ما إن خرجا من دفيئة الملكة واختفت الآذان التي قد تسمع، حتى أمسك أدريان بذراع إليسا.
“ما الذي تنوين طلبه من شولتز توغراهان، وكيف بالضبط؟”
و نزعت إليسا ذراعها بعنفٍ من قبضته، أما أدريان الذي كان يمسكها بقوةٍ واهنة اندفع إلى الخلف في الحال.
لكن أدريان لم يستسلم، بل اقترب منها مجددًا وكأنه عازمٌ على سماع جوابٍ مهما كان.
“هذا يعني معاداة الإمبراطورية. هل تعتقدين حقًا أن شولتز توغراهان سيستجيب لطلبكِ؟ حتى الآن ما زال بإمكاننا.…”
“هاه، أدريان أوبرون. لم تنسَ أن شلريد دولةٌ تأسست أصلًا وهي تعادي الإمبراطورية، أليس كذلك؟”
رغم كلام إليسا، لم يتخلَّ أدريان عن شكوكه.
“قد يتحول الأمر إلى حرب. حربٍ بين سيفيا وإستروا، هل شولتز توغراهان شخصٌ قد يتخذ قرارًا يعرّض شلريد للخطر؟”
ومع إنكاره الشديد لكل ما تقول، بدأ الضيق يتسلل إلى نفس إليسا.
“أنا لا أريد أن تتورط شلريد في حرب. كل ما أطلبه هو فتح طريق بحريٍ لا أكثر.”
“هذا هو نفس الـ-”
“لا، هذا أمرٌ مختلفٌ تمامًا. ثم إن إستروا لا تستطيع أن تهاجم شولتز بتهور. فلديها سابقة فشلٍ واحدةٍ بالفعل.”
“.……”
“إذًا، أليس من المعقول أن ينقذ رجلٌ امرأةً يحبها من دولةٍ عدوة؟”
وعند كلمات إليسا التي ألقتها بابتسامةٍ ساخرة، تجمّد أدريان في مكانه كالصخر.
“آه، كنتِ تعرفين؟”
و لم يجد أدريان إلا هذا السؤال الأحمق يخرج من فمه.
“أعرف ماذا؟”
“أن شولتز توغراهان يكنّ لكِ-”
“أتقصد أنكَ لم تكن تعلم أنه وضعني في قلبه؟”
أمام رد إليسا الهادئ، بدأ نفس أدريان يضطرب، وشعر بأن أطراف يديه وقدميه تبرد.
ثم نظرت إليسا إلى أدريان وانفجرت بضحكةٍ عالية، وبعد أن انحنت من شدة الضحك برهة، عادت تنظر إليه. وما كان في عينيها إلا الاحتقار.
“هل تظنني حمقاء؟”
“….…”
“أتعجز عن قراءة مشاعرٍ واضحة إلى هذا الحد؟ هل ظننتَ حقًا أن ما لاحظته أنتَ لن ألاحظه أنا؟”
إليسا كانت تعرف كل شيء. تعرف كيف سيهتم بها شولتز توغراهان ويعاملها بعنايةٍ إن ذهبت إلى شلريد.
شعر أدريان وكأن ساقيه ستخذلانه في أية لحظة، ومع الكلمات التالية أحس فعلًا وكأن أنفاسه تُخنق.
“شولتز توغراهان قطع لي وعدًا. قال أنه إن أصبحتُ ملكة شلريد، وإن أردتُ ذلك، فلن يُدخل محظيةً واحدةً طوال حياته.”
حين قدم شولتز توغراهان ذلك الوعد، كانت إليسا واثقةً أن مشاعره ليست بتلك العظمة. فلم تكن إليسا ساذجةً لتصدق كلماتٍ معسولة من صاحب سلطة يطمع في قدراتها.
كان شولتز توغراهان رجلًا قادرًا على التخلي عنها في أي وقتٍ إن حكم بأنها لم تعد نافعة. وحينها سيتحول ذلك الوعد إلى رمادٍ ويختفي من هذا العالم.
وحتى لو لم يكن شولتز توغراهان من هذا النوع، فإن مكانته وحدها كفيلةٌ بأن تجعله كذلك.
ومع ذلك، تحدثت إليسا عن وعده أمام أدريان وكأنه عهد القرن. وكانت ردة فعل أدريان تمامًا كما توقعت.
شحب وجهه حتى بدا كمن اختنق وسيقع في أية لحظة، وامتلأت عيناه الحمراوان بصدمةٍ كادت تمزقهما، وارتجف فكه بعنف، بينما كانت شفتاه المضغوطتان بين أسنانه الأمامية محمرتين كأن الدم سيتفجر منهما.
وجود شولتز توغراهان كان يعذب أدريان، ومع رؤية أدريان وهو ينظر إليها بوجهٍ يتمنى الموت، نهضت في داخلها رغبةٌ بأن يتعذب أكثر.
كانت رغبةً أشبه بالعادة. ولهذا واصلت إليسا الكلام.
“آه، وقال شيئًا آخر أيضًا. قال أن شلريد لا يوجد فيها أبناءٌ غير شرعيين. و أنه سيمحو عني صفة الابنة غير الشرعية التي كانت تقيدني هنا إلى هذا الحد.”
“إلـ، إليسا.”
“قال أنه سيمنحني كل ما لا يمكنني أن أحصل عليه في سيفيا مقابل أن يحصل عليّ وحدي، فكيف لي ألا أدرك مشاعره؟”
كان أدريان يعتقد أن إليسا لا تعرف ما في قلبه، أو على الأقل لم تنتبه إليه.
فما دام هو نفسه لم ترَ إليسا مشاعره القبيحة إلى هذا الحد، فقد ظن أن الأمر نفسه ينطبق على شولتز توغراهان. فمن غير المعقول أن تجهل هذا القدر من الصدق إن لم تكن بليدة الإحساس تجاه مشاعر الناس.
وفوق كل شيء، مهما كانت الظروف، فقد اختارت إليسا البقاء في سيفيا. وكان ذلك يعني، مهما كان هو مقززًا ومخيفًا، أنها قبلت الزواج منه.
ولهذا ظنّ أنها لم تلاحظ خيار شولتز توغراهان أصلًا.
لكن كل ذلك لم يكن سوى وهم منه. إليسا كانت لا تزال شخصًا قادرًا على الرحيل عنه متى شاءت، إلى أرضٍ بعيدةٍ وغريبة.
وحين أدرك هذه الحقيقة، شعر ببرودةٍ تسري في جسده وكأن قلبه قد تجمد.
وسواءً كانت إليسا تدري بحال أدريان أم لا، فقد واصلت كلامها بلا توقف.
“طبعًا، ليس قرارًا يُتخذ بسهولة. لكن أليس الاتكاء على رجلٍ قال أنه يحبني أسهل من محاولة إقناع إمبراطوريةٍ مستعدة لشن حربٍ من أجل انتزاع بحري؟”
كان أدريان ينهار، ينهار وهو لا يدري أنها تنهار أيضًا.
ومع كل كلمةٍ تنطق بها إليسا، كان وجه أدريان الذي ظن أنه لن يزداد اشمئزازًا يشحب أكثر، وكانت شرارة الحياة في عينيه تنطفئ تدريجيًا.
كان يرتسم على وجهه بالضبط ذلك التعبير الذي رأته إليسا يومًا في حديقة الأكاديمية العسكرية.
تحت شفق الغروب المنسدل على حديقة القصر الملكي، كانت إليسا قد حققت انتقامها من أيام الأكاديمية العسكرية، أو كأنها فعلت.
لكن، لماذا؟
في الماضي، كانت كل لحظةٍ يتأذى فيها أدريان أوبرون بكلماتها الحادة تبعث في نفسها الرضا. ولهذا كانت تختار عمدًا كلماتٍ أشد إيلامًا لتُلقيها في وجهه. كما الآن تمامًا.
كان هناك زمنٌ شعرت فيه بنشوةٍ جارفة وهي تدرك أن المواقع قد انقلبت، وأنها قادرةٌ على رد الإهانة التي تلقتها.
ومشهد أدريان وهو يتلقى دفعةً واحدة كل ما راكمه من تبعاتٍ وآثام كان يملأ أحشاءها بلذةٍ جارفة.
لكن الآن….لماذا؟
كان هناك خطأ فادح في كل شيء. كانت تتوقع أن تشعر بالراحة. فلماذا لا تشعر بها؟
لماذا؟
في النهاية، عجزت إليسا عن التغلب على اضطراب مشاعرها. فتركت أدريان، الذي بدا وكأنه على وشك الانهيار والسقوط في أية لحظة، وحيدًا في الحديقة، واستدارت ببرود.
كان ذلك هروبًا.
وأيًا كان الأمر، فإن إليسا وحدها كانت تعرف ذلك. كانت تهرب من أدريان أوبرون. وبصعوبةٍ بالغة.
منذ اللحظة التي أدارت فيها ظهرها له، رغبت في الالتفات. أرادت أن ترى أي تعبيرٍ يرتسم على وجهه، وأن تعرف لماذا انهار إلى هذا الحد.
لا، كل ذلك لم يكن سوى ذرائع. فالدافع الحقيقي الذي شعرت به إليسا هو أنها، مهما كان مظهره في تلك اللحظة، أرادت فقط أن تنظر قليلًا أطول إلى شفق الغروب المنسكب على وجهه.
ومع كل خطوةٍ خطتها، كانت تردد في نفسها: لن ألتفت أبدًا.
هذه الرغبة في الالتفات ليست سوى اندفاعٍ عابر، وليست إلا فضولًا قاسيًا لرؤية أدريان أوبرون وهو ينهار.
لم يتغير شيء. كانت لا تزال قادرةً على الاستمتاع برؤية أدريان أوبرون يتألم وينهار.
كان يجب أن يكون الأمر كذلك.
إليسا شوتر كانت تملك الحق في كراهية أدريان أوبرون. ولهذا لفّت عنادها حول نفسها كدرعٍ محكم.
___________________
هع هع هع بيروحون لشولتز وهم كذا؟ ادريان رسمياً بينجن لو شاف نظرته لها😭
بس صدق يا انه مسكين اليسا لاحظت شولتز ولا لاحظت ادريان في الاكاديميه والحين تحسبه حبها اول ما جا للبحريه؟😭 مسكيييييين
التعليقات لهذا الفصل " 72"