ما إن لمحَت زميلةُ الأكاديمية العسكرية لودفيكا حتى سارعت بالاقتراب منها، وهي تلتفت حولها بذعرٍ خشية أن يراهما أحد، في مشهدٍ يثير الشفقة.
ففكّرت لودفيكا باحتقار: إن كانت ستخاف إلى هذا الحد، فلماذا تقترب منها أصلًا؟
“ألم تنسي تحذير أدريان أوبرون؟ ذاك الرجل صار مشهورًا هذه الأيام بأنه لا يكتفي بالمتخرجين من الأكاديمية العسكرية، بل يعبث حتى مع كبار النبلاء! ماذا تحاولين أن تفعلي بحق؟”
“وهل تظنين أن أدريان أوبرون مخيفٌ بالنسبة لي الآن؟”
“تخافين من أن تُزفّي زوجةً ثانية لكونت بارتن، ومع ذلك ستقفين أمام أدريان أوبرون؟ ألم تسمعي حقًا بما آل إليه حال غارون وإيزيك؟”
“أن أُباع زوجةً ثانية لكونت بارتن….الموت أهون.”
حين نطقت لودفيكا بهذه الكلمات المليئة باليقين، أدركت زميلتها أنها لن تستطيع إيقافها بعد الآن، فهزّت رأسها.
“لقد حذّرتكِ بوضوح. الآن دبّري أمركِ بنفسكِ.”
لم تمنح لودفيكا حتى نظرةً واحدة لزميلتها وهي تدير ظهرها وتبتعد.
و كان بصرها مثبتًا فقط على إليسا شوتر، التي كانت تتحدث مع الملكة إلى جانب أدريان أوبرون.
***
“يا صاحبة السمو الأميرة، هذا سيفٌ نفيس أعدّته عائلتنا.”
“أما عائلتنا فقد جهزت عقدًا من الجواهر.”
“وهذا فستانٌ مطعّمٌ بمسحوق اللؤلؤ. لا يتقن هذه التقنية في الإمبراطورية إلا قلةٌ قليلة.”
كانت الأميرة في البداية تلمع عيناها فرحًا مع كل هدية، لكن مع تواصل سيل الهدايا بلا نهاية، بدا عليها الملل، أو لعل موعد نومها اقترب، فبدأت تكتم تثاؤبها.
حين رأت الملكة والموفد الملكي ذلك، حملوا الأميرة وغادروا قاعة الحفل.
كان ذلك إعلانًا واضحًا بأن حفلة الميلاد قد انتهت، وأن الوليمة الحقيقية قد بدأت.
نزل العشاق الشباب إلى أرضية القاعة يرقصون، وبعضهم جلس للعب البوكر. أما السيدات النبيلات فكنّ يخفين أفواههن بالمراوح ويرتشفن النبيذ.
اختلط أدريان وإليسا بالحضور، ومع ذلك لم يتركها أدريان بعيدًا عنه لحظةً واحدة.
ومع هذا، كان هناك بين الحين والآخر، للمحةٍ قصيرة جدًا، يتجه فيها بصر أدريان نحو شرفة الطابق الثاني.
حين كان ينظر إلى إليسا أمام الناس، كانت عيناه تنحنيان بلطفٍ كالهلال ويبتسم بهدوء، لكن ما إن تتجه نظراته إلى الشرفة العلوية حتى تبرد قسوتهما تمامًا.
كانت تلك النظرات شبيهةً بنظراته في قاعة الاجتماعات، حين كان يحدّق في كبار النبلاء، نظراتٌ ممتلئة بالازدراء والتجاهل والغضب.
‘من يكون في الأعلى؟’
حين رفعت إليسا رأسها متتبعةً نظره، أمسك أدريان بخدها على عجل وأدار وجهها نحوه.
“ما الذي تفعله؟”
“أ، أنا فقط….أردتُ أن أنظر إليكِ.”
كان عذرًا لا يُصدق.
“من الذي يوجد في الطابق الثاني؟”
وحين حاولت إليسا أن تدير جسدها لترى الدرابزين، سدّ أدريان مجال رؤيتها بجسده العريض.
“لا شيء. فقط شخصٌ ألقى التحية، فنظرتُ.”
بعد ذلك، بدأ أدريان يبتعد عنها شيئًا فشيئًا. و لاحظت إليسا أنه يحاول الذهاب إلى مكان ما، فتعمّدت الانخراط في حديثٍ مع أحد النبلاء.
وكما توقعت، استغل أدريان الفرصة واختفى في مكانٍ ما.
“إذًا، أستأذنكم قليلًا.”
أنهت إليسا حديثها مع نبيلٍ لا تعرف اسمه، وصعدت الدرج الحلزوني.
وهي تخفي حضورها قدر الإمكان، توجهت نحو خلفية شرفة الطابق الثاني، حيث اختفى أدريان.
ولأن الحفل كان في ذروته، كان الجزء الخلفي من الطابق الثاني، المليء بغرف الاستراحة، شبه خالٍ من الناس.
وعند تقدمها في الممر، لاح لها ظلان لشخصين. أحدهما ظل رجلٍ عريض الكتفين طويل القامة، والآخر ظل امرأةٍ ذات شعر طويل وفستان واسع يتماوج بذيله.
كلما اهتزّ ضوء الشموع في الداخل مع الريح، تمايل الظلان معها، وبدأت عينا إليسا تهتزان بلا وعي.
حبست إليسا أنفاسها دون قصد، وأخفت حضورها أكثر. ثم رأت شعرًا ذهبيًا كثيفًا، ورأت خط كتفين مكشوفين بفستانٍ منزلقٍ عن الكتفين.
كان ذلك كافيًا لتعرف من تكون. يبدو أنها واصلت التدريب بانتظام حتى بعد تركها الأكاديمية العسكرية.
لودفيكا بوتيين.
الابنة الثانية لعائلة بوتيين. والدها، المتعطش بشدةٍ لاعتراف عائلات النبلاء الكبار، كان قد أثار ضجةً في المجتمع الأرستقراطي حين أعلن عزمه على نبذها من العائلة بعد طردها المخزي من الأكاديمية العسكرية.
لكنها، رغم ذلك، ظفرت بفرصةٍ جديدة مرة أخرى.
حتى بعد تركها الأكاديمية العسكرية، استغلت أسرتها ذات الخلفية المدنية وأصبحت مترجمة.
وكان ذلك آخر خبرٍ سمعته إليسا عنها.
بعدها، كانت العاطفة التي اجتاحت إليسا هي الغضب الموجّه نحو أدريان.
‘ألهذا الحدّ، فقط من أجل مقابلتها، خدعتَ عينيّ؟’
ولماذا هذه المرة لم تستطع حتى أن تلاحظ وجودي؟
حين واجهتَ وصيفة في القصر، أدركتَ الأمر فورًا، أليس كذلك؟
ما الفرق بين وصيفة الأميرة ولودفيكا بوتيين؟
هل لأن شعر لودفيكا الذهبي أجمل من شعر تلك الوصيفة الأسود؟دأم لأن بيت بوتيين أرفع شأنًا؟
أم لأن تلك التي طُردت من الأكاديمية العسكرية، ومع ذلك تتردد على القصر كمترجمة، بدت لك مثيرةً للإعجاب فعلًا؟
كانت إليسا تفكّر بكل ذلك، ناسيةً حتى حقيقة أنها تعمّدت إخفاء حضورها.
ثم أدركت فجأةً أن أغرب ما في الأمر كله هو هذا الوضع ذاته. فقد كانت مشاعرها غير عقلانية.
‘لماذا أفكّر بهذه الطريقة؟’
ألم تكن إليسا شوتر هي من كانت تعبث بمشاعر أدريان أوبرون؟
ألم تكن تعلم أنه سيملّ منها بسهولةٍ متى شاء؟ فلماذا تشعر الآن بهذا الإحساس بالخيانة؟
هذا لا يعقل.
‘هذا….غريب.’
بدأ قلب إليسا ينبض بقوة، دقّاتٍ متلاحقة. كان شعورًا شديد القلق، ونذير شؤمٍ خانق.
‘آه، لقد انتهى الأمر.’
كان هناك الكثير من الكلمات التي لم تستطع إخراجها إلى العلن، وأدركت من جديدٍ أنها في الحقيقة كانت تريد قولها.
كان على إليسا أن تعترف الآن.
‘تباً، كل هذا….’
كان غيرة. لم يكن قلبها ميتًا بالكامل.
كانت واثقةً إلى هذا الحد أنها لم يعد لديها ما تشعر به، وكانت قد أقسمت بصوتٍ عالٍ أن ذلك لن يحدث مجددًا، لكن لم يكن الأمر كذلك.
دفعت إليسا الأصوات الخافتة القادمة من بعيدٍ خارج سمعها بالقوة. فلم تكن تريد أن تعرف. وكان لا بأس ألّا تعرف.
أعادت إليسا شوتر العزم مرارًا وتكرارًا. لن تُظهر ذلك أبدًا. أدريان أوبرون لن يعرف أن هذه الشرارة اللعينة قد عادت للحياة في قلبها.
‘أبدًا.’
هي من ستجعل الأمر كذلك.
كان ذلك آخر ما تبقّى من كبرياء إليسا شوتر. وكان في الوقت نفسه غريزة بقائها، وآلية دفاعها، أضعف نقاطها، خوفها من أن يطعنها مرةً أخرى في اللحظة التي تثق به فيها أكثر من أي وقت.
فأدريان أوبرون، في اللحظة التي تكشف فيها عن قلبها، سيتخلى عنها.
ربما الآن يعاملها بلطفٍ لأنه يظن أنه لم يمتلكها بعد، لكنه قد يعود في أي وقتٍ ليلوح أمامها بدم الابنة غير الشرعية القذر.
لأن أدريان أوبرون إنسان يضع هيبة النبلاء فوق قلبه. ولهذا استطاع يومها أن يسحقها بتلك الطريقة أمام أصدقائها النبلاء في الحديقة.
ولهذا، كان عليها أن تخفي هذا القلب بإحكامٍ حتى الموت، وألا تدعه يعرف شيئًا.
قلبٌ قُتل مرة. فما الذي يمنع قتله مرةً ثانية؟
‘نعم، هذا يكفي. لا شيء خطيرٌ في الأمر، يا إليسا شوتر.’
التعليقات لهذا الفصل " 86"