منذ ذلك اليوم، عانت إليسا من حمى شديدةٍ استمرت ثلاثة أيامٍ كاملة.
و لم يكن دوق روسيريكا ليعلم بذلك، لأنه لم يدخل غرفتها ولو مرةً واحدة.
لكن رهبة تلك الحياة الصغيرة التي انقطعت بين يديها، والثمن الذي دفعته إليسا مقابل الحمى، كانا كفيلين بأن يحرراها من بيت دوق روسيريكا المرعب.
لم يُدخل دوق روسيريكا ديرين إلى الأكاديمية العسكرية، بل أدخل إليسا. نعم، إليسا شوتر التحقت بالأكاديمية العسكرية هربًا من شبح أمها الميتة.
وهناك، في تلك الأكاديمية، التقت بأدريان أوبرون.
ومن المكان الذي نبذها فيه، هربت مرةً أخرى إلى البحرية.
وهكذا، هربت وهربت، إلى أن عادت في النهاية إلى بحر روسيريكا.
كانت إليسا تعرف الآن أكثر من أي أحد. لم يكن هناك مكانٌ يمكن الهروب إليه، والمكان الذي وصلت إليه بعد كل ذلك الهرب لم يكن سوى نقطة البداية.
ولذلك، كان لا بد لإليسا أن تمتلك ذلك المكان الآن.
نظرت إلى دوق أوبرون الذي كان يتأملها بعينين مليئتين بالاهتمام، فابتسمت له وأخفت ملامحها بمهارة.
“أتذكر أنني في صغري، أطلقتُ النار للمرة الأولى واصطدت طائرًا. لم أكن أعلم أن ميدان الصيد ذاك كان ميدان صيد دوق أوبرون.”
“أوه نعم! تتذكرين. لقد عرفتكِ منذ ذلك الحين. قلتُ لنفسي أنكِ ستصبحين جنديةً ذات بأس ٍعظيم.”
“هذا لطفٌ زائد.”
“بعد الزواج، هل ستأتين إلى الشمال؟”
“لا. سأبقى في الجنوب.”
“إذًا، على الأقل لن تثيري ضجةً إن اتخذ زوجكِ عشيقة.”
من جانبها دوّى صوت طقطقةٍ حادة، إذ تعمدت دوقة أوبرون إسقاط الشوكة والسكين على الأرض.
تقدم الخدم بحذر، و التقطوا أدوات المائدة، ووضعوا شوكةً وسكينًا جديدتين على الطاولة. لكن الدوق، وكأنه اعتاد الأمر، لم يلقِ على زوجته نظرةً واحدة، وتابع حديثه.
“سألتني زوجتي عن عشرات النساء لتزويج ذلك الوغد. وكان بينهن من عرضت مهرًا يكفي لإدخال قلعةٍ كاملة إلى بيت الدوقية.”
“أليس ما جلبته أنا من عند جلالة الملكة كافيًا؟”
عند كلمات إليسا، انفجر الدوق ضاحكًا بصوت عالٍ.
“بالتأكيد يكفي. بل يزيد ويفيض. ألم تجلبي أثمن ما يمكن؟ ولهذا تجلسين الآن في هذا المكان.”
شعرت إليسا برغبةٍ في التقيؤ، وكأنها تريد أن تلفظ كل ما أكلته بالكاد.
كان دوق أوبرون يتعامل معها ومع أدريان كما لو كانا قطعة لحمٍ بقري موضوعةٍ على هذه المائدة.
عيناه كانتا كعيني جزارٍ يقدّر أي جزء هو الأغلى، ومن سيدفع الثمن الأعلى ليأخذ بقرته.
لكن يبدو أن أذني الدوقة أوبرون لم تسمعا كل كلام الدوق إلا على أنه مديحٌ موجهٌ إلى إليسا.
“لا أشعر أنني على ما يرام، أستأذن بالانصراف أولًا.”
قالت دوقة أوبرون ذلك، من دون أن تلقي على إليسا نظرةً واحدة، وغادرت قاعة المأدبة.
نظر دوق أوبرون إلى ظهرها المنسحب، ونقر بلسانه مرةً واحدة. و ذلك الصوت القصير كان الاهتمام الوحيد الذي أبداه تجاهها طوال المأدبة.
“يا دوق، لدي طلبٌ واحد.”
“وما هو؟”
“أرغب في اصطحاب برايان نورث معي إلى الجنوب.”
ما إن انتهت كلمات إليسا حتى خيّم صمتٌ كثيف على قاعة المأدبة، كأنها سُكبت عليها مياهٌ باردة.
ضيّق دوق أوبرون عينيه محاولًا استكشاف نواياها. لكن بعدما عجز عن قراءة أي شيء، اضطر أخيرًا إلى الكلام.
“وما السبب؟ هل تخشين أن ينتزع ذلك الطفل مكانة وريث دوق أوبرون من أدريان؟”
“وكيف يمكن ذلك؟”
“إذاً، قولي السبب.”
“أود أن أسمع أولًا سبب عدم قدرتكَ على إرساله.”
“ذلك الطفل ورقةٌ مفيدة في يدي.”
“ورقةٌ تُستخدم لابتزاز أدريان، أليس كذلك؟”
أطبق دوق أوبرون شفتيه، وراح يتفحص إليسا بعينيه من الرأس إلى القدم، كأنه يحاول قراءة ما يدور في ذهنها.
“أتظنين أن الورقة الوحيدة التي أملكها هي برايان؟”
‘هل أصبح كثرة الأبناء غير الشرعيين، أمرٌ يدعو للفخر؟ حقًا.’
كادت إليسا أن تنطق بتلك الكلمات، لكنها عضّت على لسانها في اللحظة الأخيرة.
“يا دوق، كم تظن أن لساني ثقيل؟”
“أثق أنكِ ستسترين حتى عيب خطيبكِ.”
“بل هو عيب والد خطيبي.”
“…….”
“ألم يخطر ببالكَ أن حركةً واحدة من لساني قد تجعل أدريان يصبح دوق أوبرون أسرع مما تتوقع؟”
“أيتها الوقحة! كيف تجهلين أنكِ قد ركبت القارب ذاته مع بيت أوبرون، يا لهذه الغبية!”
“لا، أنتَ مخطئ. أنا عقدت الصفقة مع جلالة الملكة. وجلالة الملكة هي من لبّت طلبي.”
“ماذا؟”
“ووفق حساباتكَ، أليس من المحتمل أنني ركبت القارب ذاته مع جلالة الملكة؟”
قالت إليسا ذلك، ثم التقطت الشوكة والسكين وبدأت بتقطيع اللحم البقري، و غرست الشوكة في القطعة ورفعتها إلى فمها. لكن لم يكن طعام الشمال على ذوق إليسا.
بينما كان دوق أوبرون لا يزال عاجزًا عن كبح غضبه، يحدّق في إليسا بنظراتٍ حادة، لكنه لم يفعل أكثر من قبض يده بقوةٍ محاولًا كتم غيظه، من دون أن يجرؤ على تفريغه فيها بعد الآن.
لا بد أنه أدرك أنها تستطيع في أي وقتٍ أن تذهب إلى الملكة وتغيّر شروط هذه الخطبة. وكان يبذل قصارى جهده ليقبض على مصلحته ولا يفلتها من يده.
فوضعت إليسا المنديل جانبًا ونهضت من مكانها.
“شكرًا على حسن الضيافة. إذاً، سأنتظر حكمتكَ يا دوق.”
***
بعد انتهاء المأدبة. طُرق باب غرفة الضيوف حيث كانت إليسا تستريح وحدها.
كانت تعرف مسبقًا من يكون الطارق. فباستثناء برايان نورث، لم يكن في هذا القصر من قد يكون لديه شأنٌ معها. وحين فتحت الباب، كان برايان واقفًا هناك كما توقعت.
“سمعتُ من والدي. بفضلكِ، سيخف استدعائي المتكرر إلى هذا القصر البغيض.”
لم تنتظر إليسا حتى يُكمل حديثه، بل مدت يدها فورًا. و مال برايان برأسه باستغراب ثم وضع يده فوق يدها.
فتجعد جبين إليسا في الحال.
“المفتاح.”
“آه، ظننتكِ تطلبين مني أن أرافقكِ إلى غرفة أخي.”
“أما سبق لكَ أن قمتَ بمرافقة؟ لو كان الأمر كذلك، لكنتَ قد مددتَ ظهر يدكَ.”
“أعرف ذلك.”
تمتم برايان بتذمر وهو يناول إليسا مفتاحًا صغيرًا.
“اذهبي. قال الطبيب أنه لا توجد مشكلةٌ في جسده سوى الجرح.”
قبضت إليسا على المفتاح الذي أعطاه لها وخرجت إلى الرواق. وبينما كانت تتجاوزه لتتجه نحو غرفة أدريان، أمسك بها برايان.
“سأسألكِ شيئًا واحدًا.”
“ما هو؟”
“لماذا أردتِ هذا المفتاح إلى هذا الحد، لدرجة أنكِ لبّيتِ طلبي؟”
“….هناك عيونٌ كثيرة.”
“ماذا؟”
“أليس غريبًا أن تتجاهل خطيبةٌ خطيبها المصاب تمامًا؟”
قالت ذلك فقط، وتركت برايان وحيدًا في الرواق، ومضت نحو غرفة أدريان.
وحين اختفت إليسا عن الأنظار، بقي برايان واقفًا وحده، يهز رأسه يميناً ويساراً.
“هل يعيش النبلاء جميعهم بهذه الطريقة المرهقة؟”
لكن إليسا كانت تعلم. كانت تعلم أنها، قبل أن تجيب برايان، ترددت لوهلةٍ قصيرة جدًا.
حتى هي نفسها لم تعِ ذلك. لم تعرف لماذا لبّت طلبه غير المعقول، ولماذا أصرت إلى هذا الحد على انتزاع ذلك المفتاح الصغير.
سارت إليسا نحو غرفة أدريان أوبرون، محاوِلةً أن تتوقف عن التفكير.
‘لا بد أن يكون ذلك هو السبب، لا شيء سوى الواجب، سوى التمثيل.’
لا يمكن أن يكون هناك معنى آخر.
لا يمكن.
***
لم يكن أمام أدريان سوى أن يحدّق في إليسا الصغيرة الواقفة أمامه.
كانت تلك الطفلة موجودةٌ فقط في ذاكرته.
إليسا شوتر ذات العشر سنوات، تجلس على كرسيٍ مرتفع في قاعة الحفل، تتأرجح ساقاها اللتان لا تبلغان الأرض، وهي تأكل مثلجات الليمون.
ساقان صغيرتان، قدمان صغيرتان، حذاءٌ صغير.
كل ما فيها كان صغيرًا.
“سأخرجكَ من هنا.”
عندما مدت إليسا يدها الصغيرة نحوه وقالت ذلك، أدريان أدرك فجأة.
إنه حلم. لم تقل له إليسا مثل هذا الكلام قط.
ومع ذلك، شدّ أدريان على يد الطفلة الصغيرة بقوة. حتى لو كان حلمًا، فلا بأس. شعر أنه لا مانع من ألّا يستيقظ أبدًا.
ففي مكان لا تزال فيه إليسا تحب مثلجات الليمون، ولا تكره أدريان أوبرون بعد، كان مستعدًا لأن يظل حبيسًا إلى الأبد.
لكن، وكأنها قرأت ما في داخله، هزّت إليسا الصغيرة رأسها نفيًا. فاهتز شعرها الأحمر المربوط بضفيرتين، ومسّ وجنتيها الطريتين الممتلئتين.
“لا يجوز.”
ثم فجأة، تركت إليسا الصغيرة يده، طَق-
“عليكَ أن تعود.”
لا، لا.
نهض أدريان فجأةً من مكانه.
“لا، لا تذهبي.”
تلاشى الإحساس بالتحليق في الهواء. واختفت الطفلة الصغيرة ذات اليدين والقدمين الصغيرتين من أمام عينيه كسراب.
وبدلًا من ذلك، كانت إليسا شوتر تقف أمامه، متكئةً بزاويةٍ على الحائط، تنظر إليه وهو ممددٌ على السرير.
____________________
اهاااا قابلها وهم صغار الصدق ماتوقعت عشان كذا حبها في الاكاديميه اجل
طيب كله منك دامك ماتبيها تكرهك كذا علمها وش قلت وهي شاربه!
المهم إليسا كانت خايفه عليه ولا؟ هااااااهاهاعاها
برايان ونيس ابيه يطلع اكثر وناسه لو يقرب من اليسا عشان ينرفز ادريان شوي😂
التعليقات لهذا الفصل " 54"