“لا أحتاج إلى لقبٍ آخر غير روسيريكا، ولا إلى اسم عائلةٍ غيره.”
“كنت أظن أنني لن أُفاجأ بكلامكِ بعد الآن.”
“أعتذر.”
“ولا أدري كم مرةً سمعتُ منكِ اليوم كلمة أعتذر.”
“وأنا لا أجرؤ على تخيّل خيانةٍ أتصور فيها نفسي أعتلي مقام دوق روسيريكا في الوقت الراهن.”
“إذاً، ما الغاية من قولكِ هذا لي الآن؟”
“أرجو فقط أن تتذكري ولائي.”
“وما معنى ذلك؟”
“سيأتي يوم، لا بدّ أن أصبح فيه صاحبة ذلك اللقب. سأجعل ذلك اليوم يأتي، وكل ما أطلبه من جلالتكِ أن تتذكري حتى ذلك الحين ولائي الذي قدمته لكِ.”
كانت إليسا شوتر تنطق بالولاء، وتُظهر في ظاهرها صورة الخادمة المخلصة، غير أن عينيها كانتا كالشمس المتقدة.
كانت تتحدث عن أمرٍ مستحيل كما لو كان مستقبلًا محتومًا.
ولبرهةٍ طويلة، عجزت الملكة عن الرد.
حاولت آن ماري أن تقرأ ما في عيني إليسا، لكنها لم تستطع أن تستخلص سوى أمرٍ واحد: تلك العينان المتوهجتان بحرارة الشمس تبدوان مستعدتين لإحراق كل شيء.
وعندما يحين الوقت، فلن تتردد إليسا شوتر في أن تحرق نفسها وقودًا لطموحها.
أدركت الملكة آن ماري حدسًا أن عليها أن تبدأ الاستعداد من الآن. حين تضطرب مسألة الخلافة في بيت دوق روسيريكا، من ستدعم؟ ومن ستجعل عدوًا؟ ومن ستجعله حليفًا؟
وأي خيارٍ سيكون أنفع عندما تعتلي ابنتها عرش سيفيا؟ وإلا، فإن ابنتها الصغيرة الساذجة قد تُلتهم بلا حول ولا قوة أمام تلك العينين الذهبيتين الشبيهتين بالشمس.
“….يبدو أن طموح الأدميرال شوتر أعظم مما توقعت.”
“جلالتكِ تثنين عليّ أكثر مما أستحق.”
“سأنتظر ذلك اليوم.”
“شكرًا لكِ.”
“هل ستتوجهين مباشرةً إلى إقليم أوبرون؟”
“نعم.”
أومأت الملكة برأسها علامة الإذن. فجمعت إليسا كل الوثائق المختومة بختم الملكة، ونهضت وقدّمت التحية.
وقبل أن تخطو خارج الحديقة، نادتها الملكة للمرة الأخيرة.
“الأدميرال شوتر، دعيني أسألكِ شيئًا.”
“تفضّلي يا جلالتك.”
“هل أفهم من مجيئكِ لاستعادة هذا من أجل أدريان أنكِ قبلتِ قلبه؟”
“لا. أنا أنتقم منه الآن.”
غادرت إليسا شوتر الحديقة الملكية بعد أن تركت خلفها هذا الجواب البارد. وحين اختفى أثرها تمامًا خلف أسوار الحديقة، نَقرت الملكة لسانها.
“تسك….كلاهما ما زال أمامه طريقٌ طويل.”
فالجنديان الشابان اللذان سيحملان مستقبل سيفيا على عاتقهما قد يكونان بارعين في السياسة، لكن لا نصيب لهما من الفطنة في شؤون الحب.
***
“آه….البرد قارس.”
داخل العربة، نفخت إليسا في يديها لتدفئهما.
قبل أيامٍ قليلة، حين كانت في العاصمة، كان الطقس مشمسًا ودافئًا. لكن ما إن دخلت أراضي أوبرون الخاضعة لتأثير سلسلة جبال نيبيروا، حتى هبّت رياح الشمال بجنون.
كان ينبغي لها أن تصغي إلى كلام البائع الجوال الذي صادفته آخر مرةٍ قبل التوجه إلى قصر دوق أوبرون.
“أنا الأخير هنا، يا آنستي الكريمة. ماذا لو أصابكِ الزكام؟ أرجوكِ اشتري هذا المعطف والبطانية! حتى القفازات من صوفٍ فاخر، ألن تلمسيها؟”
ظنتها حيلةً رخيصة لانتزاع بعض المال. واعتقدت أن ركوب العربة كافٍ، فتجاهلت كلامه بلا مبالاة، ولم تتوقع أن يعود عليها هذا الإهمال كرمحٍ مرتد.
“كم بقي؟”
سألت إليسا السائق وهي ترتجف من شدة البرد.
“سألتِ قبل عشر دقائق. وبما أن عشر دقائق قد مرّت، فلم يبقَ سوى عشرين دقيقة.”
و جاءها رد السائق الفظ من الأمام.
لكن بحسب إحساس إليسا، بدا وكأن ساعةً كاملة قد انقضت، قبل أن يظهر من خلف الضباب، في البعيد، ظلّ حصنٍ عظيم.
وبالطبع، ما إن تأكدت من رؤيته حتى سارعت إلى إغلاق النافذة، فلم تكن ترغب بأن يخفض الهواء المتسلل من الخارج حرارة العربة أكثر.
وبعد مسافةٍ قصيرة، فتح السائق باب العربة.
“لقد وصلنا. تفضّلي بالنزول.”
دفعت إليسا للسائق ضعف الأجرة المتفق عليها.
“إن صادفتَ مسافرًا آخر لا يعرف أوبرون، فأخبره أن يشتري معطفًا وبطانيةً حتى في الصيف.”
لمع بريق العملة الذهبية في يد السائق، فاتسعت ابتسامته حتى كادت تبلغ أذنيه. و أمسك القطعة الصغيرة بكلتا يديه بإجلال، وانحنى لإليسا مراتٍ عدة.
“شكرًا جزيلًا! طريقًا آمنًا!”
***
كان حصن دوق أوبرون شامخًا وقاسيًا. فالأسوار المبنية من طوبٍ رمادي ارتفعت عاليًا إلى حدٍّ لا يمكن معه رؤية القصر أو المباني الداخلية مهما رفعت رأسها.
راحت إليسا تفرك ذراعيها المغطّات بقشعريرة البرد، وتقدمت نحو البوابة الموصدة بإحكام. و لم يكن يحرس بوابة القلعة سوى جندي واحد.
لا تدري إن كان ذلك وقت تبديل الحراسة، أم لأن المكان بطبيعته لا يُقتحم، لكن العدد كان ضئيلًا على نحوٍ لا يليق بسمعة بيت دوق أوبرون.
“لا يمكننا استقبال زائر لم يُبلَّغ به الدوق. عودي أدراجكِ.”
قال الجندي ذلك قبل أن يتحقق حتى من هوية إليسا.
“أين أدريان أوبرون؟ اذهب وأخبره أن خطيبته قد وصلت.”
“السيد الشاب خارج القلعة حاليًا.”
“هذا مستحيل. أعلم يقينًا أنه وصل مع دوقة أوبرون.”
فارتسم الارتباك على وجه الجندي الظاهر بين فتحات الخوذة.
‘لماذا لا ينبغي لأحدٍ أن يعرف أن أدريان أوبرون قد عاد إلى بيته؟’
حدّقت إليسا في وجه الجندي مرة أخرى. كان لا يزال يبدو يافعًا، ودرعه غير مألوفٍ عليه، يتحرك متخشبًا في كل موضع.
‘قد أتمكن من استمالته.’
“ما الذي يحدث هنا لأدريان أوبرون؟”
كان الجندي يبدو وكأنه سينفجر بالبكاء في أي لحظة. كان يلتفت مرارًا إلى الداخل، أشبه بجروٍ صغير ينتظر سيده لينقذه.
‘جندي في أدنى المراتب، بلا خبرة. لقد صادفتُ خصمًا ممتازًا.’
“اصطحبني حالًا إلى أدريان. لقد جئتُ إلى هنا بأمرٍ من جلالة الملكة.”
قالت ذلك وهي ترفع الرسالة المختومة بختم الملكة. و ما وصل إلى أذن الجندي الصغير لم يكن سوى معنى واحد: أن هذه المرأة جاءت بأمر ملكي لإنقاذ أدريان أوبرون.
وبالطبع، لم يكن هذا صحيحًا. فالوثائق المختومة لم تكن سوى ثمن الزواج السياسي الذي وعدت به الملكة آن ماري بيت دوق أوبرون.
لكن كيف لجندي صغير، يبدو عليه حداثة السن وانعدام الخبرة، أن يدرك ذلك؟
من دون أن يعي دهاء كلماتها المتعمد، ارتعد الجندي عند سماعه عبارة “أمر جلالة الملكة”، وراح يتخبط في مكانه عاجزًا.
“إذًا، إذًا….سأقودكِ إلى قاعة الاستقبال. إن انتظرتِ قليلًا فسأرفع الأمر إلى الدوق.…”
“ألم تسمع أن هذا أمرٌ من جلالة الملكة؟ قُدني فورًا إلى حيث يوجد أدريان أوبرون.”
“ذ، ذلك لأن.…”
“حالًا.”
ورغم تهديدها وإلحاحها، لم يزل يتردد ويرتجف. فرأت إليسا أن الأمر يحتاج إلى وسيلةٍ أقسى.
سحبت سيفها من غمده. وحين وُجه النصل الفضي المصقول تحت ذقنه مباشرة، أطلق الجندي صوتًا مضحكًا مرتعبًا.
و تساءلت إليسا في نفسها: بأي جرأةٍ يقف هذا النوع من الرجال حارسًا لقلعة؟
“ألا تعلم أن مخالفة أمرٍ يحمل ختم الملكة لا تختلف عن الخيانة؟”
وهذا بالطبع لم يكن صحيحًا أيضًا. لكن الجندي الصغير لن يعرف ذلك، وهذا يكفي.
وأخيرًا، أجاب الجندي المرتجف،
“ا، السـ….السيد الشاب محتجزٌ في القبو.”
“محتجز؟ في القبو؟”
كيف يُحتجز أدريان أوبرون داخل بيته، وفي مكانٍ لا يليق أصلًا بإقامة وريث دوقية أوبرون؟
كلما تابع الجندي كلامه، ازداد الأمر غموضًا.
“نعم، نعم….لقد أغضب دوق أوبرون….”
“قُدني أولًا حالًا إلى حيث يوجد أدريان أوبرون.”
‘فهم الوضع يمكن أن ينتظر.’
بهذا التفكير العسكري البحت، دفعت إليسا الجندي ليتقدمها.
***
في الظلام الذي يتلاشى فيه حتى الإحساس بالحياة، لم يعد أدريان قادرًا على معرفة كم يومًا مضى.
كان أحيانًا يضرب رأسه بجدار الحجر. وذراعاه موثوقتان، بلا أي شيءٍ يملكه، فلم يكن يعرف أنه ما يزال حيًا إلا عبر الإحساس بالألم.
وقد تعلم ذلك منذ طفولته.
وحين كان حتى الألم قد بدأ بالتلاشي، كان أدريان يستحضر إليسا.
“أنتَ الآن….لم تعُد تعني لي شيئًا.”
كانت تلك الكلمات، آخر جرحٍ تلقاه منها أدريان.
وما يعصف برأسه لم يكن سوى صورة إليسا بملامح هادئة، وقد بدا وكأن كل ما كان يقيّدها قد انزاح.
لقد دمّر كل شيء.
لم تعد هناك فرصة.
لقد تأخر كثيرًا.
بل ربما، لم يكن أدريان أوبرون مؤهلًا منذ البداية.
لم يكن يملك الحق….أن يقع في حب إليسا شوتر.
وفي اللحظة التي وصل فيها إلى هذا الاستنتاج، دوّى صوتٌ هائل في القبو.
ذلك الباب الخشبي السميك، الذي كان مصدر رعبه منذ الطفولة، تحطم. و تناثرت شظايا الخشب على الأرض كالقش.
الباب الذي لم يستطع فتحه بأي وسيلة، اختفى تمامًا. ومن خلفه، اندفع الضوء.
فتساءل أدريان للحظة: هل متُّ؟ لكنه مهما رمش بعينيه، لم تزد صورة شعر إليسا الأحمر إلا وضوحًا.
كانت ترتدي قميصًا خفيفًا وسترةً جلدية، لباسًا لا يليق ببرودة الشمال. ومع أنه لا يعرف حتى كيف يبدو حاله الآن، كان أول ما فكر به هو قلقه عليها.
“كفاكَ تمددًا بهذا المظهر البائس، انهض.”
لكن الكلمات التي خرجت من فم إليسا كانت باردةً إلى حدٍ قاسٍ. وعندها فقط، أدرك أدريان يقينًا أنه ما يزال حيًا.
لم يمت بعد. كانت هذه هي إليسا شوتر التي يعرفها.
كان ضوء الشمس ينسكب من خلفها بلا توقف. وأمام عينيه، كان كل شيءٍ يبهت إلى بياض. فلم يستطع فتح عينيه جيدًا بعد أيامٍ من الظلام.
‘آه….لكن ماذا أفعل؟ لا أعرف كيف أُسدل الستار على هذا القلب، يا إليسا.’
_______________________
مسكين ياناس مره مسكييييييين😭 يوم قال انه يصقع نفسه عشان يتأكد انه حي يوجع😔
إليسا تجنن جات تفجر الباب مادخلت بهدوء✨جايه تاخذ ابو عيالها✨
التعليقات لهذا الفصل " 51"