي حذف الرواية كانت لحظة الاحتراق الكبرى.
لكن، تماماً كما ترفض العنقاء أن تنتهي بالعدم، رفض قلبي أن يستسلم.
أدركتُ الآن أن تلك الساعة التي قضيتها أتأمل المسودة بضياع، لم تكن ضياعاً، بل كانت “مخاضاً” صامتاً.
لقد كان عليّ أن أحرق “فيولا القديمة” المترددة، تلك التي تخشى علامات الترقيم وتختبئ خلف أعذار البداية، لأسمح لـ “فيولا الكاتبة” بالخروج من بين الركام.
ابتسمتُ وأنا أنظر إلى التطبيق المذكرة الذي يحوي ما أنجزته؛ لقد كان الأمر كما لو أنها عشي الذي حمل خيبتي و نهضتي.
لم يعد الميدان يخيفني، ولم تعد أوهامي ترهبني، و أدركت أن لكل عنقاء سماء تخصها، ولكل حكاية وقت لتبدأ فيه من جديد.
تذكرتُ قول أمي عن تيسير الله الخفي، فشعرتُ أن لغتي هي تلك النار المقدسة التي ستحميني من الزوال كلما شعرتُ ببهتان الأمل .
التعليقات لهذا الفصل " 10"