2
دانيال لياندرو، الثريّ الجديد الذي يحظى بمحبّة الملك.
كان مالك قافلة التجارة الضخمة “هولدن”، وهو كذلك البطلَ الذكريّ الرئيسيّ في رواية حريمٍ عكسيّ.
رواية الحريمُ العكسيّ المصنّفة (15+) “القدّيسة التي تُسيء الفهم” هي روايةٌ تتناول أحداثًا مُبهِجة تدور حول بطلٍ ذكريّ نشأ في ميتم، ويتزوّج زواجَ مصلحةٍ من أقدس قدّيسةٍ في المملكة.
الأبطال الذكور الثلاثة جميعهم من الميتم نفسه، وقد تقاسموا العيش فيه منذ الصغر، وبنوا صداقةً متينةً بينهم، ثم بعد أن بلغوا وصاروا أثرياء جدُدًا، ظلّوا يقيمون في القصر نفسه وفق الإعداد القصصيّ.
أمّا البطلة ديبورا، فبسبب ضغط الملك الذي كان يريد مراقبة المعبد، تُدفَع إلى الزواج من دانيال، لكنّ دانيال يستاء من زواج التعاقدي ويُسيء معاملتها.
إذ يقول لها إنّ الزواج فُرِض عليه، فلا تحلم بأن تُعامَل معاملة زوجة!
وبينما يتراكم سوءُ الفهم بين ديبورا ودانيال، يقترب منها الأبطال الذكور الآخرون……
وهكذا تنتهي ديبورا ببناء سوء فهمٍ وحبٍّ وشيءٍ عاصفٍ مع الرجال الثلاثة.
“وكنتُ، بصراحة، أحسد ديبورا قليلًا على وضعها.”
رغم أنّه ميلٌ مُحرِج، فإنّ العيش في قصرٍ كبير مع ثلاثة رجال، والتقارب معهم، رغم كونها امرأةً متزوّجة، هو أقصى ما يمكن أن يقدّمه عمل مصنف على (15+) من شروطٍ مثاليّة.
لكنّني لم أتجسد بجسد الشخصية ديبورا التي يُفترض أن تُحسَد.
الشخصية التي تجسدتُ بها لم تكن سوى “إضافي 1″، فتاةٍ ثانويّة كانت في الميتم نفسه مع الأبطال الذكور.
* * *
روزيتا جينسن كانت شخصيةً هامشيّة ذات شعرٍ أحمر فاقعٍ ريفيّ الطابع، وباستثناء كون شكل وجهها نحيلًا قليلًا، لم يكن في مظهرها ما يلفت النظر كثيرًا.
صحيحٌ أنّ عينيها بلونٍ بنفسجيّ داكنٍ يشبه اللافندر كانتا نقطةً إيجابيّة، لكن لا خلاف على أنّ مظهرها عاديّ.
فهي ليست ممثّلةً مساعدة، بل مجرّد إضافية، فكيف يكون لها مظهرٌ استثنائيّ؟
روزيتا، لا، أنا، دخلتُ الميتم الذي يضمّ الأبطال الذكور عندما كنتُ في الثامنة من عمري.
“……دانيال، لوكاس، كولين؟ أسماءٌ سمعتُها كثيرًا من قبل؟”
اتّضح أنّ ذلك الميتم هو نفسه الذي قضى فيه الأبطال الثلاثة طفولتهم في العمل الأصليّ.
ومع ذلك، لم أندم على التقرّب منهم.
فلولا لقائي بهم، لما استطعتُ أن أعيش طفولتي التعيسة بشيءٍ من البهجة.
طبعًا، في النهاية هربتُ وحدي، فما جدوى كلّ ذلك أصلًا.
* * *
“بحثتُ عنكِ عشر سنوات. وبدأتُ بتوظيف أشخاصٍ للبحث بجدّ منذ ثلاث سنوات. لكن لم أتخيّل أبدًا أنّكِ تختبئين وتعيشين في مكانٍ كهذا.”
تمتم دانيال بصوتٍ منخفض.
في عينيه السوداوين لمعت نبرةٌ غريبة.
كانت، بلا شكّ، جنونًا!
وقفتُ أمامه مرتجفةً لأمنعه.
“أ-اختبئ؟ هل أنا مجرمة؟ لم أفعل شيئًا كهذا!”
“العيش في قريةٍ جبليّةٍ بائسة كهذه هو اختباء، أليس كذلك؟ وعلى أيّ حال، أُنفِق مالٌ لا يُستهان به للعثور عليكِ وحدكِ.”
راحت عينا دانيال تجولان عليّ ببطء.
“سمعتُ أنّكِ في أيّام الميتم كنتِ تقولين إنّكِ تذهبين إلى العاصمة وتعيشين برخاء، لذلك بحثتُ في المدينة أوّلًا. لم أتوقّع أنّكِ تعيشين في قريةٍ كهذه.”
“……”
“كان الأمر مُريبًا فعلًا. قبل احتراق الميتم بأيام، بدوتِ غريبةً قليلًا. فجأةً تتحدّثين عن العيش في المدينة أو الهجرة إلى الدوقيّة. وفي النهاية، كنتِ تعيشين في قريةٍ قريبة من الميتم. بل في دانتين تحديدًا.”
“……”
“كأنّكِ تعمّدتِ ألّا أجدكِ.”
نظرتُ إلى دانيال بوجهٍ متوتّر، لكن لم يكن عليّ أن أُظهِر ارتباكي.
فلو فعلتُ، لكان ذلك اعترافًا ضمنيًّا.
“أ-أتعني أنّني قلتُ ذلك عن قصد؟ كأنّني كنتُ أعلم أنّ الميتم سيحترق؟”
“لم أقل ذلك إلى هذا الحدّ. لكنّ كلامكِ يبدو مقنعًا.”
ارتسمت على شفتي دانيال ابتسامةٌ ملتوية.
كنتُ أظنّه ذكيّ الحدس منذ الصغر، لكن لم أتوقّع أن يكون إلى هذا الحدّ.
وبالفعل، صحيحٌ أنّني استخدمتُ حِيَلًا سخيفةً كي لا يجدني دانيال وبقيّة الأبطال الذكور.
كنتُ فقط أحتياطية.
ماذا لو وجدوني؟
ماذا لو وجدني أولئك الذين يُفترض أن يعيشوا مع القدّيسة وفق العمل الأصليّ؟
وبينما كنتُ غارقةً في أفكاري بوجهٍ قاتم، قال دانيال بنبرةٍ أخفّ قليلًا.
“على أيّ حال، لا يهمّ الآن. فقد وجدتكِ في النهاية.”
“نـ-نعم! صحيح! تشرفتُ بلقائك يا صديقي بعد عشر سنوات! هاها!”
مددتُ يدي متصنّعةً الفرح، لكنّ دانيال نظر إليّ مجدّدًا بنظرةٍ باردة.
آه، أعرف هذه النظرة.
إنّها نظرة “تهربين دون كلمة، ثم تتصرّفين وكأنّنا مقرّبون”.
رفض دانيال مصافحتي بفظاظة، ثم أخرج شيئًا من صدره.
تلقّيتُ الورقة التي ناولني إيّاها بوجهٍ مرتبك.
“سمعتُ أنّكِ استدنتِ من أهل القرية. ثلاثة ملايين بيلينغ، أليس كذلك؟”
“ماذا؟ كـ-كيف عرفتَ ذلك……؟”
“جرأتكِ كبيرة. أن تستديني مبلغًا يحتاج إلى ثلاثين سنةٍ من العمل لسداده، وتعتمدين على نُزلٍ واحد؟ أليس هذا رهانًا كبيرًا؟”
مرّت قشعريرةٌ باردة في عمودي الفقريّ.
زميل الميتم الذي ظهر فجأة، وهو ثريٌّ بشكلٍ مخيف، يتحدّث عن دَيني بنبرةٍ مُقلقة.
وكما هو متوقّع……
“اشتريتُ الدَّين كلّه.”
“ماذا؟ ولماذا؟!”
“لأنّه سيكون مزعجًا إن هربتِ مرّةً أخرى.”
قال دانيال ذلك وكأنّه أمرٌ بديهيّ.
وكأنّ هروبي من عدمه شأنُك أنتَ أيّها البطل الرئيسيّ!
تعلّقتُ بطرف ثيابه بلهفة.
وعندما تشبّثتُ بستره المُرقّعة، بدا عليه الاشمئزاز.
“أ-أنا لا أعترف بهذا! أعد دَيني فورًا إلى أصحابه الأصليّين! لماذا أسدّد دَينًا لك؟!”
“اتركي هذا.”
نظر إليّ دانيال بوجهٍ مذهول، ثم أمسك بياقة ثوبي من الخلف وأبعدني.
لم أستطع تقبّل الأمر.
بذلتُ كلّ جهدي كي لا أرتبط بالأبطال الذكور، وكي أحافظ على مجرى العمل الأصليّ، فلماذا، بعد عشر سنوات، يجدونني؟
“كنتُ فقط أريد أن أبني نُزلًا وأعيش برخاء……”
“ما الذي يحدث؟!”
فُتِح الباب بعنف!
انفتح باب المطعم فجأة، واندفعَت لين و العام جاكسون إلى الداخل، وقد سمعا صراخي على ما يبدو.
وأنا مُمسَكة من قِبل دانيال، صرختُ بهلعٍ وأنا أنظر إليهما.
“لـ-لين! أنقذيني!”
“……ماذا؟”
سألت لين، وهي تندفع حاملةً سكّين الخبز.
* * *
“……إذًا، تقول إنّك اشتريتَ دَين روز بالكامل؟ وأنّكما تعرفان بعضكما؟”
بعد خروج جميع الزبائن، جلسنا أنا ودانيال على الكراسي، نواجه لين والعمّ هانس وزوجته.
أجاب دانيال سؤال العمّ هانس بإخلاص.
“نعم، هذا صحيح. أنا وروزيتا نعرف بعضنا منذ الصغر. كنّا في الميتم نفسه. ميتم مقاطعة هوليس، لعلّكم تعرفونه.”
“طبعًا نعرفهُ.”
كان دانيال يبدو طبيعيًّا جدًّا ما دام صامتًا.
بل إنّه، على عكس ماضيه التعيس، بدا بعد أن صار ثريًّا رجلًا وسيمًا أنيقًا يلفت النظر.
في الواقع، بدت العمّة ميريلين مستعدّةً لتصديق أيّ شيءٍ يقوله، حتّى دون أن يُفصِح كثيرًا.
لوّحتُ بيدي على عجل.
“لا! لا نعرف بعضنا! لا أعرفه إطلاقًا!”
“أعرف لونها المفضّل، وزهرتها المفضّلة، وأنّ على كتفها ثلاث شاماتٍ على شكل مثلّث. هوايتها إلقاء فتات الخبز للحمام في الحديقة. وكلّ ما يتعلّق بالعمل اليدويّ فاشلةٌ فيه. الطبخ، الخَبز، التطريز، كلّها سيّئةٌ بشكلٍ فظيع. هل أتابع؟”
وعندما راح دانيال يسرد معلوماتي بسلاسة، فتح العمّ هانس فمه بدهشة.
“يـ-يعرف روزي معرفةً دقيقة!”
“عمّي!”
يا لهذا الورطة. إن استمرّ الأمر هكذا، فسيُفتَن العمّ هانس أيضًا.
تابع دانيال بسرعة.
“وأعلم كذلك أنّ روزيتا مدينةٌ لكم أيضًا. خمس مئة ألف بيلينغ، أليس كذلك؟”
“واو، يا لها من شبكة معلومات……”
فركتُ ذراعيّ اللذين امتلآ بالقشعريرة.
نظر دانيال إلى الزوجين دون أن يغيّر تعبيره، وقال.
“سأسدّد هذا الدَّين أيضًا.”
“لماذا أنتَ أصلًا؟!”
“صحيح، لماذا تسدّد دَين روزيتا؟”
سألت لين، التي كانت صامتةً حتّى الآن.
نظرتُ إليها وكأنّها المُخلّصة، لكنّ دانيال ابتسم ابتسامةً هادئة وقال.
“أنا صديق روزيتا. صحيح أنّها علاقة تعود إلى عشر سنواتٍ مضت، وأنّها اختفت فجأةً وأتعبتني أنا وغيري، لكن……”
توتّرتُ.
“مع ذلك، ما زلتُ أعدّها صديقة. فقد عشنا معًا أكثر من خمس سنواتٍ في الميتم. لن أسدّد دَينها مجّانًا، لكنّني لا أنوي أخذ فوائد. وسأنتظر حتّى تسدّد الدَّين كاملًا، مهما طال الأمر.”
“يا لكَ من شخصٍ طيّب.”
قال العمّ هانس ذلك دون تفكير عندما سمع أنّه لن يأخذ فوائد، لكنّه سكت فورًا عندما رمقتهُ بنظرةٍ حادّة.
غير أنّ لين ظلّت تنظر إلى دانيال دون أيّ اضطراب.
“لا بدّ أنّ هناك شرطًا. فحتّى بين الأصدقاء، لا يمكن لأحدٍ أن يتنازل عن فوائد ثلاثة ملايين بيلينغ دون أيّ مقابل.”
ثم تمتمت بصوتٍ منخفض.
“ما أهمهُ ليس المالُ فلديهِ مالٌ يكفي لتعفنِ سابقهِ.”
“……”
في تلك اللحظة، بدا وكأنّ جوًّا غريبًا قد ساد بين لين ودانيال، كأنّ ماءً باردًا سُكِب فجأة.
صمت دانيال قليلًا، ثم شبك يديه فوق الطاولة وقال.
“أريد أن آخذ روزيتا إلى قصرنا.”
“……!”
“هناك شخصٌ في القصر يريد رؤيتها. ظلّ يبحث عنها عشر سنوات، منذ أيّام التي كنا نتشرّدُ فيها في الشوارع بلا فلسٍ واحد.”
“……”
“أريدها إلى جانبي. هذا كلّ شيء.”
كان الأمر غريبًا. في تلك اللحظة فقط، بدا وجه دانيال الصارم وكأنّه انهار قليلًا.
……هل بسبب قوله “أريدها إلى جانبي”؟
أم لأنّه قال إنّه ظلّ يبحث عنّي منذ أن احترق الميتم ولم يعد يملك شيئًا؟
وبينما كنتُ أحدّق في وجهه شاردةً، تنفّست لين بعمق وقالت.
“افعل ما تشاء، إذًا.”
“……لين؟”
لا، هذا شيء وذاك شيء آخر. حتّى لو بدا دانيال مثيرًا للشفقة، أنا لا أريد الذهاب معه!
لكنّ لين، بنبرةٍ جافّة، دفعتني من ظهري قائلةً.
“في الواقع، هذا أفضل لنا. المال الذي أقرضناه لروزيتا كان من مدّخرات تقاعد والديّ، واسترجاعه بسرعة يُريحني. أصلًا، كنتُ ضدّ إقراض المال من البداية. حتّى العائلة لا تُقرَض مالًا.”
“لـ-لين! يا لهذه الابنة البارّة القاسية لكن الطيّبة…….”
حين يكون الكلام كلّه منطقيًّا إلى هذا الحدّ، يصبح الإصرار محرجًا.
كان العمّ هانس وزوجته قلقين، لكنّهما في النهاية لم يستطيعا مخالفة رأي ابنتهما الوحيدة.
وهكذا سدّد دانيال ديون لين وعائلتها أيضًا.
وبذلك، انتقلت جميع ديوني بالكامل إلى اسم دانيال.
وفوق ذلك، سيأخذني إلى القصر……
شعرتُ وكأنّ الظلام يخيّم أمام عينيّ.
“أنتِ أصلًا أنفقتِ المال كلّه على بناء النُزل، فلن تستعيديه، أليس كذلك؟ سنراقب نحن البناء كي لا يكون العمل رديئًا. اذهبي دون قلق.”
قالت لين ذلك لتحسم الأمر، وهي تنظر إليّ وأنا أحاول بأيّ طريقةٍ الهرب.
التعليقات لهذا الفصل " 2"