تجنّبت إليسا أدريان عن قصد، ثم راقبت ردّة فعله بعناية. و تردّد أدريان لوهلة، لكنه سرعان ما أخفى تعبيره وصعد إلى العربة.
وفي تلك اللحظة الخاطفة التي بالكاد تُلاحظ، تصلّب وجهه.
“انتهى الأمر الآن، أليس كذلك؟”
“أتتمنين أن يكون قد انتهى؟”
“أليس هذا أمرًا بديهيًا؟”
كانت إليسا تفرك وجهها بيدها الجافة بتعب، بينما كان أدريان ينظر إليها بصمت.
كيف كان تعبير وجهه في تلك اللحظة؟
كان يشبه تمامًا ذلك التعبير الذي ظهر على وجهه حين توقّف لحظةً عند رفضها أن يرافقها قبل صعود العربة.
ويشبه أيضًا تعبيره قبل أيام، حين سألته في السجن تحت الأرض لماذا استدعى غارون هايسن إلى هناك.
حتى في حفلة السفينة، كان قد أظهر التعبير نفسه.
فلماذا؟ لماذا، يا ترى؟
في تلك اللحظة، تسلّل إلى ذهن إليسا شكّ واحد.
وبالفعل، بدا مستمتعًا طوال اليوم، في كل لحظةٍ احتكّ بها.
ماذا لو أن ما جرى في حفلة السفينة، وما يحدث الآن، لم يكن تمثيلًا؟
أيمكن….
لم يدم تفتّح الشك في ذهنها سوى لحظةٍ عابرة.
***
في مقر إقامة وفد شلريد، جاءت الملكة في الصباح الباكر.
“يا ملك شلريد، كما كان البحر الذي رأيناه في النزهة جميلًا، فإن روسيريكا أيضًا مدينةٌ فاتنة. سيقوم دبلوماسيو سيفيا بمرافقتكَ، فلمَ لا تستمتع اليوم بجولةٍ في روسيريكا؟”
ما الذي تخطّط له؟ لم تكن ملكة سيفيا لتُظهر لطفًا صريحًا من دون غاية.
بهذا الشك الثقيل بدأ طريق الرحلة. غير أن دبلوماسيي سيفيا كانوا مخلصين حقًا في التفاخر بجمال بلادهم.
حتى اضطر شولتز توغراهن إلى مشاهدة لوجان وبقية مبعوثي شلريد يفتحون أعينهم بدهشةٍ ويتصرفون كأبناء قرى.
كانت الوجهة الأولى الطريق الساحلي.
اندفعت العربات على الطريق المفتوح، وحين تظهر أماكن تُطل على البحر، كانوا يفتحون أبواب العربات عمدًا ليدخل نسيم البحر المنعش.
وخلال ذلك، فتح أحد دبلوماسيي سيفيا فمه،
“المتجر المقابل هو أشهر متجر حلوياتٍ في روسيريكا. هل هناك حلوى ترغبُ بها؟ إن أعجبتكَ، يمكنني إحضارها لكم.”
عند كلامه، اتجه بصر شولتز توغراهن تلقائيًا نحو متجر الحلويات. ومن خلال الزجاج، ارتعش حاجباه لا إراديًا.
أول ما وقع عليه نظره كان شعرًا أحمر مرفوعًا ومربوطًا عاليًا. ملابس بسيطة وأنيقة. بدت أكثر ارتياحًا بكثيرٍ مما تكون عليه حين ترتدي الزي الرسمي وتقف بظهرٍ مستقيم.
أمامها، وُضعت عدة قطعٍ صغيرة زاهية الألوان من الحلوى.
‘أهي حلوى؟ أم خبز؟ أتحب مثل هذا الطعام؟’
كاد شولتز توغراهن أن يطلب من الدبلوماسي أن يجلب له مثلها، حين أدرك أنها لم تكن تجلس وحدها.
فأمامها كان خطيبها. كان الرجل يجلس إلى جانبها ويُطعمها قطع الحلوى الصغيرة بيده.
ومن دون وعي، أغلق شولتز توغراهن نافذة العربة. حتى رغبته في تناول تلك الحلوى، نسيها تمامًا.
‘هل كان حكمي خاطئًا؟’
هل كانت بينهما فعلًا رابطةٌ صلبة لا تسمح لأي دخيل بالتسلل؟
المحطة التالية كانت الأوبرا. ثم رآهما مرةً أخرى، وهما يدخلان متجر المجوهرات المقابل لدار الأوبرا.
حتى تلك اللحظة، ظن شولتز توغراهن أن الأمر مجرد صدفة. صدفةٌ غير مريحة قليلًا، روسيريكا ليست مدينةً بحجم عاصمة سيفيا برينكا، فغضّ الطرف.
لكن أخيرًا، وعند المرة الثالثة، حين قاربت الأوبرا على الانتهاء، وواجههما وهما يختاران الخبز من مخبز قريب، تيقّن.
ملكة سيقيا خططت لكل هذا.
وكما توقّع، لم تكن مجاملتها مجاملةً حقًا.
وعندما أدرك شولتز توغراهن كل ذلك، ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ خفيفة.
الملكة العجوز، الماكرة كثعلب، وقعت في فخ حيلتها.
“عودوا جميعًا.”
قال ذلك وتركهم دون أي شرح. و لم يكن هناك وقتٍ ليبيّن لهم ما ينوي فعله.
فكّ شولتز توغراهن لجام الحصان المربوط بالعربة التي جاء بها. وقبل أن يتمكن دبلوماسي سيفيا من منعه، كان قد امتطى الحصان بخفة.
التعليقات لهذا الفصل " 32"