بعد خمسة عشر يوماً
كان الصباح مختلفاً ذلك اليوم.
لم تعد هانا كما كانت قبل خمسة عشر يوماً.
الجسد النحيل الذي كان يكاد يذوب بدأ يستعيد حيويته. الوجه الصغير المشرق عاد إليه امتلاؤه الطبيعي، الخدود التي كانت غائرة أصبحت ممتلئة من جديد . تعطيها نضارة لم تكن موجودة من قبل. .لقد فقدت وزنها في ظرف وجيز بعد كرب الصدمة و استطاعت اكتسابه في وقت اقل.
حتى العينان اللازورديتان فقدتا هالاتهما السوداء، وأصبحتا لامعتين، واعيتين، تلمعان بذكاء خلف الرموش الكثيفة. الشعر الذهبي الغامق استعاد بريقه بعد أن تم غسله وتمشيطه كل يوم، وأصبح ينسدل على كتفيها كالحرير.
كانت هانا جميلة. جميلة بشكل يأسر الأنفاس. لكن الأهم من ذلك، كانت تبدو بصحة جيدة.
النوم المنتظم الذي واظبت عليه خلال الأسبوعين الماضيين هدأ فورة جهازها العصبي. لم تعد ترتجف من دون سبب، لم تعد تستيقظ في منتصف الليل مبللة بالعرق، لم تعد تشعر بأن جسدها ليس جسدها. كانت لا تزال صامتة أغلب الوقت.
كلارا كانت تراقبها عن كثب التحسن كل يوم، هانا بدأت تأكل بشكل طبيعي، و تنهض من السرير في ساعات منتظمة .
لكن هناك شيء غريب في تحسنها لم تستطع كلارا تفسيره.
كانت هانا تتصرف وكأنها تستعيد شيئاً ليس لها. كانت تنظر إلى الأشياء في الغرفة بعينين لا تنظران إلى أشياء عادية، بل إلى أشياء كانت تبحث عنها. كانت تمرر أصابعها على حواف الكتب و مقابض الأدراج و احيانا على حوائط الغرفة، كأنها تتأكد من وجودها.
وكانت أحيانا تتوقف فجأة، وتغمض عينيها، وكأنها تستمع إلى صوت لا تسمعه كلارا. ثم تفتح عينيها وتكمل ما كانت تفعله، كأن شيئاً لم يكن.
لم تسأل كلارا. كانت تعلم أن هانا لم تكن مستعدة للكلام بعد.
—
في ذلك الصباح، دخلت كلارا الغرفة حاملة صينية الإفطار، كما اعتادت أن تفعل منذ خمسة عشر يوماً. لكن هذه المرة، كان هناك شيء مختلف في خطواتها. كانت أخف، أقل حزماً.
وضعت الصينية على المنضدة، والتفتت إلى هانا.
كانت هانا واقفة بجانب النافذة، تفتح الستارة بالكامل كان الضوء يغمر الغرفة و كشف عن كل تفاصيلها الجدران المغطاة بورق حائط بنقوش زهرية باهتة، الأثاث من خشب الماهوجني ثم المرآة الضخمة المغطاة بملاءة سوداء في زاوية الغرفة.
نظرت كلارا إلى المرآة. كانت لا تزال مغطاة. لم تلمسها هانا منذ ذلك اليوم الأول. لم تطلب إزالة الغطاء، ولم تقترب منها. كانت تتجنبها بعناية، وكأنها تعلم أن هناك شيئاً لا يجب أن تراه.
“الآنسة هانا،” قالت كلارا، واقتربت منها. “الجو جميل اليوم. السماء صافية، والهواء نقي بعد المطر.”
نظرت هانا إليها. لم تقل شيئاً، لكن عينيها كانتا تقولان إنها تنتظر المزيد.
ترددت كلارا للحظة. ثم قالت:
“فكرت… ربما تحتاجين إلى الخروج. الهواء النقي سيفيدك. لقد مضى وقت طويل منذ أن رأيتِ الشمس.”
صمت.
كانت كلارا تتوقع رفضاً، أو على الأقل صمتاً مطولاً. لكن ما رأته في عيني هانا كان مختلفاً.
أمالت هانا برأسها. ببطء ثم أومأت بالموافقة.
ابتسمت كلارا. كانت ابتسامة نادرة على وجهها الحجري، لكنها كانت صادقة.
“حسناً. سأجهز العربة. سنذهب إلى الجزيرة الاصطناعية. الجو هناك جميل هذه الأيام.”
—
كانت الجزيرة الاصطناعية على بعد نصف ساعة من قصر الماركيز. كانت قطعة أرض اصطناعية أقامها امبراطوركالانديا قبل خمسين عاماً، تحولت مع الوقت إلى وجهة مفضلة للنبلاء والتجار الأثرياء. كانت تضم حدائق واسعة، ومقاهٍ فاخرة، ومتاجر تبيع أفخر البضائع من جميع أنحاء الإمبراطورية.
عندما وصلت العربة، نزلت كلارا أولاً، ثم مدت يدها لمساعدة هانا.
نزلت هانا ببطء. كانت ترتدي ثوباً بسيطاً من اللون الأزرق الفاتح، وشعرها منسدلاً على كتفيها دون أي زينة. رغم بساطة مظهرها، كان جمالها الآسر يجعل المارة يلتفتون إليها.
لكن هانا لم تنتبه إلى النظرات. كانت عيناها مثبتتين على الشارع أمامها.
“آنسة هانا،” قالت كلارا. “هل تريدين أن نمشي على الواجهة البحرية؟ هناك مقهى جميل يتردد عليه أبناء العائلات النبيلة…”
لكن هانا لم تنتظر توجيهاً. بدأت تمشي.
كانت خطواتها بطيئة في البداية، وكأنها تختبر قدميها بعد غياب طويل. لكن سرعان ما أصبحت أكثر ثقة. كانت تسير في الشارع الرئيسي، وعيناها تتحركان بسرعة، تلاحظان كل شيء. المحلات و الأزقة الجانبية، أشجار النخيل المصطفة على جانبي الطريق.
سارت كلارا بجانبها، لا تستغرب أنها تعرف الطريق. كانت هانا نبيلة، ومن الطبيعي أن تعرف أماكن النبلاء في الجزيرة. كانت كلارا نفسها قد رافقتها إلى هنا عدة مرات قبل أشهر، حين كانت تأتي مع سوزانا وليديا للتسوق وتناول الطعام في المقاهي الفاخرة.
لكن ما حدث بعد ذلك جعل كلارا تتوقف.
عند المنعطف الأول، استدارت هانا دون تردد. سارت في الشارع الجانبي، ثم توقفت أمام مبنى أخضر فاخر. كانت واجهته زجاجية، تطل على حديقة صغيرة، وكانت لافتة خشبية صغيرة معلقة فوق الباب: “مطعم أورورا للأغذية الصحية”.
نظرت هانا إلى المبنى للحظة. ثم همست بصوتها الأول منذ أسابيع. صوتها كان مبحوحاً، غريباً على أذنيها، لكنه كان واضحاً.
“هنا… يقدمون وجبات صحية.”
لم تتفاجأ كلارا من معرفتها بالمكان. كان هذا المطعم معروفاً بين النبلاء الذين يهتمون بصحتهم. لكنها تفاجأت من طريقة قولها. لم تكن هانا تخبر كلارا بمعلومة. كانت تختبر شيئاً و تتأكد منه.
كانت تختبر ذاكرتها.
استدارت هانا، وعادت إلى الشارع الرئيسي، وسارت في الاتجاه المعاكس. مشت بثقة، تتجاوز المارة. مرت بمقهى كان يصدر منه موسيقى هادئة، وبتمثال برونزي لرجل على حصان، وبزقاق ضيق يؤدي إلى سوق صغير.
ثم توقفت عند مفترق طرق.
كان الطريق يتفرع إلى ثلاثة اتجاهات. اليسار كان يؤدي إلى منطقة سكنية هادئة. اليمين كان شارعاً واسعاً تصطف على جانبيه أبنية حجرية فاخرة. والاتجاه الأمامي كان يؤدي إلى الواجهة البحرية.
وقفت هانا في وسط المفترق، وأغمضت عينيها.
شعرت كلارا بالقلق. لم يكن القلق من أن تضيع هانا، فالجزيرة آمنة وكانت تعرف طريق العودة. كان القلق من طريقة تصرفها. كانت تتصرف كأنها تختبر شيئاً في رأسها. كأن لديها خريطة رسمتها لنفسها، وكانت تتأكد من دقتها.
فتحت هانا عينيها.
“يميناً،” قالت بصوتها المبحوح. “يميناً يؤدي إلى شارع دانفور.”
ثم مشت. سارت في الشارع الأيمن، بخطوات واثقة.
كلارا سارت خلفها، لم تستغرب معرفتها باسم الشارع. كان شارع دانفور معروفاً، وفيه قصر عائلة دانفور العريقة. كانت هانا حتماً قد زارته أو سمعت عنه من قبل. لكن ما أثار دهشة كلارا لم يكن المعرفة نفسها، بل الطريقة التي وصلت بها هانا إلى هذه المعرفة.
لم تكن هانا تتذكر. كانت تختبر.
تغمض عينيها، وتنتظر شيئاً يأتيها، ثم تفتحهما وتتحرك بناءً على ما جاءها. كأن هناك صوتاً داخلها يهمس لها بالاتجاهات. كأن هناك شيئاً في رأسها يعرف ما لا يمكنها هي أن تعرفه.
“الآنسة هانا،” نادتها كلارا، وأسرعت لتلحق بها. “هل تبحثين عن شيء معين؟”
توقفت هانا. نظرت إلى كلارا بعينيها اللازورديتين . كانت هناك لحظة صمت طويلة.
ثم نظرت هانا إلى يدها و أصابعها البيضاء النحيلة التي كانت تقبض على تنورة ثوبها. نظرت إليها طويلاً، وكأنها ترى شيئاً لا تراه كلارا.
“أنا…” همست هانا. توقفت. ضمت شفتيها. ثم قالت بصوت لا يكاد يُسمع:
“أنا أختبر شيئاً.”
“تختبرين شيئاً؟” سألت كلارا بحذر.
“هذا المكان. أعرفه. لكن ليس لأنني كنت هنا من قبل.” نظرت هانا إلى السماء الزرقاء الصافية، ثم إلى كلارا مرة أخرى. “هناك أشياء في رأسي… ليست ذكرياتي. لكنها موجودة. وكأنها كانت هناك دائماً.”
صمتت كلارا. لم تكن تفهم تماماً ما تقوله هانا . لوهلة اعتقدت انها مصابة بالجنون … تذكرت المرآة المغطاة بملاءة سوداء في غرفة هانا.
لم تسأل أكثر. كانت تخشى الجواب.
“لنعد إلى العربة،” قالت كلارا بصوت حاولت أن تجعله هادئاً. “لقد خرجنا لفترة كافية اليوم. سنعود غداً إن أردتِ.”
أومأت هانا برأسها. لم تكن متعبة، لكنها كانت بحاجة إلى وقت لتفهم ما كان يحدث لها.
عادتا إلى العربة، وجلست هانا تنظر من النافذة طوال الطريق إلى القصر. كانت عيناها تتابعان المباني التي تمر، والأشجار، والناس. كانت تختبر نفسها في كل منعطف. كانت تغمض عينيها، تتوقع ما ستراه عندما تفتحهما، ثم تتحقق.
وكل مرة كانت تتوقع بشكل صحيح.
كانت تعرف هذه الجزيرة. كانت تعرفها كما تعرف سيو يوجين حديقة الرماية الأولمبية. لكن كيف؟ كيف تعرف امرأة نبيلة من هذا العالم مكان مقهى صحي في شارع جانبي؟ كيف تعرف اسم شارع لم تذكره أمامها أحد؟
في العربة، جلست هانا صامتة، وأغمضت عينيها. كانت ذكريات هانا تتوارد إليها كالمعتاد، لكنها كانت تشعر الآن بأن هناك شيئاً آخر في رأسها، شيئاً ليس من هانا، شيئاً ليس منها هي أيضاً.
كانت تشعر وكأن هناك خريطة مرسومة في روحها، خريطة لا تعرف مصدرها، لكنها كانت دقيقة بشكل مخيف.
فتحت عينيها، ونظرت إلى كلارا.
“غداً،” قالت بصوتها المبحوح. “غداً سأذهب إلى المكتبة القديمة في الشارع الخلفي.”
رفعت كلارا حاجبها. كانت تعرف المكتبة القديمة في الشارع الخلفي. كانت مكاناً صغيراً لا يرتاده النبلاء عادة، لكن هانا زارته مرة قبل عام، حين أرادت شراء كتاب نادر عن الأنساب. لم يكن غريباً أن تتذكره.
لكنها تساءلت: لماذا تريد الذهاب إلى هناك الآن؟
“حسناً، آنستي،” قالت كلارا بصوت هادئ. “غداً سنذهب إلى المكتبة.”
أغمضت هانا عينيها مرة أخرى. في داخلها، كانت سيو يوجين تشعر بشيء غريب. كانت تشعر بأنها تعرف هذا العالم أكثر مما ينبغي. ليس فقط من ذكريات هانا، بل من شيء آخر. شيء كان هناك منذ أن استيقظت في هذا الجسد. شيء كان ينتظر أن تستخدمه.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"