مع مرور الأشهر. كانت روفينيا تعرف فصولها كما تعرف ديلارا مرضاها . الخريف جاء بأمطار غزيرة حوّلت الطرق الترابية إلى وحل لزج، وجعلت النهر خلف منزل سنتيا يفيض على ضفتيه. كانت هانا تصعد إلى الهضبة كل يوم، ثوبها الرمادي يثقله الطين، وقدمها تزل على الحجارة المبللة. كانت تحمل كتاباً جديداً كل شهر.
في الخريف، أعطتها ديلارا كتابين في علم الأدوية. حفظتهما في اقل من عشرين يوما و في الشتاء، كان الثلج يغطي الجبال، وكان الهواء يتجمد في الرئتين. أعطتها ديلارا كتابين في الجراحة الأساسية و في الربيع، كانت الأشجار تتفتح، ورائحة الأزهار تملأ الهضبة. أعطتها ديلارا كتابين في الأمراض الباطنية المتقدمة. حفظتهما في ثمانية أيام.
كانت ذاكرتها تزداد مرونة و تتأقلم مع المصطلحات الطبية يوما بعد يوم .
استحالت هانا في ظرف وجيز إلى آلة حفظ . كانت تفتح الكتاب، تقرأ، تغمض عينيها، تسترجع، تقرأ مجدداً. كانت الكلمات تتراكم في رأسها كأرفف مستودع، كل شيء في مكانه، كل شيء منظم. التشريح، الأدوية، الجراحة، الأمراض. كانت تعرف أين تبحث و كيف تسترجع .
في الصباح الباكر، قبل أن تشرق الشمس، كانت تجلس على حافة سريرها الحديدي، وتفتح الكتاب. كانت تقرأ حتى يأتي وقت عملها العسكري. بعد الظهر، كانت تصعد إلى المستوصف، تقرأ هناك. في المساء، كانت تجلس بجانب النهر خلف منزل سنتيا، والكتاب مفتوح على حجرها .
كانت سنتيا تجلس بجانبها أحياناً، تنسج الصوف، تستمع إلى هانا وهي تقرأ بصوت منخفض. كانت لا تفهم معظم الكلمات، لكنها كانت تحب صوت هانا و تحب الجلوس إلى جانبها، تشعر بأن هناك شيئاً يتغير .
كانت أنا تنظر إليهما من النافذة أحياناً. كانت تنظر إلى هانا بعينيها الخضراوين، و تتساءل
كيف يمكن لإنسان أن يقرأ كل هذا؟ كيف يمكن لإنسان أن يتذكر كل هذا؟ ماذا تريد أن تكون؟
لم تكن هانا تعرف ماذا تريد أن تكون. كانت تعرف فقط أنها تريد أن تكون شيئاً لا يستطيع أحد سلبها اياه . شيء من صنع يديها.
—
في أحد أيام الربيع، بعد أن أنهت كتابها الجديد في خمسة أيام ، وقفت في غرفتها الصغيرة في الثكنة. كانت الشمس تغرب، والضوء البرتقالي يدخل من النافذة الضيقة.
نظرت إلى زاوية الغرفة. كان هناك قوس قديم. وجدته في مخازن الثكنة، كان يستخدم للتدريب قديماً، ثم تُرك ليجمع الغبار. أخذته ذات يوم، نظفته، وتركته في زاوية غرفتها. كانت تنظر إليه كل يوم.
مدت يدها. أخذت القوس. كان خشباً عادياً، ليس كأقواسها القديمة في سيول، ولا كأقواس القصر الإمبراطوري في حياتها السابقة. كان قوساً بسيطاً، مصنوعاً من خشب البلوط المحلي، ووتره من أوتار الماعز التي تربى في الهضبة. كان ثقيلاً، غير متوازن، خشن الملمس.
لكنه كان قوساً. وكانت تفتقده.
خرجت من الثكنة. كانت الحديقة خلف المبنى فارغة في هذا الوقت. كانت الشمس قد غابت، والسماء تتحول إلى ألوان أرجوانية وذهبية. وقفت في منتصف الحديقة، والكتاب تحت ذراعها، والقوس في يدها.
لم تكن تعرف إن كانت لا تزال تعرف اوإن كان جسدها يتذكر. أغمضت عينيها. و تذكرت وقوفها في ميتم سيول، والقوس أول مرة في يدها. تذكرت آلاف السهام التي أطلقتها قبل أن تصيب الهدف. تذكرت الذهبية الأولمبية التي رفعتها .
فتحت عينيها. لم يكن لديها سهم و لا هدف. كانت فقط تقف في الحديقة، تمسك قوساً بسيطاً، وتحمل كتاباً عن الأمراض الباطنية تحت ذراعها.
مدت يدها، وسحبت الوتر. كان ثقيلاً و عضلات ذراعها التي لم تستخدمها منذ شهور تتألم. شدّت أكثر. كانت يداها ترتجفان .
أطلقت الوتر. ارتد في الهواء بصوت حاد في اهتزازة خفيفة حتى استكان أخيرا. .
جلست على الأرض. وضعت القوس بجانبها. فتحت الكتاب و استأنفت القراءة من حيث توقفت .
كانت تقرأ عن أمراض القلب و الصمامات التي لا تغلق، عن الشرايين التي تضيق و الدم الذي لا يصل الى الأعضاء .
كانت حياة جديدة. وكانت تتعلم كيف تعيشها.
—
في المستوصف، كانت ديلارا تسمح لها أحياناً بفحص المرضى وحدها. كانت تجلس أمام مريض، تسأل و تستمع و تفحص ، سمح لها أيضا ان تشخص و تقترح علاجاً. كانت تخطئ أحياناً، وكانت ديلارا تصححها و كانت ايضا تصيب أحيانا .
في بيت سنتيا، كانت تجلس على الأرض حول الموقد. كانت سنتيا تنسج، وكانت أنا تغني أحياناً، وكانت هانا تقرأ. كانوا يأكلون الخبز والجبن، ويشربون شاي الأعشاب، ويستمعون إلى الريح خارج النافذة
————————–
عند باب المستوصف، كانت ديلارا تنتظر. لم تكن واقفة في الداخل كما اعتادت. كانت واقفة في الخارج، تحمل كيساً كبيراً من الأعشاب على كتفها، وعلبة خشبية تحت ذراعها.
“اليوم،” قالت دون مقدمات، “نذهب إلى منازل اللاجئين. هناك من لا يستطيع القدوم إلينا.”
مشت في المقدمة دون أن تنظر إلى هانا. سنتيا تبِعتها بخطوات سريعة، تحمل سلة من الضمادات النظيفة. بينما مشت هانا خلفهما .
—
نزلن إلى أسفل الهضبة، حيث تتوزع بيوت اللاجئين بين الأشجار والحقول.
دخلن أول منزل. امرأة عجوز طريحة الفراش، تتنفس بصعوبة. جلسن بجانبها، وفتحت ديلارا حقيبتها.
“هانا. افحصيها.”
توقفت هانا. كانت تعرف ما يجب فعله. كانت تعرف من الكتب لكن الكلمات كانت في رأسها، وجسدها كان متجمداً.
“تحسسي تنفسها و انظري إلى لون وجهها. اقرئي حرارتها من جبينها.”
اقتربت هانا من المرأة العجوز. كانت رائحة العرق والبلغم والأعشاب الفاسدة تفوح منها . وضعت يدها على جبين المرأة. كان ساخناً. نظرت إلى وجهها. كان شاحباً، وشفتاها زرقاوان. استمعت إلى تنفسها. كان صاخباً، متقطعاً، كأن هواءً يمر عبر ماء.
“حمى…” بدأت هانا. “وتنفسها… صاخب. ربما التهاب في الرئتين.”
“زيت الأوكالبتوس… لفتح المجاري التنفسية. ومغلي البابونج لخفض الحرارة. وشرب الكثير من الماء. والراحة.”
أومأت ديلارا. لم تعلق. فتحت حقيبتها، وأخرجت زيتاً عطرياً، وأعطته لسنتيا. “ضعي قطرات على صدرها. وغطيها جيداً.”
خرجن من المنزل. كانت هانا تتنفس بسرعة. كانت يداها ترتجفان. لم تكن تعرف إن كانت أصابت أم أخطأت خصوصا ان ديلارا لم تكن تبدي أي رد فعل
—
في المنزل الثاني، كان رجل شاب مصاب بجرح في ساقه. كان الجرح ملتهباً، واللحم حوله أحمر متورماً. ديلارا نظرت إلى هانا.
“ماذا ترين؟”
اقتربت هانا. كان تشخيص الجروح أسهل. .. كان دماً وقيحاً ورائحة كريهة .
“جرح ملوث. عليه علامات التهاب. احمرارو تورم مع ارتفاع حرارة.”
“العلاج؟”
“تنظيف الجرح. ثم دهنه بزيت اللافندر للتطهير. ثم تغطيته بضماد نظيف.”
نظرت ديلارا إليها. كان في عينيها شيء. ليس تصديقاً، ولا تكذيبا …كان تريثاً.
“افعلي.”
مدت هانا يدها إلى الجرة في جيبها. فتحتها. وضعت قطرات من الزيت على قطعة قماش نظيفة. بدأت تنظف الجرح. كانت يداها ترتجفان، لكنها لم تتوقف. كان الرجل يتألم ة يئن، لكنها استمرت. عصبته بضماد نظيف.
عندما انتهت، نظرت إلى ديلارا. لم تقل الطبيبة شيئاً. خرجن إلى المنزل التالي.
—
استمرت الزيارات. كان هناك طفل يسعل، وامرأة حامل تشكو آلاماً في ظهرها، ورجل عجوز لا يرى جيداً. في كل مرة، كانت ديلارا تطلب من هانا أن تفحص و تقدم التشخص على ان تقترح علاجاً في النهاية . وفي كل مرة، كانت هانا تجيب. و تحاول استذكار ما حفظته من الكتب .
—
في المنزل السادس، كان هناك طفل.
كان صغيراً، ربما في الخامسة. كان جالساً في حجر أمه، وجهه مغطى ببثور حمراء. كانت بعضها متقيحة، وبعضها جافاً متقشراً. كان الطفل يبكي بصوت خافت، والأم تنظر إلى ديلارا بعيون خائفة.
“لقد انتشرت في قريتنا. بعض الأطفال أصيبوا. لا نعرف ما هو.”
اقتربت هانا. كانت تنظر إلى البثور. كانت تتذكر من الكتاب. أمراض الطفولة. الحصبة، الجدري، الحمى القرمزية. كانت تتردد في رأسها. كانت تحاول أن تتذكر التفاصيل، الفروق، العلامات.
مدت يدها. كانت ستلمس البثور. كانت ستفحصها. لتتعرف على قوامها و حرارتها و ما ان كانت جافة أم رطبة.
“لا تلمسيها!”
كان صوت ديلارا صارخاً. لم تسمع هانا هذا الصوت من قبل. كان حاداً، قاطعاً، لا يحتمل النقاش.
جمدت هانا يدها في منتصف الطريق. نظرت إلى ديلارا. كانت الطبيبة تنظر إليها بعينين غاضبتين .
“هذه عدوى خطيرة. قد تنتقل باللمس. قد تنتقل إليكِ. وقد تنقلينها إلى غيرك.”
اقتربت ديلارا منها. كانت تنظر إليها من فوق، وصوتها كان هادئاً الآن، لكنه كان أشد.
“قبل أن تعالجي مريضاً، تأكدي من سلامتك. و قبل أن تقتربي من عدوى، تأكدي من أنكِ لن تحمليها إلى الآخرين.”
نظرت إلى هانا. كانت تنظر إلى يديها الممدودتين، و أصابعها البيضاء الناعمة التي كادت تلمس البثور.
“الطبيب الذي يمرض لا يعالج أحداً. الطبيب الذي ينقل العدوى يقتل أكثر مما ينقذ.”
صمتت. كانت الكلمات تثقل في الهواء.
“هذه بثور جدري. خطيرة. معدية. تنتقل باللمس، بالهواء، بالملابس الملوثة. لو لمستِها، لكنتِ الآن مصابة. ولو عدتِ إلى الثكنة، إلى المستوصف، إلى سنتيا… لنقلتِ العدوى إلى الجميع.”
نظرت هانا إلى يديها. كانت ترتجفان. كانت قريبة. كانت على بعد سنتيمترات من كارثة.
“ماذا تفعلين إذا رأيتِ مرضاً كهذا؟”
تذكرت هانا الكتاب. صفحة بعد صفحة. الأمراض المعدية. الحجر الصحي.
“أعزل المريض. أحمي نفسي بغطاء على فمي وأنفي. أغسل يديّ قبل وبعد. لا ألمسه إلا بالقفازات. وأعقم كل ما يلمسه.”
أومأت ديلارا. كانت لا تزال تنظر إليها.
“”هذا جدري. يحتاج إلى عزل. لا تخرجي الطفل من المنزل. لا تقتربي منه أحد إلا بالقفازات والغطاء. اغسلي ملابسه بماء مغلي. وافتحي النوافذ لتهوية الغرفة.”
نظرت إلى ديلارا. كانت الطبيبة تنتظر.
“العلاج؟”
تذكرت هانا. كان علاج الجدري محدوداً. لا دواء يوقفه. فقط تخفيف الأعراض.
“خافض حرارة للحمى. ومرهم مهدئ للحكة. وشرب كثير من السوائل مع الراحة التامة …ثم الانتظار حتى تهدت الاعراض و تمر.”
نظرت ديلارا إليها طويلاً. ثم أخرجت من حقيبتها مرطباناً صغيراً، ووضعته على المنضدة.
“هذا مرهم من آذريون وزيت اللافندر. يهدئ الحكة. ضعيه على البثور الجافة فقط. لا تفتحي المتقيحة.”
التفتت إلى هانا.
“هذا هو الطب. ليس حفظ الكتب. هو أن تعرفي متى تلمسين، ومتى لا تلمسين. أن تعرفي متى تقتربين، ومتى تبتعدين. أن تحمي نفس
كِ أولاً، لأنكِ إن مرضتِ، لن تستطيعي حماية غيرك.”
كانت هانا صامتة. كانت تنظر إلى يديها. كانت لا تزال ترتجفان. كانت قريبة جداً من خطأ قد يكلفها حياتها .
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 21"