شولتز توغراهان، كان آخر أمراء شولتز. وبالأدق، كان الأمير الجبان الوحيد الذي نجا من بين أبناء آخر ملوك شولتز.
كان سقوط شولتز أمرًا محتومًا. فقد حققت في زمنٍ مضى ثراءً هائلًا بفضل طرق التجارة مع الشرق، لكن إسراف العائلة المالكة وفسادها على مدى أجيالٍ نخر في قوة الدولة وعسكرها، وانتُزعت منها احتكارات طرق التجارة تدريجيًا على أيدي الدول المجاورة.
ذلك الثراء العظيم الذي بُني على مركز طرق التجارة البرية تلاشى كغبار الرمال.
ثم جاءت الإمبراطورية الوحيدة في القارة، إستروا، وابتلعت شولتز.
أبناء مملكة شولتز تحوّلوا في لحظةٍ إلى عبيد يُساقون إلى الإمبراطورية، أو يُجنّدون قسرًا في حروبها التوسعية. وكان عليهم، لمجرد كونهم من شولتز، أن يدفعوا ضرائب تعادل ضعف ما يدفعه غيرهم.
أولئك الذين سُلبت حياتهم راحوا يبحثون عن منفذٍ لغضبهم. والجهة التي اتجه إليها غضبهم كانت قصر شولتز الملكي.
شولتز إيزيك. آخر ملوك شولتز، الذي بدّد ما تبقى من خزانةٍ خاويةٍ أصلًا في البذخ والمجون حتى آخر قطرة.
كم كان ترتيب شولتز توغراهان بين الأبناء؟ بعد أن دُمّرت السجلات على يد جيش الإمبراطورية، لم يعد أحدٌ يعرف الحقيقة.
حتى شولتز توغراهان نفسه، ابن إيزيك، لم يكن يعلم ترتيبه بين إخوته. ولم يكن ذلك مستغربًا، فوالدته إرناهيم كانت الزوجة السابعة والعشرين لإيزيك.
انهار القصر الملكي على أيدي شعب المملكة الغاضب.
القصر الرخامي الذي تفاخر بجماله في قلب شولتز ثلاثمئة عامٍ تحوّل إلى مسحوق حجارة. وبين أنقاضه نُهبت القلة الباقية من كنوز العائلة المالكة على أيدي اللصوص، أما ما تبقى فقد أُحرق بالكامل بأيدي الشعب الغاضب.
المرأة التي أدخلها الملك المهووس بالبذخ زوجةً أخيرة، إرناهيم. قال الناس أن الملك جُنّ في أحضان رداء الرقص خاصتها، فكرهوها بجنون، وأشعلوا النار في القصر وهم يبحثون عنها.
وأخيرًا، عثروا عليها وهي متخفيةٌ بثياب خادمة مطبخ، فجرّوها إلى الخارج. وبدأت الحجارة تنهال عليها.
“عاهرة دمّرت شولتز!”
“ساحرةٌ أعمَت بصيرة الملك!”
تمنى الناس موتها، وأمطروها بالحجارة.
كانت الحجارة التي التُقطت بعشوائيةٍ تصيب جسدها وتسقط. و بعض الشظايا الحادة انغرست في لحمها ولم تخرج، وبعضها شجّ رأسها فتدحرج مضرّجًا بالدم.
مع أن ملكهم كان قد فقد صوابه قبل أن يلتقي إرناهيم، ومع أن خزانة الدولة كانت قد نضبت قبل أن تطأ قدمها القصر. إلا أن شعب شولتز المعذّب كان بحاجةٍ إلى من يعلّق عليه غضبه، فكانت أم توغراهان هي الضحية.
وذلك رغم أنها لم تكن قد تجاوزت الخامسة عشرة حين سيقَت إلى فراش ملكٍ في الستين.
ماتت إرناهيم، ذات الخمسة والعشرين عامًا، رجمًا بالحجارة. ومعها مات ما تبقى من القصر المنهار.
وكان شولتز توغراهان، في الخامسة من عمره، محمولًا بين ذراعي وصيفة إرناهيم، وفمه مكمّم، يشاهد كل ذلك من البداية حتى النهاية.
“لم أستطع أن أجعل المكان الذي رُجمت فيه أمي حتى الموت عاصمةً لمملكتي. ولهذا، كان سبب انتقال عاصمة شُلريد.…”
“….…”
“حين ألقوها في النار، لم يتأكد أحدٌ إن كانت لا تزال تتنفس. ظنوا أنها ماتت لأنها لم تعد تتحرك بعد الرجم. لكنني رأيت ذلك بوضوح. ذراع أمي وهي تتحرك داخل اللهب.”
“….…”
“وهكذا، بعدما ماتت أجمل امرأةٍ عرفتُها في هذا العالم داخل النار، لم أرغب في بناء عاصمة مملكتي في قلب صحراء ملتهبة. فاخترت البحر. حيث لا يمكن لأي لهبٍ أن يشتعل.”
“….…”
رفعت إليسا نظرها إلى شولتز توغراهان. و لم يكن تعبيره مختلفًا كثيرًا عمّا كان عليه عند بدء القصة.
كانت عيناه الزرقاوان لا تزالان بلونٍ عميقٍ يصعب عليها قراءته، كبحرٍ بعيدٍ يحتضن في أعماقه عاصفةً مرعبة. لم تكن هناك عينان أصلح لملكٍ منهما.
فكٌّ حاد، وأنفٌ شامخ، وجسدٌ مشكّل من عضلاتٍ كثيفة لم يكن من السهل رؤيتها حتى في أكاديمية سيفيا العسكرية، كل ذلك كان يذكّرها بأنه فخر شلريد وعمودها.
لكن إليسا كانت تعرف العلامات المشابهة للّعنة المنقوشة على جلده العاري.
على صدره الأيسر، قرب القلب، كان هناك الوسم المشرّف الذي يدل على كونه من سلالة شولتز الملكية، بينما كان على ذراعه اليمنى وسمٌ ضخم يدل على عبوديته حين أُخذ رهينةً لدى إمبراطورية إستروا.
وُلد أميرًا، وعاش عبدًا، وأصبح الآن ملكًا. الناجي الوحيد من سلالة شولتز.
لم يُخفِ يومًا وسم العبودية عن جسده، ولأنه لم يُخفِه، لم يتحول يومًا إلى نقطة ضعفٍ لملك شلريد.
ورغم ذلك، كانت نقطة ضعفه التي كشفها الآن مجرد النار. رغبته في بحرٍ يستطيع ابتلاع اللهب الذي التهم أمه.
هل يمكن لغضبٍ كهذا أن يُطفأ بهذه السهولة؟
بقيت إليسا صامتةً طويلًا أمام قصته. وحين لم تجد جوابًا، ابتسم شولتز توغراهان ابتسامةً واهنة، كأن رد فعلها كان متوقعًا.
“ألم أقل أنها قصةٌ تافهة؟ بالطبع، كان هناك مبررٌ معلن كافٍ. وراثة شولتز، التي كانت مركز التجارة البرية، وتحويل شلريد إلى مركزٍ للتجارة البحرية.”
لكن كلمات شولتز توغراهان التالية لم تعد تصل إلى أذن إليسا.
كانت إليسا تعرف امرأةً ألقت بنفسها حيّةً في البحر. لم تكن بائسةً كطفلة حريم شلريد، ولا نبيلة، لكنها ربما كانت جميلةً بقدرها.
فتحت إليسا فمها بدافعٍ مفاجئ، قبل أن تفكر إن كان من اللائق دبلوماسيًا أن تذكر هذا الآن. لكن صوتها خرج من تلقاء نفسه.
“بعض الغرقى يطفون على سطح البحر، ثم تدفعهم الأمواج إلى اليابسة. كأنهم يبحثون عن موضعهم الحقيقي.”
“ماذا تقصدين؟”
“أجمل امرأةٍ عرفتها في حياتي ظنّت أن لا مكان لها على اليابسة، فقفزت إلى البحر. لكنها لم تجد مكانها هناك أيضًا، وفي النهاية أعادها البحر إلى البر، ليعرض جسدها على الناس في صورةٍ مروّعة.”
نظر شولتز توغراهان إلى إليسا بعينين متسعتين من الدهشة. عندها فقط بدت عيناه أشبه بعيني إنسان، لا بمرآةٍ تعكس أعماق البحر السحيقة.
“لم تكن تلك المرأة ترغب في أن تُري الرجل الذي أحبّها وابنتها صورتها البائسة وهي تموت غرقًا. لكنها، في النهاية، عادت إلى اليابسة على هذا النحو.”
“.……”
“وفي النهاية، رأت تلك الابنة كل شيء. رأت تمامًا الهيئة التي ماتت بها أمها.”
عندها أدركت إليسا لماذا أنهى شولتز توغراهان قصته بكلامٍ عن الذرائع الكبرى ومملكة التجارة البحرية.
“الموت في البحر….له مثل هذه النهايات أحيانًا.”
فالقصص القديمة جدًا لم يعد لها تأثيرٌ على الحاضر. وكان لا بد من إضفاء معنى على الحاضر، ولو قسرًا.
هكذا فقط يستطيع الناجون الاستمرار.
وبينما كانت الشمس قد اختفت خلف البحر، ارتفع قمرٌ خافت في سماءٍ يغمرها لونٌ بنفسجي.
لم تدرك إليسا، وهي تسرد قصتها بهدوء، أن ملامحها باتت تشبه ملامح شولتز توغراهان حين كان أشبه ببحرٍ عميقٍ لا يتزعزع. و الوحيد الذي أدرك ذلك كان شولتز توغراهان نفسه.
هو الذي أسّس مملكة من أجل شعبٍ قتل أمه، وهي التي اختارت أن تصبح أدميرالًا بحريًا رغم أن أحد أحبّتها مات غرقًا في البحر.
في عينيه، بدت إليسا شخصًا مختلفًا تمامًا عن أمه.
فالمرأة التي تقف أمامه لم تكن إنسانةً التهمتها النيران، بل إنسانةً تحمل تلك النار في صدرها وتعيش.
أمه، في النهاية، ابتلعتها ألسنة اللهب ولم يبقَ منها سوى حفنة رماد، أما هي فقد قاومت الماء التي ابتلعت أمها ونجت.
ربما كانت هناك نيرانٌ لا تنطفئ حتى في أعماق البحر. ولم يدرك شولتز توغراهان ذلك إلا بعدما وطئت قدماه أرض سيفيا. لكنه أدرك أيضًا أن تلك النار لا يمكن أن تكون له.
“لنعد الآن. لقد عرفتُ أخيرًا أنكِ إنسانةٌ يجب أن تبقى في بحر روسيريكا.”
“أشكركَ على تفهّمكَ، يا ملك شلريد.”
“إذاً، لا بدّ أن أعيدكِ إلى خطيبكِ الذي يحبكِ.”
قال ذلك وهو يمدّ ذراعه طالبًا مرافقتها من جديد. وهذه المرة، لم ترفض إليسا، بل قبلت.
وهكذا أصبح ملك شلريد يؤمن إيمانًا كاملًا بكلام الملكة آن ماري، بأن إليسا شوتر و أدريان أوبرون حبيبان حقًا.
____________________
قصة امه توجع موتها ظلم بعد وقدامه 💔
واليسا قد قالت قصة امها بس بعد مره توجه انها شافتها 😔
طيب باقي أدريان وش البؤس الي عنده؟ دايم الابطال معهم بؤء الا ان كان ذاه كوييتف عشان يعالج جروح اليسا؟🤏🏻
المهم وكذاته بيروح شولتز بعدين ابي رخص بين ادريان واليسا لو هوشات على بال مايرجع ✨
التعليقات لهذا الفصل " 35"