قالَ لوكاس ذلك، ثمّ أمسك بيدي.
لا أدري كم من الوقت وقف في الخارج، لكن أطراف أصابعه كانت باردة.
انسقتُ دون وعي مع لمسة لوكاس، وخرجتُ ماشيةً إلى الشرفة.
“لوكاس، لا ينبغي لي أن أفعل هذا. إنْ انشغلنا باللعب معًا ثمّ رآنا أحدٌ ما…….”
“لن يحدث ذلك. الجوّ مُعتم، ولن يرانا أحد. وقد حان وقتُ انصراف الجميع. وإن كنتِ قلقةً حقًّا، فلنذهب ونلعب في غرفتي.”
أخفيتُ الخاتمَ الفِضّي في جيبي، ثمّ نظرتُ إلى لوكاس.
لسببٍ ما، بدا لي أنّ الهالاتِ السّوداء تحت عينيه ازدادت قُتامةً خلال يومٍ واحد.
‘أمعقول أنّه ما زال لا ينام جيّدًا؟’
لمّا توقّفتُ في مكاني ولم أتحرّك، زمّ لوكاس شفتيه وصنع تعبيرًا متجهّمًا.
“سمعتُ كلّ شيءٍ من كولين. قال إنّكِ استحممتِ في غرفته ثمّ خرجتِ؟ ومع ذلك لا تستطيعين أن تخصّصِي لي ولو قليلًا من الوقت؟”
“ذ، ذلك……! كنتُ مبتلّةً بالماء، ولم يكن بوسعي غير ذلك، أتعرف؟!”
متى سمع هذا الحديث أصلًا؟
فجأةً ذُكر اسمُ كولين، فارتبكتُ وتكلّمتُ بانفعالٍ أكثر ممّا يلزم.
عندها ضاقت عينا لوكاس أكثر.
“هممم.”
“يا، الأمرُ صحيحٌ حقًّا.”
لا أدري لماذا أُبرّر هذا أصلًا……
رفعتُ رأسي وحدّقتُ فيه بغيظ، فحدّق بي هو أيضًا للحظة، ثمّ انفجر ضاحكًا: “فُهاه!”
“حسنًا، فهمتُ. لكن خصّصِي لي وقتًا أنا أيضًا يا روزي. إنْ كنتِ تُلازمين كولين وحده، فسأشعر بالحزن.”
قال لوكاس ذلك بنبرةِ تذمّر، وأسقط جبينه بخفّةٍ على كتفي.
مع أنّه صار أطول منّي بشبرين، فإنّ هيئته وهو يطوي جسده الكبير قسرًا ويتّكئ على كتفي بدت شبيهةً بأيام دار الأيتام.
راح لوكاس يفرك مؤخرةَ عنقي بشَعره الذهبيّ النّاعم، ويتذمّر بصوتٍ مُتعب.
“……لا يأتيني النوم. لكن إن كانت روزي معي، أظنّني سأتمكّن من النوم.”
“أما زال الأمر شديدًا؟ الأرق. كنتَ كذلك منذ الصِّغر.”
“نعم. أحيانًا.”
هيئته وهو يتذمّر متكئًا عليّ بدت كجروٍ ضخم الجسد.
لو كان لوكاس حين كنتُ أحمله في دار الأيتام جروَ ، فهو الآن كجروٍ بالغ.
تنفّستُ زفيرًا طويلًا وأنا أشمّ رائحةَ عطرٍ خفيفةٍ تنبعث منه.
طفلٌ صغيرٌ كهذا يعجّ رأسه بالأفكار فلا ينام ليلًا، فكيف لا يضيق قلبي؟
لم يكن أمامي إلّا الاستسلام.
“……لدقائق فقط. إنْ نِمتَ، سأعود.”
“يييه!”
ما إن وافقتُ على مضضٍ، حتّى هتف لوكاس فرحًا، ثمّ قبّل خدّي فجأةً قائلًا: “تشوك!”
فزعتُ وغطّيتُ خدّي بيدي.
“يا هذا! أيّها الوغد!”
“أحبّك حقًّا يا روزي. روزي هي الأفضل.”
همف. سواءٌ غضبتُ أم لا، بدا لوكاس كأنّه سيؤدّي رقصةَ فرحٍ من شدّة سعادته. ومع صوتهِ الفرحِ، لمعَت ابتسامته تحت ضوء القمر.
حقًّا، إنّه فتى لا يمكن الاطمئنان إليه.
عبرنا الطريق، واجتزنا غرفًا أخرى، ودخلنا غرفةَ لوكاس.
لم تكن غرفةُ لوكاس مختلفةً كثيرًا عن غرفة كولين.
غرفةٌ نظيفةٌ وأنيقة، بسجّادةٍ زرقاء، لا ذرّةَ غبارٍ فيها.
وإن كان ثمّة ما يميّزها، فهو أنّ لوكاس أوقدَ الموقدَ بالحطب رغم أنّنا في أوائل الربيع.
جلسنا أنا ولوكاس على سجّادةٍ سميكة أمام المدفأة.
عندها أسند لوكاس رأسه على فخذي واستلقى.
“لهذا استدعيتَني، أليس كذلك؟ لتجعلني وسادةً بشريّة.”
“انكشف أمري. فعلًا، لا يمكن خداع روزي.”
أغمض لوكاس عينيه بخفّة، وتكلّم وهو يدندن كأنّه في غاية الارتياح.
“في الماضي، حين لم أستطع النوم، كنتِ تفعلين هذا لي.”
“صحيح. أيّ طفلٍ ذاك الذي لا ينام أبدًا.”
“حين كانت روزي تضع رأسي على فخذيها، كنتُ أنام سريعًا.”
ضمّ لوكاس يديه فوق بطنه، وزفر زفرةً عميقةً كالتنهيدة.
نظرتُ إليه، ثمّ مددتُ يدي ومسحتُ شعره النّاعم.
كان لوكاس أصغرَ أطفال دار الأيتام سنًّا.
حين كنتُ في الثامنة، كان هو في الثالثة فقط.
منذ طفولته المبكرة التي لا يذكرها، عاش لوكاس في دار أيتام إقليم هوليس.
على خلافِي، أنا التي تنقّلتُ بين دور الأيتام ثمّ وصلتُ إليه في الثامنة، كانت تلك الدار بالنسبة إليه مسقطَ رأسه وكأنّها وطنه.
طفلٌ تُرك وحيدًا في سنٍّ كان ينبغي أن ينمو فيها بين ذراعي والديه.
دخل لوكاس دار الأيتام مبكّرًا، فلم يكن يحسن الاتّكاء على أحد، وكان مضطربًا.
حينها، كنتُ أنا ودانيال نتناوب على حمله كلّما عجز عن النوم واشتدّ قلقه.
‘ومع ذلك، فالفارق بيننا خمسُ سنواتٍ فقط.’
لعلّنا أردنا أن نكون له حُماةً، مع أنّنا لم نكن أهلًا لحماية أحد.
غرقتُ في ذكرياتي وأنا أحدّق في ألسنة النار المتطايرة في المدفأة.
عندها لمحتُ زجاجاتِ عطرٍ مصطفّةً بكثرةٍ فوق الخزانة.
كان هذا اختلافًا آخر عن غرفة كولين، إذ امتلأت غرفة لوكاس بالعطور.
“لوكاس، ما هذه العطور كلّها؟ هل تستخدمها كلّها؟”
“أم. أنا من صنعها.”
“أنتَ؟”
“نعم.”
فتح لوكاس عينيه ببطءٍ عند سؤالي عن العطر.
رفعت عيناه بلون البحر العميق نظرَهما إليّ بهدوء.
“أتودّين شمَّه؟”
“أنا؟”
“نعم. كنتُ أنوي بيع بعضها باسم هولدن. هذه نماذج تجريبيّة.”
“حقًّا؟ البيع؟ هذا يبدو جادًّا للغاية.”
على ذكر ذلك، هل كان في إعداد شخصيّة لوكاس أنّه يجيد صناعة العطور؟
نهض لوكاس بعينين متّقدتين حماسةً، وجلب زجاجةً من بين الصفّ الطويل.
“سأرشّه لكِ.”
“ليس شيئًا غريبًا، أليس كذلك؟”
“لا. كنتُ أستخدمه أحيانًا حين لا يأتيني النوم.”
صحيح، فثمّة من يرشّ العطر على الفراش قبل النوم.
هل دفعه الأرقُ المزمن إلى الاهتمام بصناعة العطور؟
نظرتُ إليه دون ريبةٍ تُذكر.
كان لوكاس يبدو أكثر حيويّةً تحت ضوء المدفأة الدافئ، وفي الوقت نفسه أضفت الظلالُ على وجهه مسحةَ رجولةٍ لا صِبيانيّة.
‘متى كبر هكذا؟’
وبينما أنظر إليه بفخرٍ خفيف، رشّ لوكاس العطر على معصمه مرّتين، ثمّ مدّ يده نحوي.
وضغطَ بمعصمه برفقٍ على مؤخرة عنقي.
“آه.”
“تحمّلي، حتّى لو كان مُدغدغًا.”
لم يسبق أن ضغط أحدٌ على عنقي بهذا القرب.
لكن قبل أن أشعر بأيّ شيءٍ غريب، انسحبت يدُ لوكاس سريعًا.
وبدأ عبيرُ العطر ينتشر ببطء.
“هل تعرفين ما هذه الرائحة؟”
وسّعتُ عينيّ ونظرتُ إليه.
“همم…….”
لستُ خبيرةً بالعطور.
فقد أمضيتُ عشر سنواتٍ ألهث وراء لقمة العيش، فمتى اشتريتُ عطرًا باهظًا بمالي؟
لكنّ نظرته المترقّبة جعلت من الصعب أن أقول ببساطةٍ إنّي لا أعرف.
شممتُ الرائحة بتركيز.
“همم، تبدو رائحةَ زهور……؟”
“صحيح.”
أغلق لوكاس الغطاء بخفّة، ثمّ ابتسم.
“إنّه عطرُ ورد.”
“هكذا إذن. رائحته جميلة جدًّا.”
هززتُ رأسي وأنا أستنشق العبق مرارًا.
كنتُ أظنّ عطرَ الورد ثقيلًا وفاخرًا دومًا، لكن في نهايته نفحةَ حمضيّاتٍ منعشة.
رائحةٌ لطيفةٌ وغير مُرهِقة.
“لم أُسمّه بعد.”
“حقًّا؟ لكن إن كنتَ ستبيعه، أليس من الأفضل أن تُسميه سريعًا؟”
مع أنّني لا أعرف الكثير عن العطور، فإنّ هذا العطر الذي صنعه لوكاس راق لي حقًّا.
لمّا نظرتُ إليه بوجهٍ أكثر ارتياحًا، ابتسم هو أيضًا ابتسامةً هادئة.
“سأُسمّيه لاحقًا.”
“هل لديكَ اسمٌ في بالك؟”
“أم…….”
فكّر لوكاس قليلًا، ثمّ حدّق بي.
وبسبب ضوء المدفأة الدافئ، تلألأت عيناه بلون الكهرمان.
“سأخبركِ لاحقًا.”
ثمّ ابتسم ابتسامةً عريضةً وهو يضيّق عينيه.
* * *
‘وفي النهاية، أخذتُ زجاجةً واحدة.’
في طريق العودة إلى السكن.
أخرجتُ بزجاجةٍ صغيرةٍ من جيب ملابس النوم، بوجهٍ مُحرّج.
كان لوكاس قد أعطاني إيّاها قبل أن نخرج من غرفته، قائلًا إنّها عيّنةٌ من العطر الذي شممته.
في الزجاجة الورديّة الصغيرة، التي لا يتجاوز طولها عرضَ إصبعين، كان العطر يتمايل.
أصررتُ على الرفض، لكنه دسّها في يدي قائلًا إنّها ثمنُ لعبي معه.
وماذا قال حينها؟
“……قال إنّ اسم العطر سيكون باسم الشخص الذي يُحبّه؟”
لوكاس بلغ الثامنة عشرة وأصبح بالغًا رسميًّا، لذا لعلّه يخطّط لبيع عطرٍ باسم فتاةٍ يُحبّها.
“يا له من فتى، ليس سيّئًا.”
مسحتُ أنفي بخفّة، ثمّ عدتُ إلى سكن الخادمات.
حين دخلتُ، كان الفجر المتأخّر قد حلّ.
“كما توقّعت، كلّ الأنوار مطفأة.”
لم يكن في المطبخ المشترك ولا في أيّ غرفةٍ أخرى ضوءٌ متسرّب.
لا بدّ أنّ المشرفة التي أرسلتني في المهمّة قد نامت قبل ذلك.
‘تُرسلني بدلاً عنها ثمّ تنام أتظنُ نفسها سيدتيَ؟.’
وضعتُ الخاتمَ الفِضّي على طاولة المطبخ، وتوجّهتُ إلى غرفتي، وأنا أعبث بزجاجة العطر في جيبي.
تذكّرتُ يوم بلغتُ سنّ الرشد في بيت لينّ.
كان العمّ هانس وزوجته قد أحضرا لي وللينّ هدايا.
أكان ذلك قبل خمس سنوات؟
حين فتحتُ الغلاف، ظهر عطرٌ كان يُباع على الهامش في متجر ملابس بمدينةٍ صغيرةٍ قرب دانتن.
قال العمّ إنّه عند البلوغ ينبغي أن تُهدى الورودُ والعطور.
لكنّي، وقد كنتُ أعمل نادلةً وأتقاضى راتبًا، قفزتُ غضبًا حين تلقّيتُ الهدية.
“لا، العطر ليس رخيصًا! لماذا تشترونه؟ أصلًا لن أستعمله! وليس هناك من أُريد أن أتزيّن له!”
ثمّ خرجتُ غاضبةً إلى المدينة، وأعدتُ العطر، واشتريتُ بثمنه لحمَ بقر.
مضحكٌ، لكنّي ظننتُ أنّ لينّ وعائلتها سيفرحون حقًّا باللحم.
مهما ازدهر مطعمهم، كان شراءُ اللحم أمرًا نادرًا.
لكنّ السيّدة ميريلين نظرت إليّ بوجهٍ مظلم، ولينّ تشدّقت وهي تنظر إليّ.
كان تعبيرُها يقول إنّها رفعت يدَيها وقدميها استسلامًا لعنادي.
حين أفكّر بالأمر الآن، أشعر بالحرج.
‘العمّ…… العمّ هانس، أيّ تعبيرٍ كان على وجهه؟’
غالبًا لم يكن جيّدًا. فقد كان يعاني مرضًا مزمنًا، ومع ذلك خرج بنفسه ليشتريه.
حين تذكّرتُ ذلك، هبط قلبي إلى القاع.
نسيتُ أنّ باب غرفتي مفتوح، ودخلتُ مكتئبةً، ثمّ ارتميتُ على السرير.
أخرجتُ زجاجةَ العطر التي كنتُ أعبث بها.
تلألأت الزجاجة الورديّة تحت ضوء القمر كالجوهرة.
“……هذا شيءٌ لا ينبغي أن أفعله أبدًا.”
إنّه أوّل عملٍ يصنعه لوكاس وقد أهداه لي.
تذكّرتُ الصبيَّ الأشقر ذا الأنف السائل في دار الأيتام، فابتسمتُ بخفّة.
“كبرتَ فعلًا، كبرتَ.”
تأمّلتُ العطر طويلًا، ثمّ تسلّلتُ تحت الغطاء. وربطتُ معصمي بالحبل المتّصل بعمود السرير، وغرقتُ في نومٍ عميق.
* * *
في صباح اليوم التالي، كانت المهمّة الجديدة تنظيفَ الغرف الفارغة في الطابق الثالث.
إذ مع اقتراب الصيف وموسم المناسبات، سيزور النبلاء القصر كثيرًا، ويجب أن نوفّر لهم غرفًا نظيفة.
نعم، حسنًا. تنظيفُ الغرف جيّد. لكن لماذا……
‘أهذه المرّة أيضًا وحدي؟!’
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"