لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى يتمكن شخصان فقط من القضاء تمامًا على ما يقارب عشرين من قطّاع الطرق.
كان جميع اللصوص دون استثناءٍ راكعين على ركبهم، موثوقين بالحبال بإحكام. وأصبحوا هم من يتوسلون الآن، يعِدون بتسليم كل ما يملكون مقابل أن يُعفى عن حياتهم.
لم يدركوا إلا متأخرين خطأهم الفادح حين هاجموا عربةً تبدو باهظة الثمن تعبر الجبال بلا حراسة، من دون أن يتحققوا ممن يكون خصمهم حقًا.
مسحت إليسا بهدوءٍ قطرات الدم التي تناثرت على وجهها. و لم يظهر عليها أي أثرٍ يوحي بأن هذا القتال كان شاقًا أو مرهقًا.
وكان أدريان كذلك تمامًا. باستثناء الجرح الوحيد الذي أصيب به عمدًا، بدا وكأنهما لم يخوضا قتالًا من الأساس. فلم يلهث أيٌّ منهما حتى.
و على العكس، برايان وحده هو من أطلق زفرة ارتياحٍ عميقة، ثم خارت قواه وجلس في مكانه.
وقد نظر قطّاع الطرق الموثقون بالحبال إلى إليسا وأدريان كأنهم ينظرون إلى وحوش، وهم يرتجفون رعبًا.
“مـ، من أنتم بحق؟”
سأل زعيمهم بصعوبةٍ بعد أن جمع شجاعته، لكن إليسا وأدريان لم يمنحاه حتى نظرةً واحدة.
و منذ قليل، كانت إليسا عابسة، تحدق فقط في ذراع أدريان.
كان ذراعه السميك مكشوفًا فوق الملابس الممزقة، ومع كل حركةٍ للعضلات كانت قطرات الدم التي لم تتوقف بعد تسقط على الأرض.
لماذا؟ أدريان أوبرون هذا جُرح؟
أدريان أوبرون الذي لم يتنازل لها يومًا عن المركز الأول، يُصاب على يد مجرد قطّاع طرق؟
‘أين كان شارد الذهن إلى هذا الحد؟’
لكن إليسا لم تستطع أن تنطق ولا جملةً واحدة من الأسئلة الكثيرة التي تعجّ في رأسها.
لم تُرِد أن تبدو وكأنها قلقة. فهذا ليس قلقًا، بل مجرد تساؤل.
تساؤلٌ خالص حول مهارة أدريان أوبرون التي لا يُفترض أن يحدث لها هذا.
هي لا تقلق على أدريان أوبرون. ما حدث أمرٌ كان من المستحيل أن يقع، و ما تشعر به ليس أكثر من فضولٍ بسيط. ومع ذلك، خشيت أن يُساء فهمها، فلم تُرد أن تقول شيئًا.
في المقابل، كان أدريان مرتبكًا من نظرات إليسا التي لا يبدو أنها تنوي الابتعاد عنه.
ضيّقت إليسا عينيها وحدّقت فيه بتركيز، وكأنها تمسح جسده من رأسه حتى قدميه.
وتحت هذا التحديق، لم يعرف أدريان كيف يتصرف. كل موضعٍ تقع عليه نظرتها كان يقلقه. فشدّ قامته مستقيمًا، غير راغبٍ في أن يُظهر أي مظهرٍ مهلهل.
وحتى الجرح الذي تعمّد تلقيه بدأ يشعره بالخجل منه. و خشي أن تكون عيناها الذهبيتان الحادتان قد اخترقتا دوافعه الصغيرة والطفولية.
أما برايان، الذي كان يرى تعابيرهما معًا، فقد فهم كل شيء.
‘آه، إذًا هذا الأحمق تعمّد الإصابة، على أمل أن تأتي الأدميرال إليه.’
لم يكن يتخيل أن تعابيره مكشوفةٌ إلى هذا الحد. فأدريان أوبرون لم يكن في الأصل شخصًا كهذا.
بل بالأحرى، شخصًا لم يُسمح له أن يصبح كذلك.
بوصفه الوريث الوحيد لدوق أوبرون، كان أدريان أوبرون دائمًا بلا تعبير، كدميةٍ جميلة. بشرته البيضاء وعيناه الحمراوان منحتاه هالةً باردة تجعله يبدو غير بشري.
وكان برايان يعرف أكثر من أي أحدٍ من هم الأشخاص الذين صنعوه على هذا النحو.
“أنتَ ستصبح الدوق. هذه الأرض، وهذا القصر، كله سيكون لكَ. يجب أن تمتلك كل هذا من أجل أمكَ. هل تفهم كلامي؟”
بوجهٍ شاحب، و شفاهٌ محمرة من شدة عضّها بالأسنان. كان يحاول بكل ما أوتي من قوة ألا يُفلت سيفًا أطول من قامته وأثقل من جسده، ويداه ترتجفان.
لكنه كان مجرد طفل. مهما تعلّم المبارزة على يد أساتذةٍ عظام، كان السيف الحقيقي بحجم جسده عبئًا لا يُحتمل.
وفي النهاية، خارت قوة يديه، وسقط السيف على الأرض مُصدرًا صوتًا ثقيلًا.
وفي اللحظة نفسها، دوّى صوت صفعةٍ حادة، واستدار رأس أدريان بعنف.
“ما الذي تفعله الآن؟!”
خرج الصوت الحاد الممزق من فم دوقة أوبرون.
في ذلك الوقت، كان الدوق يمر قرب ساحة التدريب مع مساعده، فرأى كل شيء. و رآه أدريان أيضًا.
توسّل الطفل بصدقٍ بعينيه، رجاءً، ساعدني مرةً واحدة فقط. ذلك الصراخ الصامت الذي كان واضحًا حتى في عيني برايان، لكن الدوق تظاهر بعدم رؤيته وأدار ظهره.
كان يعتقد أن هذا أمرٌ لا بد من تحمّله. هل يعجز وريثه المستقبلي عن تجاوز هذا القدر؟ هكذا فكّر.
وفوق ذلك كله، كان الأمر مزعجًا. لماذا يتكبد عناء التدخل ويتحمل غضب زوجته؟
منذ ولادة ابنه، تغيّر اتجاه هوس زوجته به. وكان ذلك هو الاستخدام الوحيد الذي وجده لذلك الطفل.
ومنذ ذلك اليوم، بدا وكأن أدريان أوبرون قد نسي كيف يتمرد، واكتفى بتحمّل كل شيء.
كانت تلك أول مرةٍ يرى فيها برايان الوجه الحقيقي لأخيه غير الشقيق.
كل شيءٍ كان تكرارًا قاسيًا. مهما فعل، كانت النتيجة واحدة، فاستسلم.
كان أخوه في طفولته أشبه بدُميةٍ في يد الدوقة. إن كان برايان قد أُهمل في ذلك البيت، فإن أدريان كان يعيش مسحوقًا تحته.
وهكذا أصبح هو الوريث الذي يمدحه الجميع، وقائد أقوى فرسان الشمال.
وذلك الرجل نفسه، كان قادرًا على إظهار مثل هذا التعبير، وكان قادرًا على حمل مثل هذه المشاعر.
كانت عينا أدريان وهو ينظر إلى إليسا مليئتين بالتوسل. أكثر حتى من تلك الأيام في طفولته حين كان يتطلع إلى مساعدة الدوق.
لمجرد سببٍ واحدٍ فقط، وهو أن إليسا كانت تنظر إليه بنظرةٍ غير راضية. متمنيًا لو تقول أي شيء، أي كلام.
و ذلك الشدّ العصبي الغريب الذي كان يميل ضد طرفٍ واحدٍ فقط لم يتوقف إلا عندما دوّى صوتٌ أجشّ من الجهة الخلفية حيث كان قطّاع الطرق موثقين.
“مـ، ماذا تنوون أن تفعلوا بنا؟ أ، أقصد….ماذا ستفعلون بنا يا سادة؟!”
عندها فقط، وكأن أدريان تذكّر وجودهم، انتزع نظره بصعوبةٍ من إليسا.
كانت نظرته نحو قطاع الطرق مختلفةً تمامًا عن تلك التي كان يوجهها إليها.
بردت عيناه الحمراوان فجأة، كأن الضوء انسحب منهما في لحظة واحدة. وفي اللحظة التي وقعت فيها تلك النظرة على زعيم قطّاع الطرق، خُيّل إليه أنه التقى بعيني شيطان.
شعر بالتهديد غريزيًا. كأنه حيوانٌ عاشب صغيرٌ وُضع أمام مفترس. ورغم أن يديه وقدميه كانتا مقيدتين، أخذ يلوّي جسده بجنونٍ محاولًا الهرب.
ولم يكن ذلك بلا سبب، فأدريان أوبرون كان يقترب منه والسيف الذي أخرجه من غمده في يده. ومع كل خطوة، كان الدم يسيل من الجرح الممزق، ينساب على ذراعه ويقطر على التراب.
“أتعرف ما الذي كنتَ تجرؤ على عكسه في عينيكَ؟”
خرج صوتٌ منخفضٌ وباردٌ انغرس في أذنه. و القتل الكامن في نبرته جعل قشعريرةً تسري في ظهره.
عندها فقط تذكّر ما قاله هذا الرجل أثناء القتال، عندما استفزه بالكلام عن المرأة. أنه سيقتلع عينيه.
“ا، ارحمني! ا، ارتكبتُ ذنبًا يستوجب الموت!”
تلقّى نصل السيف ضوء الشمس، فتكسّر أمام عينيه بلمعان فضي. ثم شعر بحرقةٍ خفيفة تمر بمحاذاة خده.
رمش زعيم قطّاع الطرق مرارًا. لكن عيناه كانتا سليمتين. وحين أدار رأسه، رأى السيف مغروسًا في جذع الشجرة.
“هـ، هيك!”
عندها فقط أدرك أنه نجا بحياته بصعوبةٍ بفضل رحمة ذلك الرجل.
وفي عينيه، وقعت صورة امرأةٍ كانت تتكئ على شجرة، تراقب كل شيءٍ بتعبيرٍ مائل. حتى لو كان ذلك الرجل قد طعن عينيه حقًا، بدا وكأنها لم تكن لتتفاجأ.
ذلك السيف الحاد والقوي، المختلف تمامًا عن المبارزة السطحية التي تعلموها هم، وتلك الهيئة المعتادة على رؤية الدم. لم يكونا نبيلين عاديين، لا هو ولا هي. ولم يدرك ذلك إلا الآن، بغباءٍ مضاعف.
“فـ، فمن أنتم….مـ، من تكونون أنتم بالضبط.…؟”
وإذ رأت إليسا ذلك الغباء الذي لم يفارقه حتى النهاية، نقرت بلسانها.
“وهل معرفة الاسم تجعلكَ تعرف من نكون؟”
أمام كلمات إليسا، خفتت جرأة زعيم قطّاع الطرق وأطبق فمه.
ثم تقدمت خطوةً نحو أدريان، الذي كان ينزع السيف من الشجرة ويفحص نصله.
“انطلقتَ بكل ذلك الزخم، فلماذا لم تفعل شيئًا؟”
____________________
حلو كلنت تنتظر نافوره حمرا؟ وناسه يالسايكو🤏🏻
يضحك برايان ذاه فاهم الوضع وفاهمهم وفاهم الدنيا من يومه بزر اثاريه ذكي بس مقموع
المهم خساره ليتها سألت ادريان سؤال واحد عن يده ثم يدخل في خيالاته للمره عشر طعش😭
التعليقات لهذا الفصل " 63"