عندها أدرك برايان بمرارةٍ لماذا عاملاه وكأنه مدلّل لا يُحتمل أن يسلك هذا الطريق على ظهر حصان.
‘فإذا كان الطريق شاقًا حتى بالعربة، فكيف لي أن أقطعه على صهوة جواد؟’
بعد نحو ثلاثين دقيقة، وحين تمكن برايان بالكاد من التكيف مع الطريق الجبلي ومدّ ظهره، لمح إليسا تنظر إليه بتعبيرٍ يقول: هل يصحّ حقًا أن نأخذ مثل هذا إلى البحرية؟
“أعتذر. أخطأت. سأبذل جهدي.”
خرج الاعتذار تلقائيًا أمام نظرتها المتشككة. عندها نظرت إليسا إلى برايان، ثم انفجرت ضاحكةً بلا تحفّظ.
أما أدريان، الذي كان يراقبهما، فتبدلت ملامحه إلى عدم ارتياحٍ واضح.
وبعيدًا عن نظر إليسا، رمق أدريان برايان بنظرة تهديد، كأنه يقول: جرّب أن تتذاكى مرةً أخرى ولن أترككَ.
فشعر برايان بظلمٍ شديد.
‘انظر! إليسا نفسها لا تُبدي أي اهتمامٍ بكَ، بل لا تكلّف نفسها حتى النظر إليكَ!’
و ما إن بدأوا صعود الطريق الجبلي بالعربة، حتى أخرج أدريان بمهارةٍ شطائر ولحمًا مجففًا. وتلقتها إليسا بلا تردد، وشرعا يتناولان الطعام داخل العربة.
من وجهة نظر إليسا وأدريان، فقد اعتادا النوم والأكل على ظهور الخيل، بل إن إليسا أكلت مراتٍ كثيرة على ظهر السفينة، و على سطحها المكشوف، لذا كان هذا مقبولًا تمامًا.
أما برايان، فتلاشت آماله في أن ينزل قليلًا من العربة ليستريح.
بعد يومٍ كامل من الاهتزاز داخل العربة، شعر برايان وكأن ظهره سيتحطم، وتمنى لو يمدد جسده في أي مكان.
وفي تلك اللحظة تمامًا، جاءه صوت إليسا كأنه نداءٌ من النعيم.
“لنتوقف هنا ونخيّم.”
كان أسعد خبرٍ سمعه، لكنه في الوقت نفسه شعر بوخز الضمير.
كانت الشمس على وشك الغروب خلف الجبال، والحمرة الخفيفة لا تزال معلقةً في السماء. صحيحٌ أن الليل يحلّ مبكرًا في الجبال، لكن هذا كان مبكرًا أكثر من اللازم.
لم يكن برايان غافلًا إلى حد ألا يدرك أن السبب هو نفسه.
“يمكننا المتابعة. إن كان التوقف بسببي فلا داعي له.”
كان الوقت قد تأخر أصلًا بسبب اضطرارهم لسلوك الطريق بالعربة من أجله، وأراد على الأقل أن يقلل الهدر.
كان ذلك آخر ما تبقى من ضميره. لكن إليسا لم تعره أي اهتمام.
نظر برايان إلى أدريان، آملًا أن يقف إلى جانبه هذه المرة. إلا أنه كان قد بدأ بالفعل بإنزال الأمتعة والاستعداد للتخييم. وكأنه لا يريد أن يخالف كلمةً واحدة من كلام إليسا.
‘نعم، كان ينبغي أن أتوقع ذلك.’
انظر إلى حاله. من طريقة انحنائه من الآن، يمكن تخيل شكل حياته الزوجية مستقبلًا.
طبعًا، إن تمكّن من الزواج أصلًا بسلام.
في النهاية، لم يستطع برايان أن ينطق بكلمةٍ واحدة، وعومل كأنه مجرد حمولة.
وبينما كان أدريان يسرع في تجهيز المخيم، اقتربت إليسا منه وهو يُنزل الأمتعة. فنظر إليها أدريان بوجهٍ خالٍ من الفهم، يحدق فيها فحسب.
ثم تحدّثت له إليسا فجأة،
“اخلع.”
عندها أطلق برايان صفيرًا لا إراديًا.
تأخر إدراك أدريان لمعنى كلامها لحظة، ثم تلوّن وجهه بالارتباك. لكن إليسا ردت ببرود، وكأنها تستنكر تباطؤه.
“قلتُ، اخلعه.”
“هـ، هنا؟”
ارتجفت آخر كلماته على غير عادته، واحمرّت أطراف أذنيه بوضوح.
و ما إن رأت إليسا منظره حتى عقدت حاجبيها وتراجعت عنه خطوةً حادة، كأنها لمست قمامة.
“أي أفكارٍ قذرة هذه التي تدور في رأسكَ؟”
قالت ذلك وهي تكشر عن وجهها بلا مواربة.
“إذًا، كيف تنوي الصمود حتى العاصمة بهذا الجسد؟”
ثم رمت إليه الضماد الذي كانت تمسكه.
“الدم واضحٌ على قميصكَ، فكيف تفكر في متابعة الطريق أكثر من هذا؟”
كانت هناك جروح سيوفٍ لم تلتئم بعد، من اشتباكه مع جنود أوبرون في الشمال. ويبدو أن الاهتزاز في العربة أعاد فتحها.
قالت إليسا كلامها بنبرة ضجر، وكأنها تريد فقط التخلص من الأمر، لكن أدريان، ما إن سمعها، اندفع نحوها فجأةً وقلّص المسافة بينهما.
كانت تقلق عليه. ليس على برايان، بل عليه هو.
‘هل هذا حلم؟’
في لحظة، كانت قد ناولته الضماد وتراجعت ببرود، مبتعدةً عنه. لكن أدريان لم يكن ليضيع هذه اللحظة.
و في غمضة عين، لف ذراعه حول خصرها، مانعًا إياها من التراجع.
“ما الذي تفعله الآن—”
وضعت إليسا كفها على صدره، تدفع جسده الصلب، لكن أدريان أمسك بيدها التي كانت تدفعه، وشبك أصابعه بأصابعها.
قبض على أصابعها البيضاء النحيلة التي تَسع راحته، وأخذ يطبع القبل على مفاصلها واحدًا واحدًا، كمن يؤدي طقس تبجيل.
“هل كنتِ قلقةً إلى هذا الحد من أجلي؟”
كان أدريان يريد أن يَنفذ من أي شق، ولو كان ضئيلًا. أي فتحةٍ صغيرة تتيحها له إليسا تكفيه. بأي طريقة.
‘قولي لي يا إليسا. عن قلبكِ. عن ذاكرتكِ. عن ذكرياتكِ. أن كل شيءٍ لم يُمحَ تمامًا. أرجوكِ.’
أنتِ أيضًا، أليس كذلك؟ أنتِ أيضًا تتذكرين ذلك الزمن الخاص؟
بلا حياء، صار أدريان أوبرون يتمنى مثل هذه الأمور الآن. ولكي يعثر على أي أثرٍ لها، كان مستعدًا أن يقبّل حتى أطراف أصابع قدميها.
بل لو سمحت له فقط، لكان فعل ذلك دون تردد.
كانت أطراف أصابع إليسا التي لامست شفتيه حلوةٌ كأن السكر دُهن عليها. وشعر وكأنه سيكون سعيدًا لو ظل هكذا إلى الأبد.
لكن إليسا، منذ أن بدأ أدريان يقبّل يدها، كان وجهها مشوّهًا تمامًا. لم تكن تفعل سوى مراقبة تصرّفاته بنظرة ازدراء، وكأنها تفكّر: لنرَ إلى أي حدّ سيتمادى هذا الوغد.
لم يكتفِ أدريان أوبرون بتقبيل مفاصل أصابعها واحدًا تلو الآخر، بل قلب يدها وقبّل راحة كفّها أيضًا، ثم استنشق أنفاسًا عميقة كأنه يريد أن يشمّ رائحتها أقوى.
ثم وضع الضماد الذي ناولته له في يدها مجددًا.
وكان ما خرج من فم أدريان أوبرون أفظع من أفعاله.
“إليسا، ساعديني.”
“ماذا؟”
“افعليها أنتِ بنفسكِ. لا أستطيع الوصول بيدي. حسناً؟”
قال ذلك وهو يرمش بعينيه ببطء. ومع كل رفّةٍ لجفنيه الرقيقين، كانت رموشه الطويلة ترسم ظلًا تحت عينيه.
كانت عيناه الحمراوان تحملان نظرة عاشقٍ لا يرى في هذا العالم سوى إليسا وحدها.
شعره الأسود الذي تلاعبت به نسمة الغابة، وبشرته البيضاء التي احمرّت بخفّة تحت ضوء الغروب. ومع اقترابه، انبعثت منه رائحة ثلوج الشمال.
“هيا؟ إليسا، أنا أحتاجكِ.”
مدّ أدريان يده ومسح خدّها. في تلك اللحظة، حبست إليسا أنفاسها دون وعي.
و أمام تصرّف أدريان الحميمي، راودها وهمٌ وكأن المكان لا يضمّ سواهما.
اقترب أدريان منها أكثر، فاندفع دفؤه دفعةً واحدة، وشعرت به يختلط بها.
كان هواء الجبل المعتم قد سلب جسدها دفئه، لكن دفء أدريان تسلل إلى تلك الفراغات، ينقل دفئه إليها مباشرة.
وفي تلك اللحظة، تعلّقت أطراف نظرها بشعرٍ بنيّ غريب. و ما إن أدركت نظرة شخصٍ آخر، حتى تصلّب جسد إليسا فجأة.
عينا برايان الواسعتان المندهشتان بدتا لها تمامًا كعيون أولئك الذين كانوا يتهامسون عنها أيام الأكاديمية العسكرية.
لا بد أنهم نظروا إليها بالطريقة نفسها.
كأنها قردةٌ في حديقة حيوان.
كأنهم ينظرون إلى ابنة عاهرة.
كأنهم يرون إليسا شوتر الحمقاء القديمة، التي كانت لعبةً بين يدي أدريان أوبرون.
كشخصٍ جشع يطمع في ملابسٍ لا تليق به، فيثير الاشمئزاز.
التعليقات لهذا الفصل " 58"