0
المقدمة
بالطبع، أنا من بدأ الأمر، هذا صحيح.
من أجل منع هوس أبطال الرواية المجانين، بدأتُ أنا أولاً بإظهار نوع من الهوس نحوهم.
“سيدي الشاب ديغلاس، لمَ تُولي عينيكَ لغيري مرة بعد مرة؟ من الآن فصاعدًا، انظر إليّ وحدي فقط.”
“غابرييل، احفظ هذا جيدًا في ذهنك. أنا سيدتك الوحيدة إلى الأبد. لا تفكر حتى في الالتفات إلى غيري.”
“صاحب السمو الدوق كاليستو، أنت ملكي الآن. ولن أتركك تذهب إلى الأبد.”
أليس هذا… أكثر من مجرد قليل من الهوس؟
على أي حال، ظننتُ أن تضحيتي المؤثرة قد أصلحت هؤلاء الأبطال المهووسين، وأن السلام قد عاد أخيرًا إلى الإمبراطورية…
“آريا، إلى متى ستُعذبينني بهذا الشكل؟”
اليوم أيضًا، كعادته، احتضنني أحدهم من الخلف فجأة.
كان جيفري ديغلاس، المهووس الثاني في الرواية الأصلية، وخطيبي.
“آه!”
ارتعبتُ و تحركت محاولةً إبعاده عني.
لكن كلما زاد كفاحي، زاد تشديد ذراعيه حولي.
“ألم تكوني أنتِ من قالت: لا تنظر إلى غيري، انظر إليّ وحدي؟ ها أنا أفعل ذلك الآن. فلماذا…”
“…”
“لماذا لا تقبلين خطبتي؟ هيا، آريا، أجيبيني.”
شعرتُ بدفء أنفاسه يلامس أذني.
مع كل شهيق، تتسرب رائحة الخشب الثقيلة العميقة إلى صدري.
‘سأجن…’
حاولتُ استعادة رباطة جأشي المتلاشية وفكرتُ:
في الأصل، لم أُظهر لهم هذا الهوس إلا لأصلحهم وأُبعدهم عن طريق الدمار.
والآن وقد تم إصلاحهم، لم تبقَ في قلبي ولو ذرة رغبة في أن أكون مع أي منهم.
“دعني وشأني، أرجوك…”
كبحتُ دموعي ودفعته بعيدًا.
“جيفري، سأسحب كلامي السابق. يمكنك النظر إلى غيري. بل أرجوك افعل. على أي حال، هناك الكثيرات ممن يعشقنك.”
“…ماذا؟”
“ولنفترق. إن أمكن، فليكن اليوم نفسه…”
“الافتراق؟”
في لحظة، برد صوته وأصبح جليديًا.
“ما هذا؟”
أمسك بكتفيّ وأدارني نحوه بسرعة.
وجدتُ نفسي وجهًا لوجه معه.
جال بنظره على وجهي بتمعن، كأنه يريد اختراق كل ما في داخلي.
“آه، فهمتُ الآن. آريا، أنتِ تتعمدين إثارة غيرتي، أليس كذلك؟”
“…ماذا؟”
ثم ألقى هذا الكلام السخيف:
“أنتِ بنفسك قلتِ ذلك. في العام الماضي، يوم طلبتُ منكِ الفسخ…”
“…”
“قلتِ: توقف عن التمثيل، وابدأ بتحضير خاتم الزواج. لا خطيبة لك سواي، فلا تحلم بالفسخ أبدًا.”
“ذلك…”
كان ذلك فقط من أجل منع دمار الإمبراطورية…
لم يكن قلبي فيه ذرة…
لكنه، سواء أدرك مشاعري أم لا، همس بهدوء:
“أليس من العدل أن أرد عليكِ الكلام نفسه الآن؟”
“…”
“آريا، كفي عن التمثيل واختاري خاتم الزواج. أما الباقي فسأتولاه أنا.”
بعد أن أنهى كلامه، رفع زاوية شفتيه راضيًا.
من نظرته، بدا أنه لن يوافق على الفسخ بسهولة.
“يا إلهي…”
الهوس الذي أبديته لإصلاحهم قد عاد إليّ كعقابٍ ثقيل.
والمشكلة أن هذا العقاب لم يكن آخر ما سأواجهه.
“سيدتي، لمَ لم تعودي تُظهرين لي الهوس كما في السابق؟ أشعر بالأسى…”
غابرييل، المهووس الثالث في الرواية الأصلية، والكاهن الأعظم الآن، تمتم متوسلاً.
“ما هذا الهراء…”
لا بد أن عقله قد اختل.
كتمتُ شفتيّ بقوة، ثم انحنيتُ بأدب:
“سيدتي؟ كيف لامرأة وضيعة مثلي أن تكون سيدة الكاهن الأعظم؟ أرجوك، ارجع عن هذا النداء.”
“هم؟ لكنكِ أنتِ من قالت ذلك. أنت سيدتي الوحيدة إلى الأبد. هل نسيتِ بالفعل؟”
‘آه… يا للمصيبة…’
عقابي السابق يعود ليطارد قدميّ مرة أخرى.
والأدهى أنه حتى بعد أن صار في منصب أعلى بكثير مني، إلا أنه يزال يناديني سيدتي.
كدتُ أفقد عقلي تمامًا.
“صاحب النيافة، أرجو أن تنسى تلك الوقاحة السابقة. كوني سيدة أو غير ذلك، كان ذلك مجرد تصرف طفولي مني. والآن أنا نادمة جدًا.”
“هكذا…”
لكنه أطرق حاجبيه وتظاهر بالحزن المؤثر:
“كلما رسمتِ حدودًا بيننا، ازداد حزني. لقد اجتهدتُ وصرتُ الكاهن الأعظم من أجلكِ فقط…”
‘أنا لم أطلب منك ذلك أبدًا!’
نظرتُ إليه بعينين تلمعان باللعنة، لكنه لم ينتبه.
فجأة، ركع على ركبة واحدة، وقبّل ظهر يدي.
قُبلة خفيفة.
لامست شفتاه الناعمتان ظهر يدي بلطف ثم انفصلا عنها.
نظرتُ إلى غابرييل بعينين مفتوحتين على وسعهما من الذهول.
“سيدتي، أرجوكِ، عودي إلى السابق وقيّديني كما كنتِ تفعلين.”
“صاحب النيافة… ما الذي تقوله…؟”
“إن كان ذلك يُزعجكِ…”
رفع غابرييل رأسه ببطء، ثم ضيّق عينيه مبتسمًا ببراءة مصطنعة.
“فهل ينبغي أن أكون أنا من يأمركِ؟”
“…ماذا؟”
“حينئذٍ لن تستطيعي رفض أوامري، أليس كذلك؟”
كان النبرة لطيفة، لكن المضمون لم يكن لطيفًا على الإطلاق.
‘هلكتُ…’
شعرتُ أن شيئًا ما قد فسد تمامًا.
وفوق ذلك، كأن المصائب تتوالى؛ فقد اكتشف دوق الشمال ‘المهووس الأول’ حقيقة هويتي.
“أخيرًا وجدتكِ.”
في لحظة، اقترب تريستان مني وأحاطني بذراعيه بقوة.
كانت عناقه شديدًا إلى درجة أنني كدت أفقد النفس.
لم أقاوم ولو بحركة واحدة من شدة ذهولي.
“فتشتُ القارة كلها بحثًا عنكِ، كمن يفتش عن إبرة في كومة قش. وها أنتِ… كنتِ قريبة إلى هذا الحد…”
“أ- أنا… ما الذي تقصده…؟”
“لا تتظاهري بالجهل. جئتُ وقد علمتُ كل شيء.”
‘…يا إلهي…’
ابيضّ ذهني تمامًا.
لا تهم طريقة تعرفه علي الآن، المهم أن حياتي باتت في خطر.
‘بما أن كل شيء ظهر و بان، فمن الواضح أن تريستان سيحاول قتلي.’
لكنه، وعلى غير المتوقع، دفن وجهه في عنقي واستنشق بعمق.
‘ما… ما هذا…؟’
شعرتُ بقشعريرة، كأن وحشًا يشم رائحة فريسته.
وبعد لحظات طويلة، نطق بكلام لم أكن أتوقعه:
“هااا… آريادن… الآن وقد التقينا ثانية، لن أدعكِ تذهبين أبدًا.”
“…ماذا؟ ما الذي…”
“لا، بل يجب أن أناديك: يا حبيبتي، أليس كذلك؟ هكذا طلبتِ مني.”
كرر كلماتي التي نطقتُ بها قبل عامين، ثم ضحك تريستان ضحكة خفيضة.
‘…يا للكارثة…’
شعرتُ وكأن كل دماء جسدي قد تجمدت.
‘الفرار. الفرار هو الحل الوحيد.’
يبدو أن الطريقة الوحيدة للهروب من عقابي هي الفرار إلى المنفى.
ففي الفجر، حين كان الجميع نائمين، هربتُ من القصر على عجل.
كنتُ أنوي الذهاب إلى مكان بعيد جدًا عن الإمبراطورية.
لكن…
“آريا، إلى أين؟”
كيف عرف؟ جاء صاحب برج السحر بحثا عني.
‘لمَ جاء في هذا الوقت؟’
تساءلتُ في نفسي بدهشة، ثم أجبتُ بصراحة:
“سأفرّ إلى المنفى. فلا تبحث عني.”
“منفى؟ لماذا؟”
“ولمَ لا؟ بسبب أولئك المجانين بالطبع.”
كان مارسيلين شريكي التجاري الذي يعرف سري كاملاً.
لذا كان يكفي هذا القدر من الكلام ليفهم وضعي تمامًا.
وكما توقعتُ، أومأ برأسه كأنه فهم.
ثم اقترب مني مبتسمًا ابتسامة عريضة، وانتزع حقيبتي بسلاسة.
“آريا، لا تفعلي ذلك…”
ثم اقترح عليّ بهدوء:
“ماذا لو قتلتهم جميعًا نيابةً عنكِ؟”
“…ماذا؟”
“سأمنعهم من لمس جسدكِ بأي حال. انطقي بالكلمة فحسب.”
“ماذا… ما الذي تقوله…؟”
ما هذا؟ لمَ يتصرف فجأة هكذا؟
تراجعتُ خطوة إلى الوراء في ارتباك، ثم رفعتُ عينيّ إليه بتردد.
…مهما نظرتُ، لم يبدُ وجهه وكأنه يمزح.
“لـ- لمَ فجأة؟ على أي حال، هذا لا يعنيك أنت.”
“…”
“إذا فررتُ، ستنتهي القصة. فلا تقلق.”
“حقًا؟ ولمَ أظن أن الأمر ليس كذلك؟”
بقدر ما تراجعتُ، تقدم إليّ.
حتى أصبحت أنفاسنا تختلط تقريبًا.
“ما… ما هذا؟”
شعرتُ بالتوتر من الجو الغريب، فحاولتُ التراجع مجددًا.
لكن يدًا كبيرة التفت حول خصري فلم أعد قادرة على الحركة.
نظر مارسيلين إليّ من الأعلى وابتسم بلطف.
“آريا، ما الذي يجعلني أتصرف هكذا برأيكِ؟”
“…ماذا؟”
“خمني أنتِ. لمَ أفعل هذا…”
“…”
“ظننتُ أنني كنتُ واضحًا جدًا…”
اتجهتْ عيناه الزرقاوان اللامعتان نحوي مباشرة.
وفيهما انسكبت مشاعر لم يعد ممكنًا إخفاؤها.
‘لمَ… لمَ ألاحظ هذا الآن فقط؟’
بل، هذا أمر ثانوي.
في تلك اللحظة أدركتُ حقيقة أهم:
آه… هذه الحياة أيضًا قد هلكت…
التعليقات لهذا الفصل " 0"