عندما فتح أدريان عينيه من جديد، كان ما حوله ظلامٌ دامس. لكن لم يكن من الصعب تخمين أين كان.
فقد شعر بيداه المربوطتان خلف ظهره، ولمسة قضبان الحديد الباردة تحت أصابعه.
أرضيةٌ رطبة، ومكانٌ لم يدخله الضوء منذ زمنٍ طويل، تختلط فيه رائحة العفن برائحة الدم، وبذلك الطعم المعدني اللاذع الذي يشبه رائحة الحديد.
فتسرّبت ضحكةٌ خاوية من شفتيه،
‘كم من الوقت مضى؟’
‘وإلى متى عليّ أن أعيش هكذا؟’
لا، وهل لذلك أي معنى أصلًا؟
‘لو كنتُ أعلم أن الأمر سينتهي هكذا، لكنتُ ذهبت في النهاية لأرى وجه إليسا.’
كان يعلم أنه سيندم، ومع ذلك لم يبحث عنها.
عينا إليسا لم تعودا حتى تكرهانه. لكنه الآن، صار يندم لأنه لم يذهب حتى ليرى ذلك الفراغ في عينيها.
كان قلب الإنسان إلى هذا الحد مراوغًا وماكرًا.
‘أما رغبتي في إليسا، فكانت دائمًا كذلك، فما الجديد في الأمر الآن؟’
وبينما كان أدريان غارقًا في هذه الخواطر وقد بدأت عيناه تعتادان الظلام، صدر صريرٌ حاد، وفُتح باب القضبان.
كان دوق أوبرون يجرّ كعب حذائه ببطء. و رفع قدمه بتمهّل، ثم داس على ساق أدريان المجروحة وسحقها.
هل كان ما ابتلع الأنين هو كبرياؤه، أم أثر التدريب؟
فكّر أدريان بلا مبالاة، ثم ضحك ضحكةً قصيرة.
“أفهمتَ الآن قليلًا ما الخطأ الذي ارتكبته؟”
“وكيف لي أن أفهم ذلك؟”
“ماذا؟”
بسبب الظلام الذي لا يُرى فيه شيء، لم يكن من الممكن رؤية تعابير وجه دوق أوبرون. لكن أدريان كان يعرف جيدًا بأي وجهٍ ينظر إليه والده. فهو مشهدٌ اعتاده منذ الطفولة.
“ابنٌ مثيرٌ للشفقة.”
كان هذا تقييم دوق أوبرون لأدريان أوبرون.
“لم أندم يومًا واحدًا على خطوبتي من إليسا.”
“ولا حتى الآن؟”
“ولا الآن بالطبع.”
وانفلتت ضحكةٌ رخوة من فم أدريان وهو يقول ذلك. فركله دوق أوبرون بقدمه مباشرة.
من فم أدريان خرج صوتٌ مكتوم، ومعه سعالٌ حاد وأنفاسٌ متقطعة. ومع ذلك، ظل يضحك. مفكرًا أن من حسن الحظ أن إليسا لا ترى مظهره البائس هذا.
“بهذه النظرة البائسة، لا عجب أنكَ عاجزٌ حتى عن حماية مكانكَ من لقيطةٍ تافهة.”
‘سواءً امتلك برايان ذلك المنصب، أو امتلكه شخصٌ أصغر منه لا أعرف اسمه، فلا يهمني الأمر.’
لمَ لا يُسمع كلامي؟
“لا تسقوه قطرة ماءٍ واحدة، ولا تطعموه لقمة خبز، حتى يتوسل أدريان أوبرون بلسانه معترفًا بخطئه!”
وبعد أن ألقى هذه الكلمات، أغلق دوق أوبرون باب القضبان من جديد.
تردّد صوت المعدن الحاد في الأذن مراتٍ عدة، ثم عاد السكون، وبقي أدريان وحيدًا.
حرّك جسده واقترب من الجدار وأسند ظهره إليه. فقد كان رأسه يكاد ينفجر. و الدم كان يتسرّب من موضع الركلة، لكنه لم يستطع حتى إيقاف النزيف، ولا مسح الدم.
لامست أطراف أصابعه المربوطة خلفه الجدار. و شعر بنتوءاتٍ غير منتظمة. كانت آثارًا حفرها بنفسه حين كان طفلًا، ليعدّ الأيام عندما حُبس في هذا المكان.
الفرق بين ذلك الوقت والآن، أن أدريان الصغير كان مستعدًا لفعل أي شيءٍ للخروج من هذا الجحيم. أما أدريان الحالي، فلم يعد يملك لا إرادةً ولا رغبةً في الخروج.
وفي النهاية، سُجن هنا من جديد.
عاد مرةً أخرى إلى أحشاء أوبرون المرعبة.
كان ينبغي أن يعلم أن النهاية ستكون هكذا. في النهاية، لم تغفر إليسا شوتر لأدريان أوبرون.
ظنّ أنه، بالخطوبة، قد نال فرصة البقاء إلى جانبها. لكنه لم يكن عليه أن يلتهم ذلك الأمل الفاسد كما لو كان حبلًا متعفنًا.
كان عليه أن يدرك منذ وقتٍ طويل أن الأمل الذي تمسّك به لم يكن بالنسبة لإليسا سوى موضع سخرية.
***
مع صوت احتكاك النصل المعدني الحاد، تسلّل البرد إلى قفا إليسا.
“حقًا؟ إذاً دعيني أسمع كم هي شروطٌ جائرة. لا بد أن يكون أمرًا جللًا. فخطوبةٌ حدّدها أمرٌ ملكي باتت وشيكة، ولا بد أن السبب يستحق الركض من روسيريكا إلى بيرينكا.”
وعندما رأت الغصن اليابس يسقط بلا حول، شعرت بأن فمها يجفّ تمامًا.
‘تماسكي يا إليسا، أنتِ هنا للتفاوض.’
رفعت إليسا رأسها بثبات.
“سمعتُ أن خطيبي، امتثالًا لأمر جلالة الملكة، قدّم منجم هايلو إلى العائلة المالكة مقابل هذا الزواج.”
عند كلمات إليسا الأولى، نظرت إليها الملكة آن ماري بنظرةٍ ممتعة.
“وكيف علمتِ بأمر لم يُعلن عنه حتى في الصحافة بعد؟”
“سمعته مباشرةً من خطيبي.”
“إلى هذا الحد أنتما قريبان من بعضكما؟”
كانت تقف أمام الملكة. لم يكن بوسعها أن تكذب.
لكن، هل كان في كشف حقيقة علاقتها بأدريان أي فائدة؟ لم يكن هناك.
فترددت إليسا لحظة، ثم اِلتقطت أنفاسها وانتقت كلماتها.
“وهل لهذا الأمر أهميةً خاصة لدى جلالة الملكة؟”
“ماذا قلتِ؟”
“خطوبتنا أمرٌ محسوم، والزواج هو بأمر من جلالتكِ. سواءً تقاربت مشاعرنا أم لا، فهذه حقيقةٌ لا تتغير.”
“إذاً، أين المشكلة؟ هذا شأنٌ بيني وبين السيد أوبرون. إنه قرارٌ اتخذه بنفسه وريث أوبرون القادم. مهما كنتِ خطيبته، فهذا ليس أمرًا يحق لكِ التدخل فيه.”
“لكن له تأثيرٌ مباشرٌ عليّ، ولهذا جئتُ إلى هنا.”
“من قدّم جزءًا من إقطاعيته إلى التاج هو وريث أوبرون، فما حق أدميرالٍ لا تجري في عروقها قطرةٌ واحدة من دم أوبرون؟”
“هذا الزواج لم يكن زواجًا أرغب فيه. لقد امتثلتُ لقرار جلالة الملكة فقط، لأثبت ولائي وإخلاصي.”
رفعت الملكة آن ماري طرف ذقنها نحو إليسا وعقدت ذراعيها، في إشارةٍ إلى أن تتابع.
“إن قبولي لهذا الأمر الجائر دون اعتراضٍ كان—”
“جائر؟”
“نعم، أعلم أن قولي هذا قد يبدو غير وفيّ، لكنه كذلك.”
“ولِمَ ذلك؟”
“جلالتكِ، هل تذكرين من كان آخر من أُجبر في سيفيا على زواجٍ سياسي بأمرٍ ملكي؟”
بالطبع كانت تعرف. فلا أحد في هذه البلاد يعرف تاريخ سيفيا أكثر من الملكة نفسها. ولهذا السبب تحديدًا، لم تستطع الملكة آن ماري أن تجيب.
وحين أطبقت الملكة شفتيها بصمت، فتحت إليسا فمها ببرودٍ متصنّع، وكأنها لا تدري شيئًا.
“كان ذلك قبل مئتي عام. الابن المتبنّى لأسرة بارون لوتو، التي توارثت طبًا بارعًا جيلًا بعد جيل. ذاك الابن المتبنّى أصبح بارون لوتو، وبطب العائلة أنقذ حياة سمو الأمير الذي كان يعاني مرضًا عضالًا.”
“….…”
“لكن أصل ذلك الابن المتبنّى، الذي صار بارونًا، كان في الحقيقة الناجي الوحيد من أسرة ماركيزٍ أُبيدت بعدما حاولت التمرد.”
ظلت الملكة صامتة.
“ملك سيفيا آنذاك، الذي لم يستطع قطع رأس من أنقذ حياة الأمير العزيز، ولم يستطع في الوقت ذاته ترك وريثٍ متمرّد حيًا، جرّد لوتو من لقبه وعائلته، وأمره بأن يدخل بيت كونت تيرونيا، الموالي للأسرة المالكة، زوجًا مقيمًا.”
“ثم؟”
عاش بارون لوتو بقية عمره تحت مراقبة عائلة زوجته، وفي النهاية، شنق نفسه.
لم يكن أحدٌ يجرؤ على التلفّظ بنهاية هذه القصة، لكن إليسا والملكة كلتيهما كانتا تعرفان الحقيقة.
“جلالتكِ، أنا سيف هذه البلاد، وقد أقسمت أن أقاتل من أجل جلالتكِ ومجد سيفيا حتى آخر أنفاسي. وأنا أعلم أن جلالتكِ لستِ ممن يعاملني معاملة الخونة.”
“ها؟”
لم تُخفِ الملكة انزعاجها. فقد كانت إليسا تلوك أمامها حديث معاملة قائدة الأسطول كخائنة، ثم تنقلب فجأةً لتقول أنها تعلم أن الملكة لن تفعل ذلك.
لم يكن الأمر إلا استفزازًا صريحًا. لكن لم يكن أمامها خيارٌ آخر. فهي لا تعرف أي نوعٍ من الصفقات جرى بين الملكة وأدريان.
ولهذا، كانت بحاجة إلى ورقةٍ قادرة على قلب تلك الصفقة رأسًا على عقب.
“ألا يجب أن أكون أنا الأدرى بذلك؟ أنا أعرف أصلي. ولم يخطر ببالي يومًا واحدًا أنني لا أحمل دم روسيريكا في عروقي.”
“….…”
“ألم تمنحي منصب زوجة دوق أوبرون المستقبلي لابنةٍ غير شرعية؟ فكيف لي أن أعدّ هذا المقام المجيد مقامَ خائنة؟”
“إذًا، ما المشكلة؟ بحسب كلامكِ، أليس ما فعلته مكافأةً لكِ؟”
“باستثناء مسألةٍ صغيرة واحدة.”
“مسألةٍ صغيرة؟”
“دوق أوبرون غضب لأن من باع ممتلكات أوبرون لم يكن سيد الأسرة، بل مجرد وريث. ويُقال أنه استدعى ابنًا آخر بدل خطيبي إلى الشمال.”
“لكن لا يمكن أن يكون لدوق أوبرون ابنٌ آخر.…”
تمتمت الملكة بذلك، ثم أدركت حقيقةً واحدة أطبقت فمها على الفور.
ابنٌ غير شرعي. كان أمر تبديل دوق أوبرون لعشيقاته الصغيرات مع تغيّر الفصول حديثًا شائعًا، فهل يُعقل ألا يكون له ابنٌ غير شرعيٍ واحد؟
“هاهاها.”
فدوّى في الحديقة صوت ضحكة الملكة الباردة.
“إذًا، أنتِ تقولين أنني إن لم أُعد المنجم، وتجرّد أدريان أوبرون من موقعه كوريث، فذلك يعني أنني أتعامل مع قائدة الأسطول كخائنة؟ وتجرؤين على قول هذا أمامي؟”
“….…”
“أم أنني مخطئة؟ يا أدميرال شوتر.”
_____________________
احا إليسا واو تعرف تساوم😂
اما أدريان ياعمري عليه من داعي عليه عشان ينحاس في عمره كذا
اذكر ابوه قال دللته والحين يتمرد ولا؟ اجل مدلله يحبسه من يومه صغير ويضربه؟ نايس
التعليقات لهذا الفصل " 49"