كان مطبخ قصر الماركيز رودريغر مكاناً يختلف عن باقي أرجاء القصر. فبينما كانت القاعات العلوية تتنفس رخاماً بارداً وصمتاً مهيباً، كان المطبخ الواسع يعج بالحياة، بنار الموقد المتقدة، ورائحة الزعتر والزيتون، وبأكثر من ذلك بالنميمة.
كانت الشمس قد أطلت للتو من وراء تلال كلانديا ، تلقي خيوطاً ذهبية على أواني النحاس المعلقة، حين اجتمعت ثلاث خادمات حول منضدة خشبية كبيرة، تتوسطهن خادمة رابعة تدعى “سامنتا”، كانت تخفض صوتها إلى همسة حادة.
“أووف…” أطلقت سامنتا زفيراً طويلاً، وهي تقشر الليمون بسكين صغيرة. “لقد سافر الماركيز منذ شهر، والآنسة هانا بقيت في غرفتها. لم نر لها وجهاً منذ رحيله.”
رفعت شارون، وهي خادمة شابة ذات شعر أحمر، رأسها من فوق قدر من الفخار كانت تنظفه. “يا للهوا! مالذي أصابها؟ هي التي كانت لا تكاد تهدأ… كانت تحب الخروج مع سوزانا وليديا.”
أومأت مريام الخادمة المسنة التي كانت تشغل مكانها بجانب الموقد، برأسها “سوزانا ابنة الكونت درافور… تلك الفتاة المتسلطة. كانت الآنسة هانا وليديا مجرد تابعتين لها، تتبعانها كالكلاب أينما ذهبت.”
“هذا صحيح،” تدخلت شارون. “كانت سوزانا هي من تقرر أين يذهبن وماذا يفعلن. والآنسة هانا بخجلها وضعف شخصيتها لم تكن تستطيع أن تعترض.”
أضافت مريام بصوت خافت: “لكن الآنسة هانا… كانت مختلفة معنا. دائماً تترك بقشيشاً في الدرج، وإذا رأت أحدنا متعباً اعطته إجازة . لم تكن كسوزانا التي تنظر إلينا كأننا حشرات أو عوالق “
“أتذكر عندما مرضت والدتي،” قالت شارون بحماسة، “أعطتني ثلاثة أيام إجازة دون أن تنقص من راتبي “
ساد صمت قصير، وكأن الخادمات يستحضرن صورة هانا التي يعرفنها: تلك السيدة الشابة الجميلة، وجهها الصغير المشرق، لكنها كانت دائماً خجولة، متحفظة، تخفض نظرتها عندما تتحدث مع الغرباء. كانت تتبع سوزانا أينما ذهبت، تفعل ما تقوله، كأنها لا تملك إرادة خاصة بها.
لكن معهن، مع الخدم، كانت مختلفة . طيبة و كريمة .
قطعت سامنتا الصمت بحسرة: “تلك هانا التي نعرفها… ولكن ما الذي أبقاها في غرفتها كل هذا الوقت؟ منذ شهر، بعد الزيارة الأخيرة لسوزانا وليديا، لم نرها منذ ذلك اليوم.”
“ربما حدث شيء في تلك الزيارة؟” تساءلت مريام.
“لا نعرف. لكنها منذ ذلك الحين لم تخرج من غرفتها.” هزت سامنتا رأسها. “الطعام الذي أضعه على الكرسي خارج بابها… أعود لأجده قد نُقل إلى الداخل، لكن معظمه يبقى بارداً لم يُمس. وكذلك الماء… لم تطلب الماء الساخن للاستحمام منذ أسابيع.”
ارتجفت شارون. “شيء ما حدث لها. أنا متأكدة.”
“لكن ماذا؟” همست مريام.
لم يملكن إجابة. كل ما عرفنه هو أن هانا، تلك الفتاة الخجولة الضعيفة التي كانت طيبة معهن، كانت حبيسة غرفتها منذ شهر كامل، دون سبب واضح. كانت في كرب الصدمة، تعاني شيئاً اجعلها تعزل نفسها عن العالم كله.
ساد صمت ثقيل، لم يكن يكسره إلا أزيز الخشب في الموقد. فجأة، قاطعه صوت خطوات حازمة على بلاط المطبخ. دخلت مدبرة المنزل، السيدة “كلارا”، بوجهها الحجري المعتاد. ألقت نظرة باردة على التجمع.
“ألا يوجد عمل لكم؟ أم أن الماركيز دفع لكم أجوراً مقابل الثرثرة؟”
تفرقن كالجرذان المذعورة. عادت سامنتا إلى تقشير الليمون بعنف، وغطست شارون يديها في الماء البارد، بينما تظاهرت مريام بأنها منهمكة في ترتيب الحطب.
لكن السيدة كلارا لم تتحرك. وقفت في منتصف المطبخ، ويداها مقبوضتان على صدرها، ونظرت نحو السقف الخشبي المرتفع الذي يشير شطر الجناح الشرقي حيث تقبع غرفة هانا. في نظرتها كان هناك شيء لم يعتده الخدم . قلق حقيقي.
“يا سيدة كلارا،” تجرأت شارون وأطلت برأسها من خلف القدر. “الآنسة هانا ربما تكون متوعكة … ألا يجب ان نرسل لها طبيباً؟”
ترددت كلارا للحظة. تذكرت هانا قبل شهر، كيف كانت تتبع سوزانا كظلها، تخفض رأسها و لا تتحدث إلا عندما تُسأل، تفعل ما تؤمر به. كانت ضعيفة الشخصية، خجولة و متحفظة. سوزانا كانت تسخر منها أحياناً، وكانت هانا تبتسم بتكلف، لا تجرؤ على الرد.
لكن كلارا تذكرت أيضاً كيف كانت هانا، في الليلة التي سبقت سفر الماركيز، قد نزلت إلى المطبخ منتصف الليل لتجدها هي تجلس وحيدة تشرب البابونج. جلست هانا معها ساعة كاملة، تحدثها كأنها إنسانة وليس خادمة، وسألتها عن أولادها وأحفادها. ثم قالت لها كلمة ما زالت عالقة في ذهن كلارا: “أنتِ الوحيدة التي تفهمني هنا، سيدة كلارا. سوزانا تجعلني أفعل ما تريد، لكنك… أنتِ الوحيدة التي تستمعين إلي حقاً.”
كانت هانا ضعيفة، خجولة، تتبع من هي أقوى منها. لكن في داخلها كان هناك شيء طيب، و حقيقي، كان يظهر فقط مع من هم أضعف منها، مع الخدم.
هزت كلارا رأسها لترد الغبش عن عينيها، ثم قالت بصوت جامد: ” هانا أعطى أمرا بعدم الاقتراب من غرفتها مهما حدث. ومهما حدث.” كررت العبارة وكأنها تعويذة. “
“وهل طلبت شيئاً؟” سألت سامنتا بخوف.
“لا،” قالت كلارا بحزم. “لم تطلب شيئاً. ولم يسمع أحد منها صوتاً.”
نظرت إلى الخادمات وقالت بصوت حازم: “لا تقتربن من الجناح الشرقي. هذا أمر.”
خرجت تاركة الخادمات ينظرن إلى بعضهن البعض بخوف وفضول. وفي الطابق العلوي، خلف الباب المغلق، كان الصمت كثيفاً كالضباب. كانت هانا هناك، وحدها، في كرب صمتها، تعاني شيئاً لا يستطيع أحد فهمه. لا أحد كان يعلم ما كان يحدث خلف ذلك الباب. فقط هانا كانت تعرف.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 3"