لم يكن ذلك الصوت الحاد الطفولي المرتفع من طفولته البعيدة التي باتت ذكرياته فيها باهتة، بل صوتٌ مألوف، أخفض قليلًا وأكثر هدوءًا، ظل يرن قرب أذنه.
نهضت إليسا التي كانت متكئةً بزاويةٍ على الحائط بجانب السرير.
“آه، منذ متى وأنتِ هناك؟”
انفلت صوته أجشًّا متشققًا. وحين تنحنح أدريان، ناولته إليسا كوب ماءٍ من المنضدة الصغيرة بجانب السرير.
“لا أدري، منذ ساعة أو ساعتين تقريبًا؟”
“وماذا كنتِ تفعلين؟”
“لا شيء، مجرد تفكير.”
“تفكير في ماذا؟”
“مجرد….أفكارٍ من نوع ماذا سيحدث لو متَّ هكذا.”
“إذًا، كنتِ تتمنين موتي.”
“لا.”
“لا؟”
“نعم.”
“لماذا؟”
“لأنني حصلتُ من الملكة على أشياء كثيرة جدًا مقابل شرط الزواج منكَ.”
“…….”
“لذلك لو متَّ، فقد يصبح الأمر مزعجًا بعض الشيء.”
أعادت إليسا تأمل وجه أدريان الذي كانت تنظر إليه طوال ساعةٍ كاملة.
كان وجهه الشاحب الطافي كأنه بلا لون، بينما تدلى شعره الأسود من خديه ليغطي نصف وجهه. وبسبب هذا التباين، بدا أكثر شحوبًا. كأنه شخصٌ سيموت قريبًا.
استدار أدريان واستلقى على جنبه. ومع كل حركة، كانت الجروح السوداء المنتشرة في جسده تحتك بثيابه فتجعله يقطب أنفه ألمًا. ومع ذلك، أصرّ على أن يستدير.
وحين استلقى رافعًا نظره إليها، برزت حدة أنفه بشكلٍ لافت، وانعكس فوقه ضوء القمر بلونٍ أزرق باهت.
“لقد أصبح زواجًا سياسيًا خالصًا الآن.”
“ومتى لم يكن كذلك؟”
على الأقل بالنسبة لأدريان، لم يكن كذلك. لأنه لم يحصل على أي شيءٍ مقابل زواجه من إليسا.
حتى وهو يبرم عقدًا جائرًا استغلته فيه الملكة، لم يندم أدريان. لأنه استطاع أن يقنع نفسه وحده بأنه ليس زواجًا سياسيًا.
ففي الجانب الخفي من منجم هايلو، كانت تختبئ مثل هذه النوايا الدنيئة. كانت رغبةً مظلمة لم يستطع أن يخبر بها إليسا ولو لمرةٍ واحدة.
“إليسا.”
“ماذا.”
“حين نعود إلى الجنوب، لنذهب لاختيار الفساتين معًا.”
“يجب أن نفعل ذلك.”
كانت عينا إليسا اللتان تنظران إليه ما تزالان فارغتين.
ذلك البريق الذهبي المتلألئ حين ترى البحر، وذلك التركيز المرعب حين تطلق البندقية الطويلة، و تلك النظرة المفعمة بالمحبة نحو إينوك فيتزجيرالد، كلها لن تأتيه أبدًا طوال حياته.
ومع ذلك، كان أدريان أوبرون قد عزم الآن على أن يعيش بقية حياته وهو يرى تلك العينين.
وقرر أيضًا أن يتقبل الافتراض المشؤوم بأن إليسا قد تتخذ عشيقًا في مستقبلٍ غير بعيد.
لأن لا شيء من ذلك يضاهي خوفه من ألا يتمكن من رؤية إليسا شوتر طوال حياته.
حتى لو كان الأمر شكليًا، فلا بأس. حتى لو كان مجرد قشرة، فهو راضٍ. كان يتمنى فقط أن يُكتب اسمه إلى جانب اسم إليسا شوتر.
بعد أن تخلّى عن أطماعه القذرة والدنيئة، قرر أن يتطلع إلى شيءٍ واحدٍ فقط.
***
بعد ذلك، أظهر أدريان أوبرون قدرة تعافٍ جنونية. وفي اليوم الذي مرّ فيه أسبوعٌ كامل بالضبط على نهوضه من فراشه، تحدّث إليها أدريان أوبرون،
“لنعد إلى الجنوب.”
و لم يكن لدى إليسا، التي لم تجد سببًا للرفض، سوى أن تهز رأسها موافقةً من دون كلام.
لكن دوقة أوبرون، التي لم يرق لها أن يغادر أدريان القصر الدوقي بهذه السرعة، عادت لتصرخ كل ليلة.
“تلك المرأة لا تكترث بكَ أصلًا، فلماذا تذهب إلى الجنوب وتضحي بحياتكَ من أجلها! ها؟ أرجوكَ، فكّر بهذه الأم ولو مرة، وابقَ في الشمال….”
كانت دوقة أوبرون هذه المرة ترى الحقيقة على نحو دقيق. لكن أدريان، الذي ضاق ذرعًا بها، قدّم موعد الاستعداد للسفر من خمسة أيامٍ إلى ثلاثة فقط، فاضطرت ثورتها إلى التوقف.
وعند كلمات برايان، لم تستطع إليسا إلا أن تنفجر ضاحكة.
“إليسا.”
في تلك اللحظة، جاء صوت أدريان من خلفها. فاستدارت إليسا وملامح الضحك لم تختفِ تمامًا عن وجهها بعد.
بدا أن وجه أدريان وهو ينظر إليها قد تصلب قليلًا، لكن تلك الملامح اختفت بسرعةٍ شديدة لدرجة أن إليسا ظنت أنها توهمت، فنسيت الأمر سريعًا.
“انتهينا من صيانة عربة الأمتعة. سنحمّل أمتعتكِ أولًا.”
“حسنًا.”
قالت ذلك وهي تدير ظهرها لبرايان. وبعد أن جمعت بعض الملابس وسيفها وعدة أنواعٍ من الأسلحة، لم يبقَ ما يمكن تحميله.
وبينما كان أدريان يربط سيف إليسا أخيرًا في عربة الأمتعة، سألها بنبرةٍ عابرة كأنه يلقي السؤال إلقاءً،
“بماذا كنتِ تتحدثين مع برايان قبل قليل؟”
“آه، لا شيء مهم.”
لم تستطع أن تقول صراحةً أنه سخر من أمه، فاختلقت عذرًا. وحتى أدريان لم يكن قد ألقى كلمته إلا لكسر الصمت، ولم يكن فضوليًا إلى ذلك الحد، فلم يزد في السؤال، بل استدار متجهًا لتفقد العربة.
***
بعد ثلاثة أيام، من دون حتى توديع دوق أوبرون أو الدوقة، انطلق أدريان وإليسا في رحلة العودة إلى روسيريكا.
وبالطبع، كانت الدوقة أكثر من أرادت الخروج، لكنها لم تجرؤ في النهاية على ذلك بسبب تهديد أدريان.
وبعد أن فحص أدريان حوافر الخيول وعجلات العربة للمرة الأخيرة، صعد إلى العربة وجلس مقابل إليسا.
وكان على وشك إغلاق الباب حينها،
“آه، لحظة.”
مدّت إليسا يدها وأمسكت بباب العربة. ومن بعيد، ظهر برايان يركض وهو يلهث، يحمل حقيبة ملابس.
“لماذا هذا هنا.…”
لكن أدريان لم يُكمل جملته. إذ إن برايان دسّ جسده بسرعةٍ من باب العربة الذي كانت إليسا تمسكه.
“لم أتأخر، أليس كذلك؟ هل صحيحٌ أنني لم أتأخر؟”
“اجلس بسرعةٍ في مكانكَ. سننطلق فورًا.”
نظر برايان بالتناوب إلى أخيه، الذي كان على النقيض تمامًا من زوجة أخيه التي بدت وكأن وجوده أمرٌ بديهي.
كان أدريان يسبّه بعينيه. ‘لماذا صعدتَ إلى هنا؟’
وأمام تلك النظرة المشوبة بالضيق، دبّت روح العبث في برايان. فجلس مترنحًا بجانب إليسا، وهو يحمل حقيبة الملابس الكبيرة.
وفي تلك اللحظة، اتسعت عينا أخيه على مصراعيهما. كأنه قادرٌ على قتله بنظراته في أي لحظة.
لكن زوجة أخيه لم تكن تعلم شيئًا.
‘حقًا، هل كانت لا تبالي بأخي إلى هذا الحد؟’
زوجة أخيه، المشهورة أكثر بلقبها كأدميرال في البحرية ذات الشعر الأحمر، لم تفعل سوى أن طرقت مقدمة العربة بخفةٍ وأمرت بالانطلاق.
“ما الذي جعله يصعد أصلًا؟”
ولأنه لم يستطع أن يحدق في زوجته، صبّ أدريان نظرته القاتلة على أخيه بينما سألها.
“آه، ألم أخبركَ؟ سآخذه إلى البحرية.”
“ماذا؟”
“لماذا كل هذا الذهول؟”
“ولِمَ أصلًا؟”
“البحرية دائمًا تعاني نقصًا في الرجال. أنتَ تعرف. خريجو الأكاديمية العسكرية ما زالوا يتهربون من البحرية قبل أي شيءٍ آخر.”
“لا، لكن مع ذلك!”
“وما المشكلة هذه المرة؟”
وعند موقفها الذي بدا وكأنه يتأفف، وهي تضغط على جبهتها، عضّ أخوه شفتيه بقوة. كان تعبيره الجريح واضحًا لدرجة جعلت برايان ينقر لسانه في داخله.
ومع أنه لا يبدو راغبًا في أن يُساق إلى البحرية، أو بالأحرى، لا يريد أن يُربط مباشرةً إلى جانب الأدميرال، إلا أن أخاه اضطر في النهاية إلى فتح فمه والرد على خطيبته.
“هذا الفتى لا يعرف حتى أساسيات السيف.”
‘لا، هذا الأخ!’
كلام أخيه لم يخدش مشاعر زوجته، بل خدش مشاعر برايان.
هو يعرف ذلك بنفسه. صحيحٌ أن والده لم يعلمه، لكنه تعلم بالقليل الذي التقطه بعينيه وأذنيه.
بل إنه اقتطع من مصروفه الذي كان والده يرسله شهريًا واستأجر معلمًا للسيف. و لم يدم الأمر سوى بضعة أشهر قبل أن يُكشف، فيُقطع عنه المصروف.
والإذلال الذي تلقاه في بيت دوق أوبرون بعد أن عاد مفلسًا….مجرد تذكره الآن كان يجعل أسنانه ترتجف.
وهكذا تعلّم على الأقل حرف “السيف” من فن المبارزة.
لكنه لم يفعل سوى أن استشاط غضبًا، ولم يستطع في النهاية أن ينطق بدفاعٍ عن نفسه.
أليس هذان الاثنان من خريجي الأكاديمية العسكرية؟
أولئك الذين نقشوا في أجسادهم إتقان السيف والرمح، وحتى فن القتال بالحراب* الذي لم يمضِ وقتٌ طويل على دخوله الإمبراطورية.
*فن مبارزه مالنا دخل
وبنظرهم، لا بد أن مبارزته ليست سوى مهزلةٍ ناقصة لا تساوي نصف قرش.
“إذًا، حسنًا. يمكننا استخدامه كمجدّف.”
لكن ما هذا الكلام بحق! على الأقل، لا ينبغي أن يخرج مثل هذا الكلام من فم زوجة أخيه!
‘هذا ليس ما تم الاتفاق عليه!’
“ماذا؟”
“على أي حال، كلما كثر الرجال كان أفضل.”
“لا، لكن أليس هذا إخلالًا بالوعد!”
“المجدّف أيضًا تابعٌ للبحرية. فإذا دققنا، فهذا ليس خداعًا.”
قالت إليسا تلك الجملة، ثم استلقت على ظهر المقعد وأغمضت عينيها، وكأنها لم تعد ترغب في التعامل مع الاثنين.
حينها أيقن برايان. هذا انتقام. انتقامٌ على تلك الجملة التي قالها يومًا باستخفاف، حين اعتبر أن بحريتها مكانٌ يمكن لأيٍ كان أن يدخله.
_____________________
تضحك انتقمت على طول ماتوفر🙂↕️
اول ماقام وشافها قدامه الصدق حسبته بيبكي مره ثاني او انه استسلم يخليها تحبه بس اشوا جاب طارب محل الفساتين الي ماراحوا له🤏🏻
بس شكله خلاص يأس انها تحبه على الاقل بيقعد معها 😂 صدق مسكين
المهم برايان ذاه واضح بيسوي لنا فعاليات يعني اولها الحين يخلي ادريان يغار ✨
التعليقات لهذا الفصل " 55"