بعد ان صعدت لغرفتها
أغلقت هانا عينيها، واستعادت ذاكرة بعيدة. لا تعود إلى هانا، بل إلى سيو يوجين.
تذكرت ميتم الأطفال في ضواحي سيول. ذلك المبنى الرمادي الكئيب، حيث نشأت دون أن تعرف معنى كلمة “أم” أو “أب”. حيث كان الطعام يوزع بحصص متساوية، والملابس تنتقل من طفل إلى آخر، والأسرة الحديدية الباردة لا تدفئ ظهرها في ليالي الشتاء القارسة.
كانت تستيقظ باكراً قبل الأطفال الآخرين، لتجلس بجانب النافذة المتجمدة، تحلم بأن أحداً سيأتي ليأخذها. تنظر إلى السيارات التي تمر من أمام بوابة الميتم، تأمل أن تتوقف إحداها، وينزل منها أب أو أم يبحثان عنها. لكن لم تتوقف أي سيارة أبداً.
تعلمت الرماية بالصدفة. كان في الميتم متبرع قديم أحضر قوساً وسهاماً للأطفال الأكبر سناً، وقال إن الرماية تعلم الصبر والتركيز. أمسكت يوجين القوس لأول مرة وكانت في الرابعة عشرة. شعرت فجأة بأنها وجدت شيئاً. شيئاً يملأ الفراغ الذي تركه غياب الأهل قد يجعلها تشعر بأنها موجودة و تستحق أن تكون هنا.
تدربت بشراسة. كانت تقف في ساحة الميتم الخلفية لساعات، تطلق السهم تلو الآخر، حتى أصبحت أصابعها خشنة ومتشققة، وحتى نسيت البرد والجوع والوحدة. كانت الرماية هي عائلتها بل كل ما تملك.
حالفها توفيق عظيم عندما اكتشفها المدربون و انتقلت إلى المنتخب الوطني. كانت الوحيدة بين زميلاتها التي لا تملك عائلة تفتخر بها و لا منزلاً تعود إليه بعد البطولة، لا تملك أحداً يحتفل معها عندما توسمت الذهبية في الاولمبياد.
كانت والدها ووالدتها هما الميتم. كانت عائلتها هي قوسها وسهامها.
ثم أقصوها. قالوا لها إن وزنها لم يعد مناسباً و إنها لم تعد تمثل صورة البطلة. فانهال عليها تنمر المجتمع الكوري متمثلا في تعليقات الإنترنت القاسية ، وصفوها بالبقرة، و قالوا إنها تستحق الإقصاء، وكيف تمنوا لو أنها اختفت.
لم يكن لديها أحد تلجأ إليه. لا أب غني يدافع عنها، ولا أم تحتضنها، ولا منزل تعود إليه. كانت وحدها. كما كانت دائماً.
ثم كيف اختفت فعلاً.
فتحت عينيها.
نظرت حولها إلى غرفة هانا الفاخرة. إلى الجدران المغطاة بورق حائط بنقوش فرنسية، إلى السقف المرتفع المزين بزخارف جصية، ولثريا الكريستالية التي تتدلى من المنتصف، إلى الأثاث من خشب الماهوجني المصقول، إلى السجادة الفارسية الناعمة تحت قدميها.
كانت هذه الغرفة وحدها أكبر من الميتم بأكمله.
مشت إلى المرآة الصغيرة على المكتب، ونظرت إلى وجهها. وجه هانا.
انبهرت للحظة، كما كانت تفعل كل مرة ترى فيها هذا الوجه. الوجه الصغير المشرق، البشرة البيضاء كالبورسلين. لكن الأجمل كان شعرها الذهبي الطويل الكثيف، ينسدل على كتفيها وظهرها كشلال من الضوء السائل، يتوهج تحت ضوء القمر الخافت. والعينان الزرقاوان الواسعتان، كلون البحر في أعمق أيام الصفاء، تلمعان بذكاء وحياة.
لقد بدأت سيو يوجين تتأقلم الان مع صورة هانا على أنه شكلها.
رفعت يدها، ولمست خدها برفق. كان ناعماً، حريرياً، خالياً من أي شائبة. ثم مررت أصابعها في خصلات شعرها الذهبي، فشعرت بنعومة لا توصف. لم تكن هذه يداها القديمتان الخشنتان المليئتان بالندوب . كانت يدان رقيقتان، ناعمتان، لم تعرفا تعباً يوماً. وهذا الشعر، هذه العيون، هذا الجمال… كان كله لها الآن.
جلست على كرسي بجانب النافذة، وأخذت نفساً عميقاً.
كانت سيو يوجين يتيمة. نشأت في ميتم بارد، بلا أب، بلا أم، بلا مال، بلا أحد. عملت بجهد لتصل إلى القمة وحدها، ثم حطمها المرض والمجتمع. كانت تقاتل طوال حياتها، وكانت وحدها في كل معركة. وفي النهاية، خسرت كل شيء.
أما هانا فكانت تملك كل ما حلمت به يوجين. كانت تملك أباً غنياً هو ماركيز رودريغر، الذي يملك قصوراً وأراضٍ ونفوذاً في البلاط. كانت تملك غرفة دافئة، وطعاماً وفيراً، وثياباً فاخرة، ومجوهرات ثمينة. كانت تملك شعراً ذهبياً كالقمح في فصل الحصاد، وعيوناً زرقاء كبحر الجنوب. كانت تملك جمالاً آسراً، وجسماً ممشوقاً، وكل ما يمكن أن تحلم به امرأة.
كانت هانا تملك عائلة و منزلاً. و مكانة مرموقة في هذا العالم.
وهذا المكان، هذه العائلة، هذا المنزل… أصبح ملكها الآن.
كانت حياتها القديمة صعبة. كانت معركة مستمرة خاضتها وحدها منذ الطفولة. كانت تحب الرماية، أحبتها بكل قلبها، لكن الثمن كان باهظاً. الثمن كان جسدها، صحتها، سلامها النفسي، وفي النهاية حياتها.
وهذه الحياة الجديدة… رأت فيها تعويضاً عادلاً لكل السنوات القاسية التي عاشتها. لكل ليلة قضتها جائعة في الميتم. لكل دمعة ذرفتها وحدها. لكل نظرة ازدراء رأتها عندما زاد وزنها. لكل كلمة جارحة قرأتها على الإنترنت.
لم تكن تطلب الثراء الفاحش ولا الجمال الآسر. لم تكن تطلب المكانة الاجتماعية العالية. لكنها حصلت عليها. وحصولها عليها كان أشبه بمعادلة كونية عادلة بعد كل العذاب، جاء هذا الفرج.
رفعت رأسها، ونظرت إلى المرآة المغطاة بملاءة سوداء في زاوية الغرفة. كانت لا تزال هناك، تنتظر. لكنها لم تعد خائفة منها كما كانت في البداية.
كانت هانا قد عانت. كانت ضعيفة، خجولة، تابعة لسوزانا، حبيسة غرفتها شهراً كاملاً في كرب الصدمة. كانت تعاني من شيء لم تفهمه يوجين بعد. لكنها كانت تملك كل شيء. المال، الجمال، المكانة، العائلة. كل ما كانت تفتقده سيو يوجين طوال حياتها.
والآن، أصبحت يوجين تملك كل ذلك.
نهضت من الكرسي، ومشت إلى الخزانة حيث كانت مجوهرات والدة هانا. فتحتها، ونظرت إلى العلبة المخملية الفارغة حيث كان الدبوس. غضبت للحظة، ثم تنفست بعمق.
“سأستعيده،” قالت مذكرة نفسها مجددا.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"