كأن الزمن قد تجمّد للحظة. تصلّب الجميع في أماكنهم، ولم يكن أحدٌ ينظر إلا إلى أدريان أوبرون.
لم يقتصر الأمر على كبار المسؤولين وحدهم، بل حتى الملكة الجالسة في المقعد الأعلى كانت تنظر إليه بالطريقة نفسها. كانت تحدّق في أدريان أوبرون بعينين لا تصدّقان ما تريان.
حتى إليسا، ناسِيةً القاعدة غير المكتوبة التي تمنع إدارة الظهر للملوك، استدارت لتنظر إلى أدريان.
‘هل جُنَّ هذا الرجل؟’
في قاعة المثول التي غمرها الصمت، كان أدريان وحده من يحتفظ بتعبيرٍ هادئ.
كانت عيناه الحمراوان تتلألآن بالحياة، ولم يكن في جبهته المكشوفة أي أثرٍ للقلق أو الخوف. بل على العكس.
‘هل هو راضٍ عن هذا الموقف؟’
من انحناءة فمه الخفيفة الصاعدة، ومن خط فكه الحاد المرفوع عاليًا، أمكن قراءة مشاعره.
فيمَ يفكر هذا الرجل بالضبط؟
“هذا كلامٌ لا يُقبل!”
“كيف لابن دوق أوبرون، دوق أوبرون المستقبلي، أن يقفز إلى موضعٍ خطرٍ كهذا؟!”
“سيكون ذلك بلا شك خسارةً فادحة لسيفيا!”
“نرجوكِ، أوقفي وريث أوبرون، يا جلالة الملكة.”
الذين كانوا قبل لحظاتٍ فقط يصفقون لفكرة ذهاب إليسا إلى الإمبراطورية، مردّدين أن البحرية يجب أن تحل ما تسببت به، انقلبت مواقفهم رأسًا على عقب في لمح البصر.
كان الجميع في حالة ارتباك. كانوا ينظرون إلى أدريان بعيونٍ تتساءل: لماذا اتخذتَ هذا القرار؟
وكان من بين تلك النظرات، نظرة إليسا أيضًا.
التقى أدريان بعيني إليسا، واقترب منها خطوةً أخرى. ثم وضع يده على ظهرها بشكلٍ طبيعي، مغيرًا اتجاه جسدها.
كان طرف أصابعه الملامس لظهرها ينبض كأنه غُمس في لهب.
لكن ما واجهه أدريان كان لا يزال وجه إليسا، وهي تنظر إليه بعبوسٍ عميق وتجعيدٍ واضح بين حاجبيها. وحين تأكد من نظرتها الساخطة نحوه، لم يجد بدًا من ابتلاع زفرةٍ ثقيلة في داخله.
كيف يمكن لإليسا، التي تلفظ بلا اكتراثٍ أنها ستُلقي بنفسها في قلب أرض العدو، أن تُظهر هذا التعبير لمجرد أنه قال أنه سيذهب معها؟
لم يستطع أدريان أن يفهم ذلك إطلاقًا.
‘كيف لي أن أقف مكتوف اليدين وأدعكِ تندفعين وحدكِ إلى أرضٍ معاديةٍ خطرة؟’
هل ظننتِ حقًا أنني سأترككِ وحدكِ؟
بعد كل ما قلته عن أنني سأكون رفيقكِ، وأنني سأقسم أن أقف إلى جانبكِ طوال حياتي؟
كان صدره يحترق ألمًا. فما زالت، حتى الآن، لم تمنحه ذرةً واحدة من الثقة.
أجبر أدريان نفسه على إبعاد نظره عنها، والتفت إلى الملكة.
“أنا أيضًا من البحرية. وعليّ واجب تحمّل مسؤولية ما يحدث داخل البحرية.”
وعند الطريقة التي لفظ بها أدريان كلماته، وكأنه يمضغ كل حرفٍ على حدة، رفعت الملكة أحد حاجبيها.
لم يكن كلام أدريان بالنسبة للملكة سوى رسالة تهديدٍ صريحة. إن تخلّيتِ عن إليسا شوتر، فاستعدّي لخسارتي معها.
وفي الوقت نفسه، كان ذلك الكلام توسّلًا موجّهًا إلى إليسا. رجاءً، لا تفصليني عنكِ.
لكن لم يصل سوى أحد المعنيين، أما الآخر، وكما كان الحال دائمًا، فقد ارتدّ عنه، وعاد إليه لِيُرمى جانبًا كأنه قمامة.
الملكة وحدها، وقد التقطت على الفور نبرة أدريان الجريئة الخارجة عن اللباقة، أطلقت ضحكةً قصيرة خاليةً من المعنى.
لم يأتِ الرد الذي كان ينتظره بشغف. بل على العكس، قامت إليسا بهزّ كتفيها بخفة، وأبعدت حتى ذراع أدريان التي كانت تحيط بظهرها.
“حتى لو كان وريث دوق أوبرون يخدم في البحرية الآن، أليس ذلك مؤقتًا فحسب؟ دوقية أوبرون قادوا فرسان الشمال جيلًا بعد جيل.”
“صحيح. أنتَ القائد القادم الذي سيقود فرسان الشمال في المستقبل. كيف يمكن مقارنة وريث أوبرون بالأدميرال شوتر!”
‘مزعج.’
في لحظةٍ ما، امتلأت قاعة المثول بأصوات الشيوخ المحتجين على كلام أدريان. كانت تتردد كالصدى، وتوخز أذنيه.
فاشتاق أدريان بشدةٍ إلى الغابة قبل أيام، حيث كان يستطيع أن يسمع صوت إليسا وحدها بهدوء.
صحيحٌ أن إليسا لم تكن توجه له الكلام هناك، وكانت تتجاهل حديثه في معظم الأحيان، بل ولا تمنحه حتى فرصةً للرد.
لكن كل الأصوات التي سمعها منها، ولو كانت موجهةً إلى برايان وحده، كانت كافية. حتى ذلك كان سعادةً له.
على الأقل، لم يكن هناك بشرٌ عديمو الفائدة كهؤلاء العجزة، يحاولون التدخل بينه وبين إليسا.
“وما الفرق؟”
عند الصوت المنخفض والبارد الذي أخرجه أدريان، ارتجف النبلاء الشيوخ الذين كانوا يرفعون أصواتهم واحدًا تلو الآخر.
وفي اللحظة التي دوّى فيها صوته الغارق إلى القاع في أرجاء قاعة الاجتماع، لم يعد أحدٌ قادرًا على فتح فمه.
كأن قناعًا من الجليد قد أُسدل على وجهه الوسوم، فاختفت تعابيره تمامًا. وأمام نبلاء شيوخ يفوقونه عمرًا بما لا يقل عن ثلاثين عامًا، كان أدريان يهيمن على الأجواء هيمنةً مطلقة.
عيناه الحمراوان الحادتان، كرمحٍ جليديٍ يخترق الدروع، واجهتا مباشرةً عيون النبلاء الذين كانوا يهاجمون إليسا.
“لـ، لكن أدميرال البحرية.…”
حاول بعض النبلاء إبداء مقاومةٍ واهنة، لكنهم سُحقوا جميعًا تحت الزخم المرعب لأدريان أوبرون.
و الشخص الوحيد الذي بدأ يشعر بصداعٍ حقيقي كانت الملكة آن ماري.
فقد بدا لها أن رأسها يكاد ينفجر بسبب أدريان أوبرون الذي وسّع الأمر إلى مواجهةٍ شاملة مع النبلاء.
ثم أطلقت الملكة زفرةً عميقة قبل أن تفتح فمها.
“لا يبدو أن قرارًا سيصدر اليوم، لذا سنُنهي مجلس الدولة عند هذا الحد.”
“لـ، لكن يا جلالة الملكة!”
ضربت الملكة أرض القاعة بالهراوة مرةً أخرى. موجةً اهتزازيةً عمّت المكان للحظة قبل أن تتلاشى.
ثم نظرت الملكة إليهم جميعًا بنظرةٍ حاسمة.
“إن كان لدى الشيوخ اعتراضٌ على رأي أدميرال البحرية ونائبه، فليأتوا بحلٍّ أفضل.”
وبهذه الكلمات، غادرت الملكة قاعة الاجتماع.
***
بينما كان أدريان وإليسا يهمّان بمغادرة القاعة، اقترب منهما أحد مساعدي الملكة.
“من هنا، من فضلكما. جلالة الملكة ترغب في مقابلتكما.”
قاد المساعد، مرتديًا بدلةً سوداء، الاثنين إلى أعماق القصر.
وأثناء سيرها خلفه، شعرت إليسا أن هذا الطريق مألوفٌ على نحوٍ ما، ولم تدرك السبب إلا حين اقتربا من وجهتهما.
عبق الورد الممزوج بالأكاسيا دغدغ أنفها، وانتشر في الأرجاء عطر الماء العالق بأوراق العشب الغضّة.
يبدو أن ساحة معركة الملكة هذه المرة أيضًا كانت الدفيئة.
وُضعت أمامهما طاولةٌ حديدية بيضاء أنيقة، وفوقها أطقمٌ فاخرة من شاي الزهور في أوانٍ زجاجية.
نهضت الملكة، التي كانت جالسةً قبالتهما، لاستقبالهما.
“تفضلا. أعتذر لإيقاف من لديهم طريقٌ طويل، لكنني كنتُ بحاجةٍ إليكما. وبالطبع، هناك ما يستحق الثناء أيضًا.”
“ثناء؟”
“ألم تقوما بالقضاء على عصابة قطاع الطرق عند مدخل العاصمة؟ وحدكما فقط.”
يبدو أن لسان قائد الحرس كان خفيفًا جدًا، أو أن شبكة معلومات الملكة كانت أوسع مما تصورت.
“تحققان إنجازًا كهذا وتحاولان مغادرة العاصمة بهدوء؟ تسك تسك.”
نقرت الملكة لسانها بإيماءةٍ مسرحية.
“ماذا ينبغي أن أمنحكما؟”
“إنه إنجازٌ تافهٌ لا يستحق أن تتدخل جلالتكِ فيه شخصيًا.”
“قليل الطموح جدًا. هل ترضيان بوردةٍ اخترتها بنفسي؟ سأمنحكما واحدةً من التي أعتني بها بعنايةٍ فائقة.”
في سيفيا، كان لمعنى الزهرة التي يمنحها الملك للفارس دلالتان. الأولى، ترقية مضمونة.
“إن منحتُ الأدميرال زهرة، فكيف لي أن أرفع مكانتها أكثر؟”
“هذا غير مستحق.”
ضحكت الملكة ضحكةً مدويةً على جواب إليسا.
“صحيح، حتى لو منحتكِ هذه الدفيئة كاملة لما أوفت بحق هذا الإنجاز، فكيف بوردةٍ واحدة.”
“ليس هذا مقصدي، يا جلالة الملكة.”
ارتسمت على وجه الملكة ابتسامةٌ ذات مغزى، وانحنت عيناها بلطف، لكن البريق الكامن فيهما كان مخيفًا في حدته.
“صحيح. فهل يعقل أن تكون عصابة قطاع طرقٍ أمرًا ذا شأن لأدميرال تنوي اقتحام أرض إستروا العدوة بغير حماية؟”
تبدّل نظر الملكة المبتسم على الفور.
“لديّ سؤالٌ لكِ، أدميرال شوتر.”
“تفضلي، يا جلالة الملكة.”
“ما رأيكِ أن أمنح وردتكِ بدلًا من ذلك لإينوك فيتزجيرالد؟”
وكان هذا هو المعنى الثاني للزهرة التي يمنحها الملك للفارس: العفو عن أي ذنبٍ مرةً واحدة.
غير أن إينوك لم يكن بحاجة إلى وردة الملكة أصلًا.
“إينوك لا يحتاج إلى وردة جلالة الملكة.”
“أتعنين أنه لم يخطئ؟”
“يمكنني أنا أن أجعل الأمر كذلك.”
“أنتِ؟”
“نعم.”
“وكيف؟ إن سلكتِ طريقك إلى الإمبراطورية الآن، فقد تلقين حتفكِ. هل أنتِ حقًا مستعدةٌ للمجازفة بحياتكِ، أدميرال شوتر؟”
___________________
ادريان مع وردة إينوك: نجرب ندوس الورده كذا شوي
بس يا انه مسكين مع اليسا وهي تعاينه تضحك معطيته نظرتها صريحه ماترحم احبها ايه زياده😂
ولا عاد يومه مشتاق يسمع صوتها لحاله حتى لو مب له😭 مجننوووون مسكين
التعليقات لهذا الفصل " 69"