هزّت إليسا رأسها بهدوء. و كان شعرها الأحمر يرفرف مع نسيم البحر بخفة، وكلما تحرّك انكشف عنقها الأبيض الطويل للمحاتٍ عابرة.
“لا، لقد تلقيتُ ما يفوق الكفاية.”
“إذًا، ألا تعجبك ثقافة شلريد؟ في سيفيا لا يُعترف إلا بزوجةٍ واحدة، وتُسمّى بقية النساء جميعًا محظيات ويُعاملن معاملةً مختلفة عن الزوجة، أليس كذلك؟ إن أردتِ، أعدكِ أنا أيضًا بألا أتخذ محظيات.”
“لا حاجة لذلك أيضًا.”
“إذاً، ما السبب؟ إن لم يكن الشرط ولا الثقافة، فلا أستطيع أن أفهم لماذا تختارين سيفيا بدل شلريد.”
“لا يوجد في شلريد ما أحبّه.”
“أتقصدين أدريان أوبرون مرة أخرى؟”
كانت الملامح التي تُقرأ على وجه شولتز توغراهان قد اقتربت من الضجر. وهو أمرٌ مفهوم، فقد كان قد أدرك منذ زمنٍ بعيد أن العلاقة بين إليسا و أدريان زائفة.
لم تعرف كيف تمكّن وحده من ملاحظة ما لم يلاحظه أحد، لكن إليسا عدّت ذلك حدس محارب. وربما كانت غريزة مفترسٍ صحراوي لا يترك فريسته التي حدّدها.
غير أن إليسا لم تكن تنوي الحديث عن أدريان أوبرون. فالدفع بمنطقٍ لم يعد مجديًا مستخدمةً السلطة حتى يستسلم الطرف الآخر، كان تفكيرًا يليق بسياسيةٍ كملكة.
أما هي فكانت جندية. والخطة الفاشلة ليست سوى خطةٍ فاشلة.
في تلك الأثناء، كان الاثنان قد غادرا الشاطئ الهادئ وبلغا أطراف المنطقة التجارية.
تسللت إلى الآذان أصوات مساومات التجار الصاخبة. وتجهم أنف شولتز توغراهان من رائحة السمك النفاذة المنبعثة من الشباك القديمة المتدلية على السفن.
بعض الناس ألقى نظراتٍ خاطفة على الاثنين بملابسهما الفاخرة المختلفة تمامًا عن ملابس التجار والبحارة، بينما كان آخرون منشغلين إلى حد أنهم لم يلحظوهما أصلًا، يركضون في الأزقة الضيقة غارقين في أعمالهم.
كان هذا المشهد مألوفًا لإليسا أكثر من أي شيء آخر.
وفوق الجميع كان غروب المساء ينسدل.
لم يكن استدراج شولتز توغراهان إلى هنا صدفة، بل كان اختيارًا متعمدًا من إليسا. مكانٌ يمكنها فيه إقناعه بفاعليةٍ تفوق ما قد يفعله أدريان أوبرون.
وحين همّت إليسا بالكلام، جاءها صوتٌ من بعيد يناديها عاليًا وهو يركض نحوها.
“سيدتي الأدميرال! لماذا اليوم لم تخرجي مع بقية البحارة….هك!”
تعرف بعض البحارة والتجار على إليسا ولوّحوا لها من بعيدٍ بالتحية، لكنهم ما إن لمحوا شولتز توغراهان، المختلف بوضوحٍ عن أهل سيفيا، حتى انتفضوا فزعًا.
جسدٌ ضخم يكاد يبلغ ضعف حجم رجل من سيفيا، وبشرةٌ مسفوعة بشمس الصحراء، ونقوشٌ سوداء كالتعاويذ تغطي عنقه وذراعيه الظاهرتين رغم ملابسه.
كانوا يشعرون بالغربة والخوف منه، لكنهم لم يجرؤوا على ترك الأدميرال البحرية التي تحميهم تمضي هكذا، فتقدموا بتردد.
“سـ، سيدتي الأدميرال، هل أنتِ في دورية؟”
“يا هذا، ألا ترى أن سيدة الأدميرال لا ترتدي زيّها اليوم؟ من الواضح أنها ليست في دورية! ألا تفهم من نظرةٍ واحدة؟ لا تزعجها وابتعد!”
“لا بأس. يبدو أنه لا توجد أمورٌ طارئة اليوم، أليس كذلك؟”
“بالتأكيد. مضت سنواتٌ منذ توقفت غارات القراصنة على هولدن. كل هذا بفضلِكِ يا سيدتي الأدميرال.”
كانت إليسا ترد على تحياتهم بخفة، لكنها شعرت فجأةً بنظرة، فالتفتت إلى جانبها. و كان شولتز توغراهان ينظر إليها بنظرةٍ غريبة لم تعهدها.
كان حدس إليسا صائبًا. في هذه اللحظة، شعرت أنها تستطيع إقناع شولتز توغراهان تمامًا. فكل موضعٍ تطؤه أقدام هؤلاء الناس قد تشكّل بيديها.
لم يكن هناك من يعرف قرى جنوب روسيريكا أكثر من الأدميرال البحرية إليسا شوتر، سواءً في الماضي أو الحاضر.
“أنا أتذكر كل شيء. كيف كانت روسيريكا قبل أن أتولى منصبي في البحرية، وكيف كانت القرى القريبة من هذا الساحل.”
“….…”
“كان دعم البلاط للبحرية ضئيلًا، ونخب الأكاديمية العسكرية كانوا يتجنبون الانضمام إليها. وهكذا فقدت بحرية سيفيا كبرياءها، وأصبحت بِحار الجنوب وليمةً مفتوحةً للقراصنة. وكان من يدفع الثمن هم الناس الذين استقروا هنا.”
كان القراصنة إذا مرّوا مرة، تحولت القرية إلى بحرٍ من اللهب.
أناسٌ لم يرتكبوا ذنبًا. ومن لم يعد يحتمل، هرب ليلًا تاركًا مسقط رأسه خلفه.
أما الأكثر شبابًا وجرأة، فاختاروا البحر ليحموا عائلاتهم وجيرانهم بدل بحريةٍ لا تحميهم.
وبعد أسابيع، نبتت على شاطئ هولدن فجأة أشجارٌ خشبية طويلةً ونحيلة. وعند الاقتراب، تبيّن أنها رؤوسهم المقطوعة معلّقةً على عصي.
وبعد أيام، اختفى صبي. و كانت أمه تصرخ باكيةً على الشاطئ، تقول أنها لا تستطيع أن تفقد ابنها الأصغر أيضًا.
كان ذلك الصبي شقيقًا لأحد الرجال الذين عُلّقوا على الشاطئ. وكان يكره بحرية سيفيا العاجزة، التي لا تفعل سوى الشرب، ويكره دوق روسيريكا الذي لم يفعل شيئًا بينما كان الناس يموتون، أكثر من كرهه للقراصنة أنفسهم.
كان يصرخ بأن من قتل أخاه هم البحرية وجنود سيفيا الذين لم يفعلوا شيئًا. وقال أنه سيصبح قرصانًا ليحطم من تسببوا في موت أخيه، ثم خرج إلى البحر.
لم يعرف أحدٌ إن كان قد أصبح قرصانًا حقًا، أم أن قاربه الخشبي الصغير الهش تحطم وغرق في البحر قبل أن يلتقي بسفينة قراصنة.
تكررت مثل هذه الأحداث لسنوات. و لم يتغير سوى أسماء الفارين والمفقودين والقتلى. بينما ظلت البحرية عاجزة، وظل الدوق روسيريكا لا يهتم إلا بما يخدم سلطته.
إلى أن تولّت إليسا منصب الأدميرال البحري.
هذه المرة، لم يجد شولتز توغراهان ما يرد به. فحتى اللحظة التي حاول فيها انتزاع إليسا من جانب أدريان أوبرون، كان يظن أنها لن تفعل سوى ترديد، كالببغاء، قصصٍ مملة عن مدى حبها لابن الدوق أوبرون.
لكن توقعاته السطحية أخطأت تمامًا. لم تكن إليسا شوتر امرأةً مملة أو متوقعة.
“لقد رأيتُ المعجزة، كيف تحوّل هذا المكان، الذي كان يُنهب باستمرارٍ ويُعامل كجيبٍ للقراصنة، إلى أكبر منطقةٍ تجارة بحرية في سيفيا.”
“….…”
“وسرتُ مع الناس في كل الطرق، أرى كيف أعاد أولئك ذوو العيون الخالية من الأمل بناء هذه المدينة، بعد أن كانت مؤونتهم القليلة تُحرق وتُسلب في ليلةٍ واحدة مع كل غارةٍ للقراصنة.”
كان شولتز توغراهان يكتفي بالنظر إلى إليسا بعينين زرقاوين داكنتين تشبهان بحرًا لا يُعرف قراره، ولا يزال صامتًا.
‘أما أنا، فلا أستطيع أن أتخلى عن هذا البحر من أجل منصب ملكة شلريد.’
لم تقُل ذلك بصوتٍ عالٍ، لكنها حملت نبرةً كأنها تُلحق بذلك المنصب وصفًا زائدًا لا يليق به.
وشعر شولتز توغراهان في تلك اللحظة، أوضح من أي وقتٍ مضى، أن إليسا قادرةٌ فعلًا على قول ذلك.
كانت عينا إليسا، وهي تقف في مواجهة الشمس، تشتعلان بحرارةٍ تفوق حرارة شمس المغيب. ولم يكن هناك يقينٌ أصلب من هذا.
ألم يُقل أن أشدّ لهيب النار حرارةً ليس الأحمر، بل ذاك الذي يميل إلى الصفرة؟
البحر، والبحرية، وسلام روسيريكا، كلها وُلدت بالكامل من يدي إليسا شوتر. كانت تلك أول أشياءٍ تمتلكها حقًا، هي التي لم تملك يومًا شيئًا لنفسها.
كان ذلك وحده ملكًا خالصًا لإليسا. لا يستطيع أحد انتزاعه منها.
لا ملكة سيفيا، ولا والدها دوق روسيريكا، ولا حتى أدريان أوبرون. ولهذا، فإن شولتز توغراهان أيضًا لن يكون قادرًا على فعل شيء.
لم يدرك هذه الحقيقة إلا الآن. كانت كلماتها صادقة. ما أحبّته إليسا شوتر لم يكن رجلًا عاديًا.
ظلّ غارقًا في الصمت طويلًا، يملأ عينيه بالقرى الساحلية التي شيدتها إليسا. وفي داخله وُلد حلمٌ جديد: أن يبني يومًا في شلريد منطقةً تجارية تضاهي هذا المكان.
وحين أدرك أنه لا يستطيع أخذ إليسا شوتر معه، صار هذا العبء مهمته وحده.
ففتح شولتز توغراهان فمه ببطء.
“إذاً، كان رفضكِ لخطبة الزواج منذ البداية نابعًا من إرادتكِ.”
منذ الأصل، لم يكن أدريان أوبرون حاضرًا أصلًا بين شولتز توغراهان والأدميرال شوتر.
كانت حقيقةً لم يكن يعرفها أدريان أوبرون، ولا ملكة سيفيا المخضرمة في دهاليز السياسة، ولا حتى شولتز توغراهان الذي طمع بها أكثر من أي أحد.
أطرقت إليسا رأسها دون جواب. فقرار الرفض الأول كان من صنع الملكة ودوق روسيريكا دون أي اعتبارٍ لرأيها، لكن حتى لو كانت هي من أجابت بنفسها، لما تغيّر شيء.
“سأفي بالوعد….إلى حدّ يجعلني أندم على أني أقسمت باسم شلريد. لكنني لن أزعجكِ بعد الآن. وبالطبع، إن رغبتِ، فلن أضايق خطيبكِ أيضًا.”
“أثق بوعد ملكٍ أقسم باسم شلريد.”
“حسنًا، فلنعد الآن. لقد فهمتُ قصدكِ جيدًا.”
قال ذلك واستدار ليغادر، لكن صوت إليسا، وقد بدا فيه شيءٌ من العجلة، أوقف خطواته.
“أليس هناك وعدٌ آخر لم تفِ به بعد؟”
فاستدار شولتز توغراهان ببطءٍ نحوها.
“ألم تعدني بأن تخبرني لماذا تغيّرت عاصمة شلريد؟”
“….…”
“أود سماع تلك القصة.”
انحنت عينا إليسا شوتر المستديرتان على شكل هلال. وانفرجت شفتاها الحمراوان قليلًا، فرأى أسنانها البيضاء الناعمة.
وخلفها، كان البحر يبتلع شمس الغروب كاملة.
كان المشهد مُبهرًا. و لأول مرة، شعر شولتز توغراهان بأن إليسا شوتر ثمينةٌ حقًا.
ليس الأدميرال شوتر، بل إليسا شوتر نفسها.
ليس أدميرال بحرية سيليا، بل هذه المرأة التي تقف أمامه بشعرها الأحمر المتطاير، وتحمل في صدرها لهيبًا أشد حرارةً من شمس الغروب فوق البحر، وتتمنى أن تصغي إلى قصته.
“إنها قصةٌ تافهة ومخجلة، ومع ذلك….أتريدين سماعها؟”
____________________
وهنا لقى شولتز شي احلا من دولته 😭
ماتوقعت ردها كذا بس مره حلو المؤلفه خلتني ادمع مع الام الي تبي ولدهت ثم جابت مشاعر إليسا ياناس احبهم 😔✨
المهم الله يعين ادريان وراه مشوار عشان تطيح له مره ثانيه😭
بعد ياليت شولتز اذا شحب طلب الزواج يرجع مره ثانيه من الشرق ابي اشوف يائس هايم🙈
التعليقات لهذا الفصل " 34"