ركل أدريان أوبرون حبيبات الرمل المبعثرة على الشاطئ بقدمه.
كان متوترًا. ظنّ أن الأمر لن يستغرق سوى لحظةٍ ويعود الاثنان، لكن إليسا وشولتز توغراهان لم يظهرا حتى بعد أن تلاشى وهج الغروب تمامًا وحلّ الشفق الخافت.
لم تمضِ أيامٌ قليلة فقط منذ آخر لقاء، فهل يعقل أن يكون لديهما كل هذا الحديث؟
وفوق ذلك، في مكانٍ تعمّد فيه فصل الخطيب عن خطيبته. و صحيحٌ أنه لم يكن سوى خطيبٍ بالاسم، بالكاد يحافظان على إطارٍ شكلي.
كلما رأى الشمس تغيب خلف البحر، كان أدريان يعضّ على شفتيه.
“سيدي أوبرون!”
الصوت الذي ناداه بلهفةٍ من بعيد لم يكن صوت إليسا. فإليسا أصلًا لا تناديه بهذا اللقب.
الذي ظهر أمام أدريان لم تكن إليسا التي ينتظرها، بل دبلوماسي سيفيا الذي كان يستقبل وفد شلريد.
وخلفه، سأل وفد شلريد، من دون حتى محاولة إخفاء امتعاضهم، أدريان أوبرون بنبرة اتهام،
“أين يوجد ملكنا؟”
ذلك الموقف، وكأن اختفاء شولتز توغراهان ذنب أدريان، دفع أعصاب أدريان المنهكة أصلًا إلى حافة الانفجار. فخرج الردّ من فمه ببرود لا مبالٍ،
“لا أعلم.”
“ماذا؟ إن لم تكن تعلم أنتَ، فمن-!”
لوزان، الذي تقدم الصفوف بصفته أقرب المقرّبين إلى شولتز توغراهان، ارتجف لا إراديًا تحت النظرة الباردة التي أُلقيت عليه من الأعلى.
“الذي اختفى آخذًا خطيبتي معه هو ملككم.”
أدرك لوزان ماهية الضغط المخيف الكامن في تلك العينين الحمراوين الحادتين. ومن دون تردد، وجّه سهام اللوم إلى شولتز توغراهان، وكأنه لا يخشاه إطلاقًا.
كانت تلك الهيبة شبيهةً جدًا بالجو الذي يشعّه ملكهم. نظرة من اعتاد النظر من الأعلى إلى الأسفل. نظرة من وُلد ليحكم.
ليس ملك سيفيا ولا الدوق الأكبر، بل مجرد وريثٍ يحمل مثل هذا الضغط؟
من يكون إذاً ذلك الرجل الذي كان قبل ساعاتٍ فقط يفتح فمه بهدوء ليتلقى قطعة تارتٍ من يد امرأةٍ تُدعى أدميرال البحرية في سيفيا؟
أمام هذا التناقض المرعب، ارتجفت كتفا لوزان لا شعوريًا.
و التي أنقذت لوزان من ضغط أدريان لم تكن الملك الذي يخدمه، بل ملكة سيفيا.
نزلت الملكة آن ماري عن صهوة حصانٍ أبيض مزيّنٍ بالذهب، ووقفت أمامهم.
كونها جاءت ممتطيةً حصانًا لا عربة كان دليلًا واضحًا على أنها هرعت على عجل.
“السيد أوبرون، ما معنى هذا؟ تقول أن شولتز توغراهان اختفى؟”
“لم يختفِ. هو الآن مع الأدميرال شوتر.”
“ماذا؟ ولماذا يكون الاثنان معًا أصلًا؟”
نظرة الملكة وبّخته بصمت، كأنها تسأله عمّا كان يفعله.
“قال أن هذه ستكون المرة الأخيرة. وقال أنه سيُسقط خطاب الزواج بنفسه.”
فتفاجأ وفد شلريد وملكة سيفيا معًا بكلام أدريان.
“هل قال ملك شلريد ذلك فعلًا؟”
“نعم.”
ارتسمت ابتسامة رضا خفيفةٍ على شفتي الملكة، لكنها لم تُرَ إلا من قبل أدريان وحده.
ثم أخفت آن ماري تعبيرها في لحظة، والتفتت إلى وفد شلريد.
“مهما كان، من غير المعقول ألا يعرف الوفد مكان ملك شلريد. اذهبوا فورًا واعثروا على الملك ورافقوه.”
“لا داعي لذلك.”
الذي أجاب على أمر الملكة لم يكن الوفد ولا دبلوماسيو سيفيا. فمن الجهة المقابلة من الشاطئ، كان شخصان يقتربان جنبًا إلى جنب.
كانت إليسا تقف إلى جوار شولتز توغراهان، وهو يمسك بذراعها ويُرافقها.
و كاد أدريان يندفع ويفصل بينهما بلا وعي. لولا الكلمات التي قالها شولتز توغراهان بعدها، لربما فعلها.
“اليوم فقط أدركتُ كم أن العلاقة بين إليسا شوتر و أدريان أوبرون متينة. لذا، سأُسقط خطاب الزواج.”
تفاجأت الملكة بإعلان الاستسلام السلس هذا، ونظرت إلى إليسا شوتر بدهشة، وكأنها تسأل بعينيها: ما الذي حدث؟
لكن أكثر من صُدم بذلك الكلام كان أدريان أوبرون. فهو كان يعرف أكثر من أي أحد بأي عينين كان شولتز توغراهان ينظر إلى إليسا.
شولتز توغراهان لا يصدق خطوبة أدريان وإليسا. إذًا لم يكن هناك سوى سببٍ واحد لتراجعه.
من أجل إليسا. كي لا يُثقل عليها، أو لأن هذا ما تريده.
أي أنه، في النهاية، وضعها فعلًا في قلبه.
“يجب أن أعود إلى شلريد مبكرًا. سأغادر فور اكتمال الاستعدادات، فهلّا تخبرونني بموعدٍ مناسب للإبحار؟”
لم يكن لدى شولتز توغراهان سوى هذا السبب الوحيد للعودة إلى شلريد.
***
بعد أن غادرت الملكة وشولتز توغراهان، أمسك أدريان بذراع إليسا وهي على وشك الصعود إلى العربة.
“عن ماذا تحدثتِ مع شولتز توغراهان؟ ماذا رأى منكِ حتى ينسحب بهذه السهولة؟”
“.……”
رغم سؤال أدريان الملحّ، لم تفعل إليسا سوى أن نظرت إليه بنظرةٍ غير راضية. وبعد صمت، خرجت من فمها كلماتٌ قصيرة جدًا، أقصر من أن تُرضيه.
“وهل هذا مهم؟”
“كيف لا يكون مهمًا؟ نظرته إليكِ تغيّرت.”
“.……”
“ماذا قلتِ له بالضبط حتى-”
“أدريان أوبرون، أسألكَ مجددًا. هل هذا مهمٌ حقًا؟”
“ماذا تقصدين؟”
“قال شولتز توغراهان أنه سيعود. فلماذا أصبح هذا مهمًا الآن؟”
أغلق أدريان فمه أمام سؤال إليسا الحاد، لكنه لم يخفِ تعبير الاستياء عن وجهه.
ثى استدارت إليسا لتتجه نحو العربة. فقد كانت مرهقةً بما فيه الكفاية. و لم يعد في بالها سوى أن تعود سريعًا وتستلقي على السرير.
كان يومًا طويلًا على نحوٍ لا يُحتمل. وفوق كل شيء، لم تتوقع أن تُستخرج ذكريات أمها من جديد.
لكن أدريان أوبرون أمسك بمعصمها وهي تصعد إلى العربة. و أدار جسدها نحوه، وانحنى قليلًا ليجعل عينيه في مستوى عينيها.
اقترب من وجهها وجهٌ مرسومٌ بخطوطٍ حادة على النقيض تمامًا من شولتز توغراهان، بدقةٍ تشبه زهور الثلج في الشمال.
“بالنسبة لي، هذا مهم.”
“لماذا؟”
“لأن نظرة شولتز توغراهان إليكِ، ونظرتكِ أنتِ إليه، أصبحتا متطابقتين.”
“….…”
“لذلك أجيبي. إليسا. عمّ تحدثتِ معه؟ أي حديثٍ دار بينكما حتى فهمكِ إلى هذا الحد؟”
كانت عينا أدريان أوبرون الحمراوان جادتين أكثر من أي وقتٍ مضى. و الغضب الخفيف المرتجف على سطحهما كان يؤكد أن كلماته لم تكن مزاحًا.
لكن لماذا أصبح هذا الأمر مهمًا إلى هذا الحد بالنسبة لأدريان أوبرون؟
أعادت إليسا التفكير في ذلك الشعور بالنفور الخفي الذي لازمها طوال اليوم. و تذكّرت تعبير وجهه المتصلّب حين عضّ على شفتيه لحظة رفضت مرافقته.
أدريان أوبرون، وهو يدفن شفتيه في عنقها داخل متجر المجوهرات، و كان يلحّ عليها مرارًا أن تجيب: أليست هديته أقرب إلى قلبها من هدية شولتز توغراهان؟
و في متجر الحلويات، كانت يده ترتجف وهو يزيل فتات الخبز العالق على خدها.
وقبل أيام، استدعى غارون هايسن الذي أهانها بنفسه إلى السجن السفلي محاولًا تعذيبه.
وفي الحفل على متن السفينة، كان صوته، كأنه يتوق إلى قبلةٍ منها، كأنه يضغط عليها لتقبّله.
لم تكن هي من رغبت في تلك القبلة. ولم تكن هي من فقدت عقلها أولًا.
كيف لم تدرك هذا إلا الآن؟
عندها فقط فهمت إليسا حقيقة كل تلك المشاعر الغريبة التي راودتها سابقًا.
“أنتَ….تحبني، أليس كذلك؟”
ما إن خطرت الفكرة ببالها حتى نطقت بها بلا تردد. وتعابير وجه أدريان بعد سماعه كلماتها منحتها يقينًا أقوى.
تحطّم القناع الأنيق لأدريان. وما انكشف تحته كان، اليأس.
حين رأت وجه أدريان يبهت حتى يكاد يصير أزرق من شدّة الشحوب، لم تستطع إليسا أن تتمالك نفسها.
“هاهاها، آههاهاها!”
انفجر منها الضحك كأنها فقدت عقلها، كأن صدرها امتلأ بالهواء دفعةً واحدة.
“إنه حقيقيٌ إذاً؟ أنتَ….حقًا وقعتَ في حبي؟”
وريث أوبرون يقع في حب ابنة عاهرة. قصةٌ لن يصدقها أحد، لكنها كانت حقيقة.
متى بدأ هذا؟ منذ متى؟
بل، ما أهمية ذلك أصلًا؟ لأن أدريان أوبرون المتغطرس، الذي طالما ازدرى الجميع، وقع في حب ابنة المرأة التي كان يحتقرها.
حصلت إليسا على فرصةٍ للانتقام. من أدريان أوبرون الذي داس كرامتها وسحقها.
أدريان أوبرون وقع في حب ابنة عاهرة، طفلةٌ غير شرعية ملتصقةٌ بها وصمةٌ لا تُمحى. وخلال شهرٍ واحد فقط منذ قدومه إلى الجنوب.
قصةٌ لن يصدقها أحدٌ في سيفيا كانت حقيقة.
والرجل الواقف أمامها الآن، أدريان أوبرون، كان الدليل الحي عليها.
و لم يستطع أدريان أن ينطق بكلمةٍ واحدة دحضًا لكلام إليسا، واكتفى بأن يزداد شحوبًا.
____________________
سؤال ليه مايعترف؟😭 ليه صار كأنه خايف
مسكين مره مسكييييييييين ما امداه يرتاح شولتز راح الحين متوهق😂
المهم اول مره احب سوء فهم كذا ابيها تشرشحه لين يبكي وهو يشرح وش صار ✨
مب باكي صدق طبعاً بس عادي
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 36"