“في قاعة الولائم….عمّاذا تحدثتَ مع لودفيكا بوتيين؟”
كانت كلماتٍ قيلت بلا داعٍ. ما إن خرجت من فمها حتى ندمت عليها.
في تلك اللحظة، رغبت إليسا حقًا أن تعضّ لسانها بقوة. أو أن تغرس رأسها في الرمال.
كل هذا كان بسبب تلك الأرض القاحلة الممتدة بلا نهاية. كان الأمر تمامًا كالإبحار في محيطٍ شاسعٍ لا يُرى له حد، حيث لا يمكن تمييز السماء عن البحر عند الأفق اللامتناهي.
وذلك يعني ببساطة أن هناك وقتًا أطول بكثيرٍ للتفكير فيما لا طائل منه.
وبالنسبة لإليسا، التي لم تعترف بمشاعرها تجاه أدريان إلا منذ وقتٍ قصير، كان ذلك الوقت سمًّا خالصًا.
كانت عينا إليسا تعودان مرارًا وتكرارًا نحو أدريان. فقد كان منظره الجانبي وهو يمتطي الحصان ويعدو به رائعًا إلى حد يبعث على اللعنة. فهل لذلك طرحت سؤالًا مجنونًا كهذا؟
كانت تندم على تفوّهها بالكلام، وعلى عجزها عن كبح نفسها.
وفوق ذلك، زاد من ندمها أدريان، الذي لم يجب عن سؤالها بوضوح، واكتفى بالمراوغة، ثم ذكر اسم شولتز توغراهان بلا داعٍ.
لكن هذا لم يكن عادلًا. أن يفعل ذلك فجأةً هكذا، كان غير منصف.
أن يقول: أحبكِ.
أرادت إليسا حقًا أن تختفي من مكانها في تلك اللحظة.
عنقها كان أحمراً من شدة التوتر، وقلبها كان ينبض بعنفٍ دون أي إحساسٍ بالموقف.
و أرادت إليسا أن تتخلى عن كل ذلك في تلك اللحظة.
***
كان أدريان أوبرون مستعدًا. كان يعلم أنه لا يمكنه تغيير قلب إليسا بين ليلةٍ وضحاها،
وكان يدرك أيضًا أنه لا ينبغي له أن يتوقع أن يتغير شيء.
فكرة أنه إذا اعتذر لها، فقد تفهم صدقه، وتسامحه على كل شيء، بل وتلقي بنفسها بين ذراعيه….تلك الأوهام راودته مراتٍ لا تُحصى.
بل تجرأ يومًا ما على الحلم بمثل ذلك.
لكن عندما انكشف قلبه بالكامل، ورأى إليسا تحاول استخدام ذلك القلب ذاته لتعذيبه، أدرك الحقيقة. أن ذلك اليوم قد لا يأتي أبدًا.
ومع ذلك، تحطم شيءٌ ما في داخله مرةً أخرى. بسبب إليسا التي لم تمنحه حتى نظرةً واحدة.
تفاجأ أدريان بالأمل الذي ما زال باقيًا في داخله. ولم يكن حتى هو نفسه يعلم كم عليه أن يتألم بعد، وكم يجب أن يعذب قلبه قبل أن ينفذ هذا الشعور، وكان ذلك يؤلمه أكثر.
***
اقترب منهم ظلٌ هائل، متخذًا الشمس خلفه.
ومع اقتراب ذلك الظل، الذي بدا في البداية أسود فقط بسبب جسده الكبير الصلب، بدأت ألوانه تتضح شيئًا فشيئًا.
كان شعره الأزرق الداكن، المخالف تمامًا لألوان الصحراء، يتطاير وسط الرياح الرملية العاتية. وكانت عيناه لا تزالان تشبهان بحرًا عميقًا.
لكن أكثر ما لفت الأنظار قبل أي شيء آخر، كان بشرته القوية الملساء الظاهرة فوق ملابس الصحراء، وعلى تلك البشرة كانت منقوشة، كشبكة عنكبوت، علامة العائلة الملكية ووسم العبد.
كان شولتز توغراهان يقف في انتظارهم، وخلفه حملة الرماح، فخر شلريد. وكانوا جميعًا يمسكون برماحهم متجهةً إلى الأسفل، وكأنهم لا ينوون الهجوم.
نزلت إليسا المشوشة وأدريان الغارق في اليأس عن خيولهما، وكلٌ منهما يخفي دوامة مشاعره في داخله.
و تقدم شولتز توغراهان نحوهم، يدوس الرمال بخطواتٍ ثقيلة.
“لا بد أن الرحلة حتى هنا كانت شاقة.”
“أبدًا، يكفينا أنكَ قبلت طلبنا. بل إنكَ خرجتَ بنفسكَ لاستقبالنا.”
رغم أن إليسا وأدريان كانا يقفان جنبًا إلى جنبٍ في الصف الأمامي، إلا أن شولتز توغراهان تجاهل أدريان أوبرون تمامًا، موجّهًا تحيته وحديثه إلى إليسا وحدها.
“وكيف لا أخرج؟ إنها ضيفةٌ كريمة قادمةٌ من سيفيا.”
كان واضحًا تمامًا من يقصد بكلمة الضيفة الكريمة. فتجعدت ملامح أدريان فجأة.
ألم يقل ذلك؟ ألم تكن توقعاته كلها صحيحة؟
إليسا وحدها هي التي لم تكن تعلم.
هل عليه التأكد أولًا مما إذا كان قلبه لا يزال كما كان يوم تقدم لخطبتها؟
إن كان قد تغيّر، فلا بد أنه ازداد عمقًا. لم يكن ليختفي أبدًا. فإليسا شوتر كانت من هذا النوع من النساء. وأدريان أوبرون لم يكن استثناءً.
ألم يعبر سيفيا من شمالها إلى جنوبها، عاجزًا عن نسيانها؟ ولم يكن ليهتم بأي ثمنٍ يدفعه مقابل ذلك.
كان إلى هذا الحد كان يائسًا. فمن يضمن أن شولتز توغراهان لا يحمل المشاعر نفسها؟
ظل أدريان واقفًا إلى جانب إليسا، دون أن يُنزل حذره حتى اللحظة الأخيرة.
وشولتز توغراهان بدوره قرأ هذا التوتر في أدريان. بل كان من الغريب ألا يلتقط هذا الشعور الواضح، وهو فارسٌ مثله.
‘يبدو أنه لم ينل قلبها بعد.’
لكن حذر أدريان المفرط انتهى به الأمر إلى كشف ضعفه أمام شولتز توغراهان.
فلو كان قد نال قلب الأدميرال شوتر تمامًا، لما كان هناك سببٌ يدعوه للحذر من شولتز توغراهان، القادم من دولةٍ أخرى.
فابتسم شولتز توغراهان ابتسامةً خبيثة سرية، موجّهةً نحو أدريان.
“كنتُ أود أن أكرمكما بمأدبة، لكن يبدو أنه لا وقت لدينا ولا متسع لذلك، أليس كذلك؟”
“نشكركَ على تفهمكَ.”
أجابت إليسا، التي لم تلحظ التوتر الخفي بين أدريان أوبرون وشولتز توغراهان.
“إذًا، دعونا نذهب مباشرةً لرؤية السفينة التي طلبتها الأدميرال شوتر.”
بإشارةٍ من شولتز توغراهان، قاد جنود شلريد حشدًا من الحيوانات التي كان لونها مماثلًا تمامًا لرمال الصحراء.
حتى السنام الدائري البارز على ظهورها كان يصرخ بجسدها كله أنها حيواناتٌ صحراوية.
“الخيل لن تستطيع الجري في عمق الصحراء الممتدة من هنا، أليس كذلك؟ هذا حيوان يُدعى الجمل. هل تودين تجربته؟”
كانت إليسا قد سمعت عنه فقط من خلال ما يتناقله تجار الجنوب. قالوا أن حوافر الخيل لا تنفع في الرمال الغارقة، ولذلك يركب الناس هناك حيوانًا آخر بدلًا منها.
وأنه لا يحتاج إلى الماء بكثرةٍ مثل الخيل، ويستطيع حمل أوزانٍ ثقيلة، ولهذا يُطلق عليه أيضًا اسم حصان الصحراء.
اتسعت عينا إليسا دهشة. ولم تستطع مقاومة فضولها، فتقدمت أولًا نحو الجمل.
وفي اللحظة التي التقت فيها بعينيه السوداوين اللامعتين، أدركت إليسا فورًا لماذا كانوا يطلقون عليه اسم حصان الصحراء.
فالعينان الظاهرتان من تحت رموشٍ طويلة كانتا وديعتين ومخلصتين.
حين مدت إليسا يدها، أنزل الجمل عنقه الطويل وأمال رأسه نحوها.
“هل تسمح لي أن أركبكَ؟”
أمسكت إليسا بالسجادة الموضوعة على ظهر الجمل بإحكام. لم يكن هناك سرجٌ حقيقي ولا ركاب، بسبب السنام غير المنتظم على ظهره.
وبسبب الإحساس الغريب المختلف عن ركوب الخيل، فقدت إليسا توازنها قليلًا وهي تحاول الصعود.
“آه؟”
ما إن سُمع صوتها حتى اندفع أدريان، الذي كان يتعلم من الجهة الأخرى كيفية ركوب الجمل، نحوها فورًا.
فأسند أدريان إليسا، واستعادت توازنها داخل ذراعيه.
لم تكن قد فقدت توازنها إلى حد السقوط فعلًا. لقد فوجئت فقط بالإحساس الجديد. وفوق ذلك، كان بالقرب منها جنود شلريد. ومع ذلك، ركض أدريان نحوها، وكان الأسرع بينهم جميعًا.
وكأن الموضع الذي لامست فيه ذراعاه خصرها أخذ يشتعل. بينما كانت يده التي أمسكت بيدها باردة.
“هل أصبتِ في مكانٍ ما؟”
هزّت إليسا رأسها ردًا على سؤال أدريان. و كانت مصدومةً إلى درجة لم تسمح لها بإخراج صوت.
حين أشاحت إليسا بنظرها، أطلق أدريان يدها ببطءٍ وابتعد.
لم يكن من المعقول أن تُفزع لمجرد اهتزازٍ بسيط على ظهر جمل، وهي التي قادت الخيل مراتٍ لا تُحصى، وشقّت البحار الهائجة على متن السفن.
‘فكيف له أن يلمحني ويركض نحوي بهذه السرعة؟’
حدّقت إليسا شاردةً في يدها التي كانت قبل لحظاتٍ فقط مستقرّةً داخل كف أدريان الكبير.
وفي هذه الأثناء، كان شولتز توغراهان، أمير الصحراء الذي اعتاد ركوب الجمال واللعب بها منذ ما قبل أن يتم الخامسة، قد امتطى جمله بالفعل.
كان الجمل الذي يركبه ضخمًا بقدر قامته وبنية جسده العريضة، ومن موقعه المرتفع كان يراقب المشهد بين الاثنين كاملًا.
“همم.…”
لقد كان مخطئًا. ربما كانت أفكار شولتز توغراهان متسرعةً أكثر من اللازم.
العلاقة بين إليسا شوتر وأدريان أوبرون كانت قد تغيّرت. و من دون أن يدرك أدريان أوبرون ذلك.
___________________
توقعت انها مب راده عليه المسكين😭😭😭😭😭
جمل اجل؟ وناسه شولتز غني من عنده من الابل؟ لو عنده ناقه شقرا وبرموشها وبرطمها يقدر يشتري الامبراطوريه🙂↕️
المهم دام ادريان خلص كل كروته الا كرت انه يقول الحقيقه باقي اليسا ليتها تقوله اشرح لي ليه فلت لي ذاك الكلام؟ وهو ينصدم ويشرح والحياه حلوه☹️ Dana
التعليقات لهذا الفصل " 91"