في وقت الإفطار، وقبل أن أخرج إلى العمل، نظرتُ بوجهٍ مذهول إلى جاريتَي الخادمات الكبيرتَين.
لم أكتشف إلّا في الصباح أنّ ميريام، التي دفعتني وأسقطتني بالأمس، وأنجيلا، التي أمرتني بالعثور على الخاتم الفِضّي، كانتا من الشِّلّة نفسها.
نظرتُ إليهما بالتناوب وسألتُ:
“أتأمراني بأن أنظّف وحدي جميع غرف الطابق الثالث؟”
“ولِمَ لا؟ إن نظّفتِ حتّى الليل فستُنهين كلّ شيء. لا تقولي إنّكِ عاجزة، أليس كذلك؟ أنتِ مجرّد مبتدئة، ومع ذلك حصلتِ على غرفةٍ فرديّة بسهولة، أليس عليكِ أن تُظهري بعض الكفاءة؟”
قالت ميريام ذلك وهي تتقدّم وتثرثر بنبرةٍ مستفزّة.
لا، مهما كان الأمر، أليس في ذلك مبالغة؟
إنّه طابقٌ كامل من قصرٍ كبير، وتنظيفه وحدي كثيرٌ عليّ.
يبدو أنّ ميريام رأت بالأمس كيف حظيتُ برضا السيّدة روزا، فتصرفت بهذه الحيلة.
رمقتُ أنجيلا بنظرةٍ حادّة.
كانت تقف خلف ميريام، فلمّا أحسّت بنظري، أدارت رأسها بسرعة.
‘بحثتُ عن الخاتم حتّى منتصف الليل، ثمّ هكذا تُجازينني؟ ألا تستطيعين مساعدتي قليلًا؟!’
كنتُ آمل أن تتذكّر أنجيلا أنّني وجدتُ الخاتم ليلة أمس، فتمنع ميريام، لكن يبدو أنّ الاثنتين صارتا على قلبٍ واحدٍ بعد طول معاشرة.
بل بدا وكأنّ أنجيلا، رغم كونها خادمةً مثلها، تراقب ميريام بحذر.
‘يبدو أنّ هذه المدعوّة ميريام هي الأعلى مرتبةً بينهنّ.’
ضيّقتُ عينيّ وأنا أنظر إليهما.
ومن ذا الذي يعيش في العمل بلا أصدقاء ولا يشعر بالظلم؟ لا أستطيع حتّى أن أشتكي لأحد!
لكنّ الاحتفاظ بالغضب لن يجعل أحدًا يظهر فجأةً وينظّف الطابق الثالث عنّي.
اللعنة، البدء مبكّرًا بالتنظيف أفضل بمئة مرّة.
تنفّستُ زفرةً عميقة، وحملتُ أدوات التنظيف، وصعدتُ إلى الطابق الثالث.
كانت السيّدة روزا، على الأقلّ، لطيفةً معي، فلن تجعلني أنظّف حتّى الليل كما قالت ميريام…… وكان هذا عزائي الوحيد.
بدا الطابق الثالث هادئًا للغاية، لقلّة من يستخدمه.
وباستثناء وجود حمّامٍ كبير، لم يكن مختلفًا كثيرًا عن الطابق الثاني.
“حسنًا، سأنظّف وأنا أغنّي بأعلى صوتي. أنا، على خلاف البعض، أُجيد العمل وحدي.”
فالأصل أنّ الأغاني تُسهّل العمل، وتجعل الوقت يمرّ دون شعور.
قبل البدء بتنظيف الغرف الفارغة، توجّهتُ إلى الحمّام الكبير في زاوية الطابق الثالث.
هو حمّامٌ بالاسم فقط، إذ يحتوي على صالةٍ واسعةٍ كغيره من الغرف، يتوسّطها حوض استحمام.
شمّرتُ عن ساعدَيّ، وفتحتُ جميع النوافذ، وبدأتُ أنفض غبار إطاراتها.
“كحّ، كم من الغبار تراكم هنا؟”
أيهملون التنظيف إلى هذا الحدّ؟ أأفضحهم جميعًا؟
وبينما كنتُ أُهدّئ الغبار المتصاعد في الهواء، أخذتُ أدندن.
على الأقلّ، من حسن الحظّ أنّ عمل التنظيف يناسبني قليلًا……
وكنتُ وحدي أنفض الغبار وأمسح الإطارات وأنا أدندن.
“هيه، بقي القليل هنا…….”
صعدتُ على كرسيٍّ صغير، ووقفتُ على أطراف أصابعي لأصل إلى الإطار، لكنّ التعب بدأ يتسلّل.
مددتُ ذراعي القصيرتين إلى أقصاهما، وحاولتُ الوصول إلى زاوية الإطار.
لكن بفارقٍ ضئيلٍ جدًّا، لم أصل.
هل أنزل وأُعيد ضبط موضع الكرسي؟ آه، هذا مُتعب.
وبكسلٍ غير مبرّر، مددتُ ذراعي حتّى كاد يصيبني الشدّ.
“هاه؟ آه؟!”
دَررررر―.
بسبب الثقل على أطراف قدمي، بدأ الكرسيّ الصغير يهتزّ بجنون.
لو رآني أحدٌ من بعيد، لظنّ أنّني أرتجف بساقَيّ على نحوٍ مضحك!
أكان أحدُ أقدام الكرسيّ أقصر من الأخرى؟
لكن في هذه اللحظة، لم يكن لهذا التفكير أيّ فائدة، إذ انقلب الكرسيّ إلى الخلف، وانزلقت قدماي.
“آه، آآه!”
وقبل أن يسقط جسدي على الأرض مباشرةً.
دوم!
دوّى صوت سقوط الكرسيّ.
لكنّني لم أرتطم بالأرض، لأنّ أحدهم أمسك بخصري بإحكام.
“هاه……!”
وسّعتُ عينيّ، وأدرتُ رأسي نحو من أمسك بي.
كان دانيال هناك، بوجهٍ عابس.
تدلّت قطرات الماء من شعره، وكان يرتدي رداءَ استحمامٍ أبيض.
كما أنّ حرارةً دافئةً انتقلت من ذراعه التي تحيط بخصري.
“د-دانيال……؟”
من شدّة دهشتي، فتحتُ فمي، ثمّ أسرعتُ أتشبّث بكتفيه.
“هاه، شكرًا! لولاك، لكنتُ سقطتُ على وجهي!”
لو لم يكن موجودًا، لسقطتُ لا محالة، وأصبتُ ركبتي أو ذراعي.
أنقذني دانيال، الذي بدا كمن خرج لتوّه من الحمّام، حين أمسك بخصري.
حين تشبّثتُ به مبتسمةً بتكلّف، أبدى اشمئزازًا، ثمّ تمتم بوجهٍ متجهّم.
“كنتُ أتساءل أيُّ مُختلٍ هذا الذي يُغنّي أغاني غريبة.”
“ماذا؟ مُختلٍ؟ ألم تُخطئ السمع؟ لا يمكن أن أكون مـُختل. لا بدّ أنّك سمعتَ خطأً.”
“كفى كلامًا، وانزلي.”
تذمّر دانيال قائلًا إنّي ثقيلة، ثمّ أبعدني عنه كما لو كنتُ سمكةَ قرشٍ تلتصق بلوح.
“شكرًا على المساعدة، لكن أما كان يمكنك إنزالي بلطفٍ أكثر؟ ألن يضيرك ذلك……؟”
حين تذمّرتُ، أطلق دانيال شخيرَ سخريةٍ واضحًا.
لكنّه، خلافًا للسخرية، أنزلني برفقٍ إلى الأرض، وهو ما زال يمسك خصري.
ثمّ شدّ أطراف رداءه وقال:
“في المرّة القادمة، أحضري كرسيًّا أكبر. حتّى لو كان الارتفاع بسيطًا، فإنّ السقوط الخاطئ قد يكسر عظمًا.”
“نعم، نعم، سأفعل.”
أجبتُ وأنا أومئ برأسي بلا اكتراث، رغم أنّ وجهه ظلّ غير راضٍ.
“كنتَ تستحمّ، أليس كذلك؟ أزعجتُك. سأنتهي بسرعة وأخرج.”
“لا تهتمّي.”
قال دانيال ذلك، وهو يُجفّف شعره المبتلّ بالمنشفة.
ومع كلّ حركةٍ من ذراعيه، كان رداء الاستحمام ينفتح قليلًا، كاشفًا عن بشرته……
‘هل لأنّه صديق الطفولة؟ لا أشعر بأيّ شيء…….’
مهما صار وسيمًا وطويل القامة، كان دانيال أكثر من تشاجرتُ معه في دار الأيتام.
كنّا نتعارك على أتفه الأمور، فحتى لو كبر فجأةً، فمن غير المعقول أن يحمرّ وجهي لرؤية بشرته.
مدحتُ قلبي سرًّا لأنّه لم يخفق لبطل الرواية الرئيسي.
سواءً اهتممتُ أم لا، توقّف دانيال عن تجفيف شعره، ونظر إليّ مضيّقًا عينيه.
“لماذا تنظرين هكذا؟”
التقطتُ منفضة الغبار التي سقطتُها، ونظرتُ إليه.
شمّ دانيال بأنفه، ثمّ اقترب منّي.
وفجأةً، أخذ يشمّ رائحةَ رأسي.
“مـ-ماذا تفعل؟!”
صرختُ بفزعٍ، وتراجعتُ خطوةً.
سألني دانيال بوجهٍ غريب:
“……أأنتِ تضعين عطرًا؟”
فزعتُ وغطّيتُ مؤخرة عنقي، أي الموضع الذي رششتُ عليه العطر هذا الصباح.
‘بما أنّه هديّة، أليس من الأفضل أن أستعمله……؟’
تذكّرتُ أنّني رششتُ عطر لوكاس قبل القدوم إلى القصر.
ذلك العطر ذو الرائحة الزاهية ونفحة الحمضيّات الخفيفة التي أحببتُها كثيرًا.
‘إنّه أوّل عطرٍ في حياتي، لذا جرّبتُه مرّة.’
لم أتوقّع أن يكتشفه دانيال.
أن يكتشفه صديقٌ مقرّبٌ من الجنس الآخر وفي مثل سنّي، أشعرني بالحرج.
لم أستطع قول شيء، واحمرّ وجهي، فضحك دانيال بخبثٍ كأنّه وجد فرصة.
“مـ-ماذا……! لِمَ تضحك هكذا؟!”
“هممم.”
حين نظرتُ إليه محتجّةً، وضع قبضته قرب فمه وضحك بخفّة.
ثمّ مال برأسه ليكون بمستوى طولي.
وكانت تلك اللحظة التي لانَ فيها نظرُ عينيه الحادّتين.
“غريب. فتاةٌ كان لقبها في دار الأيتام زعيمةَ الزقاق، وتضع عطرًا.”
“…….”
“لطيف.”
“……!”
“الرائحة.”
“يا هذا!!”
وضع دانيال يده على خصره، وأخذ ينظر إليّ باهتمام.
كانت نظرته تسأل عمّا طرأ عليّ لأضع شيئًا كهذا.
تجنّبتُ تلك النظرة، وعقدتُ يديّ خلف ظهري.
“وهل يُمنع عليّ أن أضع عطرًا؟ هناك أيّامٌ أودّ فيها أن أضعه!”
ارتفع صوتي من شدّة الحرج.
“من قال شيئًا؟ قلتُ فقط إنّه أمرٌ لافت.”
ثمّ انحنى قليلًا، وقرّب أنفه من شعري.
وبعد أن شمّ الرائحة، ابتسم ابتسامةً بريئةً وقال:
“إنّه يليقُ بكِ.”
“…….”
“إنّه عطرُ وردٍ، مثل اسمك.”
في تلك اللحظة، حبستُ أنفاسي، وهو يقترب منّي إلى هذا الحدّ.
لأنّ ما دخل أنفي لم يكن عطري، بل رائحةُ صابون دانيال.
رائحةٌ منعشةٌ وناعمة، كنسيم البحيرة.
وبفضلها، لم يهدأ احمرار وجهي.
‘كان يعاملني بوجهٍ عابس حين أحضرني إلى القصر، والآن يبتسم بهذه السهولة.’
إنّه حقًّا شخصٌ غريب.
نظرتُ إليه بارتباكٍ، وهو يبتسم أمامي.
* * *
وهكذا مرّ أسبوعٌ منذ جئتُ للعمل خادمةً في قصر الكونت.
لم يكن الوقت كافيًا لمعرفة القصر كلّه، لكنّي لاحظتُ أنّ اليوم أكثر فوضويّةً من المعتاد.
في العادة، تعمل الخادمات صباحًا فقط في عطلة نهاية الأسبوع، لكنّ هذا الأسبوع كان مختلفًا.
إذ انتشر خبر أنّ القدّيسة ديبورا ستزور القصر هذا المساء وتمكث ليلةً واحدة.
في صباح العطلة، خرجتُ من غرفتي أحمل رسالةً سأرسلها إلى بيت لينّ.
وفي وسط المطبخ المشترك، رأيتُ خادماتٍ بملابس مريحة، يتناولن الخبز المخبوز حديثًا ويتحدّثن بمرح.
قالت إحداهنّ وهي تُهذّب أظافرها:
“هذه أوّل مرّة أرى فيها القدّيسة. فهي نادرًا ما تخرج من المعبد.”
وقالت أخرى:
“هذا يعني أنّ جلالة الملك حريصٌ على تزويج الكونت بالقدّيسة.”
وأضافت ثالثة:
“وهكذا سيكون الأمر في النهاية، أليس كذلك؟ زواجهما.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"