نامت إليسا بعد وقتٍ قصير من انطلاق العربة، وبقيت على وضعها ذاته متكئةً إلى الجدار.
وحين انكمش جسدها قليلًا أثناء نومها، خلع أدريان معطفه الخارجي وغطّاها به.
لو كانت إليسا في حالتها المعتادة، الحساسة لأي حركة، لكانت استيقظت عند هذا القدر من التحرك، لكنها لم تفعل. فتأكد أدريان من أنها غارقةٌ في نوم عميق، ثم طرق جدار العربة طرقًا خفيفًا.
فهم السائق الإشارة وأوقف العربة ببطء. بينما جلس برايان في مكانه يحدق في أخيه ببلادة.
ما إن توقفت العربة حتى فتح أدريان الباب ونزل، ثم أشار برأسه إلى برايان الجالس كالأبله.
“انزل.”
“لماذا؟ لا تقل أنكَ ستتركني هنا لأن فكرة دخولي البحرية لا تعجبكَ؟”
“….…”
طال الصمت. وكان مريبًا.
“ستتركني فعلًا وتكملان الطريق وحدكما بينما الأدميرال نائمة؟”
“قلت لكَ انزل.”
لقد فكّر قبل قليل. لا شك أنه فكّر.
أمسك برايان بباب العربة بإحكام، خوفًا حقيقيًا من أن يتركه أدريان خلفه.
لكن ما إن رأى أدريان يصعد مجددًا إلى العربة ويجلس في المكان الذي كان هو يجلس فيه، بجانب زوجة أخيه، حتى ارتخى جسده كله وشعر بفراغٍ غريب.
هاه، فقط من أجل ذلك المقعد؟
تذمر برايان في داخله وهو يصعد إلى العربة من جديد.
لكن حين رأى أدريان يلتف بجسده بالكامل ويجلس مواجهًا لإليسا، لم يعد قادرًا على وصف الأمر بـ”مجرد”.
‘لكن زوجة أخي تبدو وكأنها لا تهتم بأخي أصلًا….’
ابتلع تلك الكلمات في داخله. يبدو أن أخاه كان يعرف هذه الحقيقة أكثر من أي شخصٍ آخر.
حين تكون مستيقظةً لا يفعل سوى مراقبة ردود فعلها، لكنه ما إن تنام حتى يحدق فيها كما يشاء، بوجهٍ يفيض سعادة.
أليس ذلك وجه رجلٍ واقعٌ في حبٍ من طرفٍ واحد، لا وجه عريسٍ مقبلٍ على الزواج؟
بدا الطريق إلى روسيريكا طويلًا وموحشًا جدًا.
***
“أوف، ما هذا الضباب الكثيف؟”
“مع ذلك انتهت عملية الاستطلاع. لنعد الآن. إن أردنا الوصول في وقت تبديل النوبات فالأمر ضيقٌ أصلًا. نيكسون! ارفع المرساة أولًا.”
“نعم! حاضر!”
كان ذلك حين كانت البحرية قد خرجت في مهمة استطلاعٍ في المضيق الجنوبي، وبدأت لتوها بتغيير اتجاه مقدمة السفينة.
“انتظروا! هناك، في اتجاه الجنوب الغربي! أرى شخصًا!”
“هل أنتَ متأكدٌ أنه شخص؟ ألا يمكن أن يكون خطأً بسبب الضباب؟”
“لا، كان شكل إنسانٍ يحرك ذراعيه بوضوح….”
في تلك اللحظة، سُمع من بعيدٍ صوت طنين خافت.
كان صوتًا ضعيفًا جدًا، يكاد يضيع بين هدير الأمواج، لكنه كان أعلى وأدق من أن يكون صوت البحر.
“أسمع صوتًا! يبدو كصوت إنسان!”
“الجنوب الغربي؟”
“نيكسون! بلّغ الكولونيل فورًا! سنوجه مقدمة السفينة نحو الجنوب الغربي!”
“نعم! حاضر!”
كان الجندي البحري الصغير نيكسون يركض اليوم أيضًا هنا وهناك بنشاط.
ومع تغيير موضع الأشرعة والتقاط الريح، بدأت مقدمة السفينة تدور ببطء. وبينما كانوا يمسحون سطح البحر بدقة—
“هناك! أرى شخصًا! إنه يطلب النجدة!”
عثروا على رجلٍ يحتضن لوحًا خشبيًا، بدا كأنه انفصل عن سفينةٍ غارقة.
ألقت بحرية روسيريكا حبلًا وسحبوا الرجل إلى ظهر السفينة. و قدموا له ماءً دافئًا، ولفّوا جسده المتجمد ببطانية سميكة.
“هل أنتَ بخير؟”
“شكرًا لكم. لقد أنقذتم حياتي. شكرًا جزيلًا.”
“كيف تعرضت سفينتكَ للغرق؟”
وعند سؤال نيكسون، صرخ الرجل بصوت عالٍ.
“أرجوكم، أرجوكم انتقموا منهم. قد يكون جميع رفاقي قد قُتلوا على يد أولئك القراصنة!”
ارتبك نيكسون قليلًا من التغير المفاجئ في موقف الرجل.
“إنهم ليسوا بعيدين. ربما لم يبتعدوا كثيرًا وهم ينهبون البضائع من سفينة تجارتي. أرجوكم، أرجوكم.”
“ما هذه الضجة؟”
“الكولونيل فيتزجيرالد. هذا أحد الناجين من سفينة تجاريةٍ تعرضت لهجوم قراصنة. أنقذناه للتو.”
“هل كان وحده؟”
“نعم، حتى الآن لم نعثر إلا على شخصٍ واحد. ما زلنا نبحث في الجهة الأخرى.”
كان عند طرف إصبع نيكسون بحّارةٌ يفتشون البحر بالمناظير من فوق السطح.
“أأنتَ قائد هذه السفينة؟ أرجوكَ أنقذ رفاقي. إن طاردتم سفينة القراصنة فورًا فقد نتمكن من إنقاذهم! أرجوكَ؟”
يبدو أن الشخص الذي أُنقذ من السفينة التجارية الغارقة أدرك بغريزته أن إينوك هو صاحب القرار، فزحف على ركبتيه وتشبث بساق بنطاله.
“ما اسمكَ؟”
“آه، أ، أنا رويل.”
“ما اسم السفينة التي غرقت؟”
“ذلك….كانت سفينة رنداين.”
“وماذا كانت تحمل من بضائع؟”
“كانت محمّلةً بالتوابل.”
“وغير ذلك؟”
“نعم؟”
“هل كانت سفينةً تحمل التوابل فقط؟ ألم يكن هناك شيءٌ آخر؟”
“نعم، نعم، نحن نتاجر أساسًا بالتوابل.”
“كم كان عدد من على متن السفينة التجارية؟”
“ذلك….أظنهم كانوا نحو عشرين شخصًا، بمن فيهم الملاحون.”
“حسنًا.”
“أ، أهذا كل شيء؟ يجب أن تمسكوا بالقراصنة.”
“الأمر صعبٌ الآن. هذه سفينة استطلاعٍ و—.”
“ولِمَ؟! رفاقي هناك! قد يكون مواطنو سيفيا محتجزين! كيف للبحرية أن تتركهم وتفرّ هاربة! وهل يحق لكم بعد ذلك أن تحملوا اسم بحرية سيفيا؟”
كان رويل يصرخ بأعلى صوته، بينما كان إينوك ينظر إليه بصمت، ثم فتح فمه من جديد.
“هل تعرف شكل سفينة القراصنة وحجم عصابتهم؟”
“آه، نعم أعرف! كانت تحمل أشرعةً سوداء، وكانت أصغر مما توقعت. كانت أصغر من سفينتي التجارية، لذا فلا بد أنها كانت سفينةً سريعة! أما عددهم فـ….”
بدأ رويل يفيض بمعلوماتٍ لم يسأله عنها إينوك أصلًا. فارتسم الشك العميق في عيني إينوك.
حين طُلب منه أن يشرح معلوماتٍ عن سفينته التجارية، كان يتلعثم بالكاد ويكمل كلامه بصعوبة. وحتى وهو يصرخ متوسلًا لإنقاذ رفاقه، لم يكن يعرف على وجه الدقة حتى عدد من كانوا على متن السفينة.
ومع ذلك، كيف يحيط بكل هذه التفاصيل الدقيقة عن سفينة القراصنة التي هاجمتهم؟
وفوق ذلك، في يومٍ يلفه هذا الضباب الكثيف، كيف تمكن من رؤية كل ذلك؟ هل رآه بعينيه فعلًا؟
كونه الناجي الوحيد من سفينةٍ تعرضت لهجوم قراصنة، ثم إنقاذه في التوقيت المناسب تمامًا، كان أمرًا مريبًا أيضًا.
قد تكون نقاطًا يمكن تجاوزها، لكن حاسة إينوك الحادة، المشحوذة، كانت تلتقط كل شيء.
“لنعُد إلى ميناء روسيريكا. غيّروا اتجاه مقدمة السفينة.”
تفاجأ رويل بكلام إينوك، فتشبث به من جديد.
“بـ، بهذا الحجم أليست مجرد عصابة قراصنة صغيرة جدًا؟ لماذا لا تذهبون فورًا لإنقاذ رفاقي بهذه السفينة الكبيرة! أليست مجهزةً بالمدافع؟”
“إن كان هناك رهائن داخل سفينة القراصنة فلن نتمكن من إطلاق المدافع. سنقتل رفاقكَ مع القراصنة.”
عند كلام إينوك، أغلق رويل فمه لوهلة قصيرة، لكنه سرعان ما فتحه مجددًا بوجهٍ ممتلئ بالغبن.
“لكن أليس من الممكن أن يُقتل رفاقي على يد القراصنة في هذه اللحظة!”
“حتى لو كان الأمر كذلك، لا يمكننا القضاء على القراصنة بعدد أفراد دورية استطلاعٍ فقط. تعال معنا إلى روسيريكا. بما أنكَ الناجي الوحيد، فكلما زودتنا بمعلوماتٍ أكثر، تمكّنا من القضاء على القراصنة بسرعةٍ أكبر.”
نظر رويل إلى إينوك بوجهٍ غير راضٍ، لكن شيئًا لم يتغير.
وفي النهاية، لم يستطع إخفاء امتعاضه وحدّق في إينوك بنظرةٍ حانقة. فحاول بعض البحارة الآخرين تهدئته قائلين إنه لا حيلة لهم.
استدعى إينوك نيكسون وعددًا من البحارة الأقوياء إلى جانبه، ثم أعطاهم أوامره في طرف من سطح السفينة، بعيدًا قدر الإمكان عن رويل.
“اقتادوه فور وصولنا إلى الميناء كي لا يتمكن من الهرب. وحتى تعود الأدميرال، لا تفرّطوا به أبدًا.”
“نعم، مفهوم.”
لم يشككوا في أوامر إينوك ولو للحظةٍ واحدة. كانوا يعلمون أكثر من أي شخصٍ آخر أن من يتولى قيادة البحرية في غياب إليسا هو إينوك فيتزجيرالد.
و في فجرٍ لم يطلع فيه النهار بعد، وميناء يكتنفه الضباب الكثيف. ما إن أصدرت السفينة صوت صرير حاد وهي ترسو في الميناء، حتى أمسك البحارة بذراعي رويل بإحكام.
“ما الذي تفعلونه! إلى أين تأخذونني!”
راح رويل يصرخ بأعلى صوته، لكن البحارة كمّموا فمه، وعصبوا عينيه. ولم يكن له سوى أن يُسحب بعنفٍ إلى مكانٍ ما، تحت قبضاتٍ قاسية.
التعليقات لهذا الفصل " 56"