بعد أن أنهت اليوم أيضًا جولةً من تسخين الجسد في ساحة التدريب، كانت في طريقها عائدةً إلى غرفتها، لكنها ضلّت الطريق داخل القصر الملكي الواسع حدًّا لا يُصدق.
ولنكن أكثر صراحةً، كان الأمر مقصودًا بعض الشيء. فالقصر واسع، وإذا عادت إلى غرفتها ارتفعت احتمالية أن تصادف أدريان، أما إن تجولت في أرجائه فستنخفض تلك الاحتمالية، أليس كذلك؟
لكنها لم تكن تنوي أن تضل الطريق فعلًا….كانت تريد فقط أن تتمشّى قليلًا وتقتل الوقت بشكلٍ مناسب.
الأمر أصبح محرجًا بعض الشيء. لا، ربما أصبح محرجًا جدًا.
‘يا إلهي، أين هذا المكان بالضبط؟’
لم تعد ساحة التدريب تُرى حتى. لو صادفت وصيفةً أو خادمًا لهان الأمر، لكن المكان كان خاليًا إلى حدٍّ لا يُطاق، فلا بشر ولا حتى فأرٌ واحد.
وبينما كانت إليسا تهيم في ممرات القصر بحثًا عمّن تسأله عن الطريق، لفت نظرها ظلٌّ صغيرٌ يركض دبدبةً عبر الممر أمامها.
“صاحبة السمو الأميرة.”
نادَت إليسا آخر حبل نجاةٍ عثرت عليه بعد طول بحث. و الأميرة الصغيرة جدًّا التفتت برأسها فجأةً عند سماع الصوت، ثم ما إن تعرّفت على إليسا حتى ركضت نحوها.
“أوه؟ فارسةٌ وسيمة!”
من دون أن تتيح لها فرصةً لإيقافها، اندفعت الأميرة سينثيا بجسدها الصغير بين ساقي إليسا وعانقتها بقوة.
كان ذلك عناقًا على طريقتها الطفولية، لكن بما أنها لم تصل حتى إلى خصر إليسا، لم يكن سوى عناقٍ لساقيها.
ابتسمت إليسا، وانحنت على ركبتيها لتجاري مستوى نظر الأميرة، ومدّت ذراعيها، فاندفعت سينثيا إلى أحضانها وكأنها كانت تنتظر ذلك.
كان وجهها نسخةً مصغّرة من الملكة آن ماري، لكن تصرّفاتها كانت على النقيض تمامًا، أميرةٌ لينة ودافئة.
“كنتُ أنوي الذهاب إلى المكتبة لاستعارة كتاب، وهو شيءٌ أستطيع فعله وحدي!”
يبدو أنها ظنت أن إليسا تعاملها كطفلة، فعبست سينثيا وقفزت من بين ذراعيها بضيق.
وأمام هذا التمرّد اللطيف من الأميرة، كتمت إليسا ضحكتها بصعوبةٍ في داخلها.
وفي الممر، ترددت خطوتان مختلفتان. إحداهما صوت خطوات سينثيا السريعة الخفيفة “تودك تودك”، والأخرى خطوات إليسا الواسعة الواثقة، تحافظ فيها على مسافةٍ ثابتة خلفها.
لم يعجب سينثيا أن إليسا تلاحقها، فواصلت زيادة سرعتها، لكنها في النهاية التفتت فجأةً وهي تلهث حتى بلغ النفس حنجرتها، وصرخت.
“لماذا تتبعينني!”
“كنت متجهةً إلى المكتبة أيضًا.”
نظرت إليسا إلى سينثيا بوجهٍ مظلومٍ صادق. وقد انخدعت سينثيا تمامًا بتمثيل إليسا، فاحمرّ وجهها خجلًا، وأدارت نظرها إلى الأمام وواصلت السير بخطواتٍ متثاقلة.
و من شدة إحراجها، تقدّمت ذراعها اليمنى وساقها اليمنى معًا.
واصلت إليسا اتباع سينثيا حتى بعد دخولها المكتبة الملكية.
كانت الأميرة الصغيرة تلتفت بين حينٍ وآخر بنظراتٍ مرتابة، لكنها لم تجرؤ على سؤالها عن سبب ملاحقتها، إذ تذكرت إحراجها قبل قليل، وكان ذلك لطيفًا لدرجة أن إليسا اضطرت مرارًا لكبح ابتسامتها.
ثم وقع بصر سينثيا على كتابٍ موضوعٍ في أعلى رف. فوضعت أمام الرف كرسيًا يكاد يكون بحجم جسدها، وصعدت فوقه.
“هه!”
لكن حتى وهي واقفةٌ على الكرسي، ومدّت ذراعها بكل ما أوتيت من قوة، لم تفلح. و لم تصل يدها حتى إلى كعب الكتاب.
حدّقت سينثيا في إليسا بصمت. و كانت إليسا، التي كانت تتظاهر فقط بتصفّح كتابٍ بجوارها، عاجزةً عن تجاهل نظرة الاستعطاف تلك، فاستدارت أخيرًا.
التعليقات لهذا الفصل " 77"