جلس الماركيز استيفان رودريغر و وجهه شاحب قليلاً مما كان عليه قبل البارحة . بقايا رماد الأوراق التي أحرقها كانت لا تزال في المدفأة، تحمل معها سنوات من التخطيط والتفاوض والطموح. كان لا يزال يفكر في ما فعله و في القرار الذي اتخذه دون أن يخطط له، هذا المستقبل الذي ألقاه في النار دون أن يعرف ما سيأتي بعده .
لكن لما تراءت له ابنته هانا و هي منهارة مجددا
ادرك الماركيز ان ما فعله هو عين الصواب . لايمكنه الدفع بابنته الضعيفة بشخصيتها الرقيقة الخجولة الى البلاط و مؤامراته …كان سيضعها في قلب العاصفة و هي ليست ندا لحياة المكائد و الدسائس حتى مع النفوذ و القوة التي سيمنحها هذا المنصب . هي لم تكن مستعدة بعد ..في لحظة ضربه الادراك و أحرق المستندات كان قد آثر التضحية بمجد العائلة مقابل راحة ابنته .
لم يرفع رأسه الا عندما سمع طرقاً خفيفاً على الباب. قال “ادخل” بصوت كان أكثر خشونة من المعتاد.
فتح الباب. دخلت هانا.
وقفت أمامه بظهر مستقيم، ونظرة ثابتة .
توقف الماركيز للحظة. نظر إليها.
هانا التي اعتادها كانت تنكمش على نفسها و تحني ظهرها دائما . لكن هذه الهانا التي امامه وقفت منتصبة القامة تماما . و مستعدة للحديث .
أشار إليها بالجلوس على الكرسي المقابل. جلست. كانت يداها مستريحتين على حجرها، لا ترتجفان. كان صدرها يتحرك بتنفس هادئ .
نظر إليها طويلاً. كان يبحث عن الكلمات. كان يريد أن يسألها عن كل شيء. عن الشهر الذي أمضته حبيسة غرفتها. عن الانهيار الذي شاهده البارحة و الخوف الذي رأته كلارا في عينيها و عن الدموع التي انسكبت دون سيطرة.
لكنه لم يكن يعرف كيف يسأل و لا كيف يبدأ.
سأل أخيراً، بصوت كان أقل جفافاً مما كان عليه طوال حياته .
” أخبريني ما الذي تريدينه يا هانا؟”
لم تتردد ، نظرت إليه بعينيها الزرقاوين، و فتحت فمها اخيرا بحزم .
“أريد أن أحصل على رتبة عسكرية.”
ساد صمت طويل.
الماركيز لم يتحرك. كان ينظر إليها كأنها تحدثت بلغة لا يفهمها. كان يتوقع أن تقول اي شيء غير هذا .
“رتبة عسكرية؟” كرر الكلمات كأنه يختبرها و يتأكد من أنها تعني ما يعتقد.
“نعم.”
“هل تعرفين ما تقولين؟”
“أعرف.”
نهض من كرسيه فجأة. مشى إلى النافذة، ووقف ينظر إلى الحديقة المظلمة. كان يحاول أن يفهم. و يجد تفسيراً لما يسمعه الان .
رتبة عسكرية. ابنته. الفتاة الخجولة التي كانت تخاف من رفع صوتها. تطلب رتبة عسكرية.
استدار إليها. كان صوته أكثر حدة مما أراد.
“هانا، أنتِ تعرفين أن الأكاديمية العسكرية في العاصمة لا تقبل إلا النخبة. الكفاءة المطلوبة هناك عظيمة، حتى لأبناء النبلاء. و حتى بالنفوذ الذي أملكه، لا أستطيع أن أضمن لكِ مقعداً هناك. لا لك و لا لأي كان.”
لم تهتز. كانت تنظر إليه بنفس النظرة الثابتة، الهادئة.
“أعرف.”
“هل تعرفين أيضاً أن النساء النادرات اللواتي قُبلن في الأكاديمية كنّ قد بدأن التدريب منذ سن مبكرة؟ أن لديهن خبرة قتالية، وأنهن أثبتن جدارتهن قبل أن يطلبن القبول؟”
“أعرف.”
وقف أمامها. كان ينظر إليها من فوق، يحاول أن يقرأ ما في عينيها. كان يبحث عن التردد أو أي علامة للخوفوف، عن أي اشارة على أن هذه الرغبة لا تعدو ان تكون نزوة عابرة. لكنه لم يجد.
“لماذا؟” سأل بصوت أقل حدة. “لماذا تريدين هذا؟”
نظرت هانا إليه. كانت تعرف أن هذه هي اللحظة التي يجب أن تقول فيها ما تعلمته من حياتها السابقة .
“لأنني تعلمت أن الألقاب التي تُمنح بالولادة تُسلب بسهولة.”
توقف الماركيز. كانت كلماتها تضربه في صميم ما فعله. الأوراق التي أحرقها و الزواج الذي رتبه لابنته. في كل شيء ظنه حماية، وكان في الحقيقة هشاشة.
كان يحميها طوال حياته بمنحها الأشياء و يخطط لمستقبلها بدلا منها . لقد ظن أن هذا هو واجبه كأب . أن يعطيها الحماية، والأمان، والمكانة و يؤمن لها زواجاً مناسباً في مستقبل لا تخاف فيه على نفسها.
لكنه أدرك الآن حقيقة مهمة للغاية.
لم يكن يحميها. كان يضعفها.
كل شيء أعطاه إياها كان قابلاً للسلب. اللقب، المكانة، الزواج، الحماية. كلها أشياء تأتي من خارجه، وتستطيع أن تزول بقرار من أحد.
كان ينبغي أن يعلمها كيف تعتمد على نفسها. و تقف على قدميها و تواجه العالم دون أن تخاف. كيف تكون شيئاً بذاتها، لا ابنة ماركيز، ولا زوجة إمبراطور، ولا أي شيء يعتمد على الآخرين.
كان الماركيز مدركا أن التحالفات التي تُبنى على المنفعة الخالصة في عالم النبلاء تنهار عندما تتغير المصالح. كان يعرف كل هذا. لكنه اختار ألا يفكر فيه منذ البداية . و فجأة ادرك كيف انه كان أبا مهملا و غير مسؤول رغم حرصه الشديد .
“أريد أن أحصل على شيء لا يستطيع أحد أن يسلبني إياه. شيء أكسبه بجهدي و كفاءتي و ليس بالوراثة ” اردفت. هانا بإصرار أكبر .
وقفت من كرسيها. كانت تقف أمامه الآن و تنظر إليه بعينيها الزرقاوين .
“الرتبة العسكرية تمنح الحق في القتال . تمنح الحق في أن يُنادى بلقب لا يُنزع بقرار من إمبراطور. إذا حصلت على رتبة عسكرية، لن يستطيع أحد أن يجردني منها. لن يستطيع أحد أن يجعلني لا شيء.”
كانت تتحدث عن تجربتها في حياتها السابقة. كونها إمبراطورة منسية، جردت من لقبها، وأصبحت مجرد عشيقة بلا منصب و بلا كرامة، بلا أي شيء . كانت دروسا دفعت هانا أغلى ثمن لتتعلمها.
لم يعرف الماركيز ما تقصده.
جلس على كرسيه. كان متعباً. كل خططه وترتيباته، كل ما ظنه صواباً، ينهار أمام عينيه. ابنته تطلب منه شيئاً لا يعرف كيف يحققه. شيئاً يبدو مستحيلاً.
“الأكاديمية العسكرية في العاصمة…” همس، كأنه يتحدث إلى نفسه. “لا أستطيع أن أضمن لكِ مكاناً هناك. حتى لو كنتَ ماركيزاً، هناك حدود للنفوذ.”
لم تقل هانا شيئاً. كانت تنتظر. تعلم أن والدها لن يتخلى عنها. و سيجد طريقة . كان دائماً يجد طريقة.
صمت الماركيز طويلاً يفكر. كان يدير في رأسه كل الخيارات و الاحتمالات و كل الطرق التي يمكن أن تسلكها ابنته لتحقق ما تريد.
ثم توقف.
كانت عيناه قد اتسعتا قليلاً.
نهض من كرسيه. مشى إلى الخريطة المعلقة على الحائط. مد يده، ووضع إصبعه على نقطة في أقصى الشمال الغربي.
“هنا.”
اقتربت هانا. نظرت إلى حيث كان يشير. كانت الخريطة تظهر منطقة جبلية وعرة، محاذية لمضيق ضيق يفصل بين أراضي الإمبراطورية والبحر المفتوح.
“روفينيا.”
نظرت إلى والدها. لم تكن تعرف الاسم. لكن الماركيز كان يعرفه جيداً.
“منطقة عازلة. لا تنتمي إلى إمبراطورية كالانديا، لكنها تقع تحت حمايتنا. قبل عشر سنوات، وافق حكامها على أن نقيم فيها قاعدة عسكرية للتدريب. مقابل حمايتهم من الممالك المجاورة التي كانت تهددهم.”
رفع إصبعه، ورسم خطاً على طول الساحل. “كالانديا تسيطر على المضيق و حركة الملاحة هناك . وهذا أعطاها نفوذاً هائلاً في المنطقة.”
ثم أشار إلى الجبال المحيطة. “وهذه الأراضي الجبلية… سمح لنا باستخدامها كمنطقة تدريب. وهي مرتع للاجئين من كل مكان. الفارين من الحروب، من المجاعات، من الاضطهاد. يعيشون هناك في مخيمات، يعملون في الحرف اليدوية والصيد، ويعيشون تحت حماية قواعدنا.”
استدار إلى هانا. كان وجهه جاداً، لكن فيه شيئاً لم تره من قبل. شيئاً يشبه الأمل.
“الأكاديمية العسكرية في العاصمة تطلب كفاءة عظيمة. لكن القاعدة في روفينيا… مختلفة. هناك يتعاملون بصرامة أقل . مع انه نظام متراخي بسبب غياب الاضطراب و معاهدات السلام .لكنه الخيار الوحيد أمامك ليتم قبولك في الميدان العسكري”
نظرت هانا إلى الخريطة. كانت تنظر إلى تلك البقعة النائية، البعيدة عن القصور والحفلات والمؤامرات. كانت تفكر في ما قاله و في الفرصة التي يقدمها لها.
“سأرسلك إلى هناك.”
كان صوته حاسماً. لم يكن يستأذن بل كان يخبرها بقراره.
توقف. نظر إليها.
“لكنهم لا يسألون عن اسم عائلتك. هناك، أنتِ لا شيء حتى تثبتي أنكِ شيء.”
“لكن يجب أن تعرفي شيئاً، هانا.”
نظرت إليه.
“اللحظة التي تتجاوزين فيها حدود كالانديا، و تعبرين إلى الضفة الأخرى لن أعود قادرا على حمايتك … ستكونين خارج حمايتي و نفوذي “
صمت و ترك الكلمات تثقل في الهواء بينهما.
نظرت هانا إليه. كانت تعلم ما يقوله. و هذه فرصتها. ربما الفرصة الوحيدة.
“متى سأرحل إلى روفينيا ؟” سألت.
“بعد أسبوع. سأرسل معكِ رسالة إلى القائد هناك. ما تفعلينه بعد ذلك… يعود إليكِ.”
————————————-
كانت الرحلة إلى روفينيا طويلة. سبعة أيام عبر السهول، ثم يومان عبر الممرات الجبلية الوعرة، و يوم كامل في أودية ضيقة حيث كانت السماء لا تظهر إلا كشريط أزرق بين قمم الجبال. راقبت هانا طوال اطوار الرحلة كيف يتحول المشهد من القصور والحقول المزروعة إلى غابات كثيفة محفوفة بالمنحدرات الصخرية .
في صباح اليوم العاشر، عبرت العربة آخر ممر جبلي، وفجأة انفتح المشهد أمامها.
روفينيا.
كانت مختلفة عن أي شيء رأته. بعيدة عن قصور العاصمة وحدائقها الأنيقة. كانت أرضاً غابوية، تحفها الجبال من كل جانب، والغابات الكثيفة تغطي السفوح الممتدة على مرمى البصر. بدلا من الطرق المرصوفة الانيقة لامبراطورية كالانديا. كانت روفينيا عبارة. عن مسارات ترابية تخترق الغابات ، و منازل بسيطة متفرقة هنا وهناك، تظهر بين البساتين والأشجار كأنها جزء من الطبيعة . اغلبها مشيد بنفس النمط من الحجر الرمادي وأسقف من القش، وبعضها من الخشب القديم الذي امتزج بلون الأرض.
كان الهواء مختلفاً. لم يكن يحمل رائحة الورد والنافورات، بل رائحة التراب والخشب الرطب ورائحة البحر القادمة من المضيق الذي كان يقع أسفل الهضبة، تحيط به الجبال من كل جانب. كان يمكنها رؤيته من بعيد: شريط أزرق داكن يلتوي بين القمم .
توقفت العربة أمام ثكنة عسكرية بسيطة. لم تكن مثل ثكنات العاصمة التي رأتها في ذكرياتها. كانت عبارة عن مبان منخفضة من الحجر الرمادي، متصلة ببعضها بأسوار خشبية، وساحة مركزية ترابية يستعد فيها جنود يرتدون زياً بسيطاً.
نزلت هانا من العربة. شعرت بثقل قدميها على الأرض الترابية. كانت السماء ملبدة بالغيوم، والهواء بارداً، يحمل رائحة المطر القادم من الجبال.
كان موظف حكومي شاب ينتظرها. كان يرتدي زيا بسيطا من الكتان الرمادي .
“الآنسة هانا رودريغر؟”
“نعم.”
“أنا لوكاس. موظف الإدارة المدنية هنا. سأقودك إلى الثكنة حيث ستقيمين. ثم عليكِ مقابلة الضابط المسؤول.”
أشار بيده إلى الطريق، و دون ان ينتظر أكثر بدأ يمشي.
تبِعته هانا. كانت تمشي على الأرض الترابية، وشعرها الذهبي يتحرك مع الريح .
الثكنة العسكرية كانت أكبر مما بدت من بعيد. كانت تضم عدة مبانٍ حول ساحة مركزية، حيث كان الجنود يتدربون على مناورات قتالية بسيطة.
مشى لوكاس بجانبها، يشير هنا وهناك.
“هذا مبنى الإدارة. هناك المطبخ. هناك مهاجع المجندين. وهناك…” توقف للحظة، ونظر إليها من زاوية عينيه. “…هناك مبنى الضباط. حيث ستقابلين القائد.”
نظرت هانا إلى المبنى. كان أكبر قليلاً من الآخرين، لكنه لا يزال بسيطاً، من الحجر الرمادي نفسه، وبابه الخشبي ثقيل غير مزخرف. لم يكن هناك حراس عند الباب. لم يكن هناك أي شيء يدل على المكانة.
“القائد…” بدأت هانا.
“لا أنصحك بتوقع أي مجاملة لمجرد اسم عائلتك،” قاطعها لوكاس بصوت لا يحمل نبرة عدائية، بل واقعية بحتة. “هنا، الجميع يبدأ من الصفر. القائد لا يهتم بمن يكون والدك ، هنا لا يوجد فروقات طبقية.”
“شكراً لإعلامي بهذا ” قالت بصوت كانت تحاول أن تجعله أكثر صلابة مما تشعر به.
“القائد في مكتبه الآن. يمكنكِ الدخول.”
أشار إلى الباب الخشبي الثقيل، ثم انصرف. تركها واقفة في الساحة الترابية .
—
دفعت هانا الباب الخشبي الثقيل. كان يئن تحت يدها، ثم انفتح على غرفة بسيطة. مكتب خشبي، كرسيان، خريطة كبيرة على الحائط، ونافذة تطل على الجبال البعيدة.
وخلف المكتب، كان الضابط المسؤول جالساً.
كان رجلاً في الخمسين، شعره قصير رمادي بالكامل تقريباً، ووجهه محفور بتجاعيد عميقة لم تأتِ من السن فقط، بل من التعب والملل ، كان يرتدي زياً عسكرياً بسيطاً، لا أوسمة عليه. بدا متذمراً. لم يقف لتحيتها .
عندما نظر إليها بدت ملامحه تشي بما يشبه… الإزعاج. كأنها كانت مشكلة إدارية اضطر للتعامل معها.
“الآنسة هانا رودريغر.”
لم يكن سؤالاً. كان تأكيداً.
“نعم، سيدي.”
تنهد. تنهيدة طويلة و ألقى القلم الذي كان في يده على المكتب، واستند إلى ظهر كرسيه.
“الآنسة هانا، كما تعلمين… أنتِ فتاة.”
صمت. كان ينتظر رداً. لم ترد هانا.
“وهنا التدريب… بسيط. ليس مثل الأكاديمية العسكرية في العاصمة. هناك، يتدربون على القتال و حمل السلاح، على المعارك الضارية. لكن هنا…” توقف، وكأنه يبحث عن كلمات لا تجرح كثيراً. “هنا، الفتيات لا ينضممن إلى المشاة. لا يشاركن في القتال في ساحات الحرب. هذا ليس مكانهن.”
كانت كلماته هادئة، لكنها كانت تحمل حقيقة كانت تعرفها هانا منذ البداية. كانت تعلم أن هذا العالم لا يرى النساء كمقاتلات. و أن طريقها لن يكون سهلاً. لكنها لم تكن تتوقع أن يواجهها بها بهذه الصراحة منذ اللحظة الأولى.
“الفتيات هنا…” تابع الضابط، وكأنه يشرح أمراً بديهياً. “يساعدن في العلاجات. في التمريض. في الأعمال الإدارية. هذا هو دورهن. وهذا ما يناسبهن.”
نظر إليها. كان ينتظر أن تقول شيئاً و تعترض.
لكن هانا لم تقل شيئاً. كانت تعلم أن هذا ليس وقت الاعتراض.
“لهذا،” قال الضابط، وهو يفتح درج مكتبه ويخرج ملفاً رقيقاً. “حالياً، سندربك على أعمال العسكر المكتبية. الأوراق، الملفات، المراسلات. أشياء تناسب فتاة مثلك. وبعد سنة… سنة كاملة من العمل الجيد… سنرى إن كان بإمكاننا ترقيتك إلى رتبة مقدم من الدرجة السادسة.”
توقف. نظر إليها.
لكن هانا كانت تفكر.
رتبة مقدم من الدرجة السادسة. كانت رتبة عسكرية، رغم كل شيء. كانت بداية و أول درجة في سلم طويل. وكانت تحتاج إلى سنة كاملة لتحصل عليها. سنة من الأعمال المكتبية.
كانت تفكر في الأكاديمية العسكرية في العاصمة ألغار. هناك، التدريب كان مختلفاً. هناك، كان الجنود يتدربون على حمل السيف والرمح، على المناورات القتالية، و القيادة في ساحات الحرب. كانت الكفاءة المطلوبة هناك عظيمة، وكانت السنوات اللازمة للترقي أقل.
لكنها كانت هنا . في روفينيا. في هذه القاعدة البعيدة، حيث الفتيات لا يقاتلن، وحيث العمل المكتبي هو أقصى ما يمكن أن تطمح إليه.
لم يكن أمامها خيار آخر. هذا هو الطريق الوحيد المتاح.
رفعت رأسها. نظرت إلى الضابط بعينيها الزرقاوين.
“أفهم، سيدي.”
“سأبدأ غداً.”
نظر إليها طويلاً. كان يحاول أن يقرأ ما في عينيها.
“حسناً.” أخرج ورقة من الملف ودفعها إليها. “هذه قواعد الثكنة. اقرئيها الليلة. غداً، تبدأين في قسم المراسلات.”
نهضت هانا و أخذت الورقة .
—
وقفت في الساحة الترابية، تحت السماء الرمادية. كانت الريح تعوي بين المباني، والجبال تحيط بها من كل جانب، والمضيق يضرب صخوره أسفل الهضبة.
نظرت إلى الورقة في يدها. قواعد الثكنة. كانت مكتوبة بخط جاف، واضح، لا غموض فيه. ساعات العمل، أوقات الطعام، العقوبات. لا شيء عن التدريب العسكري و لا شيء عن حمل السلاح. لا شيء عن القتال.
لن تصبح مقاتلة بين ليلة وضحاها. ستقضي سنة كاملة في الأعمال المكتبية قبل أن تحصل على أول رتبة عسكرية لها. رتبة مقدم من الدرجة السادسة. رتبة صغيرة، متواضعة، لكنها رتبة. رتبة لا تستطيع أن تسلبها منها قرارات الإمبراطور. رتبة تكون لها وحدها.
رفعت رأسها إلى السماء. كانت الغيوم تتحرك ببطء، تحمل معها وعد المطر.
“سنة واحدة،” همست لنفسها. “سأتحمل سنة واحدة. ثم أبدأ البناء.”
———————————-
مرت ثلاثة أيام.
كانت الأعمال المكتبية التي كلفت بها هانا بسيطة، إلى درجة السخرية. جرد أوراق، نسخ مراسلات، ترتيب ملفات. أشياء كانت تنهيها في أقل من ساعتين، ثم تقضي بقية اليوم جالسة على مقعد خشبي في مبنى الإدارة، لا تعرف ماذا تفعل بنفسها. كانت تنظر من النافذة إلى الجنود الرجال و هم يتدربون على. مناورات بسيطة . وكانت تشعر بأن الوقت يضيع من بين أصابعها.
في اليوم الرابع اوكلت إليها مهمة تفتيش عند المضيق. نزلت مع موظفين حكوميين إلى المرفأ الصغير أسفل الهضبة، حيث كانت السفن التجارية ترسو لدفع الضرائب قبل أن تواصل طريقها عبر المضيق الذي كانت كالانديا تسيطر عليه. كانت مهمتها بسيطة: تسجيل أسماء السفن، عد الحمولات، تدوين الأرقام في دفتر كبير.
أنهت مناوبتها في المضيق في أقل من ساعتين . و صعدت الطريق نحو الثكنى حيث يجب عليها تسليم التقرير مفصلا في مكتب النقيب المسؤول .
كانت هانا على وشك ولوج المبنى حيث يقع مكتب النقيب عندما سمعت صراخا من الخلف.
” افسحو الطريق “
تنحت هانا من فورها .
و دخل رجلان، يحملان شابا مصابا .وجهه شاحب كالرماد، وأسنانه مطبقة على ألم لا يطاق. ساقه اليسرى كانت ممدودة بشكل غير طبيعي، كانت خشبة غليظة منحشرة، طرفها الحاد يغوص في اللحم، والدماء تتسرب ببطء عبر ثيابه الممزقة، تلوّن الأرض تحته باللون الأحمر القاني.
“سقط من على السور أثناء التدريب!” قال أحد الضابطين، وكان لهاثه يختلط بلهاث المصاب. “الخشبة اخترقت الساق. لم نجرؤ على نزعها.”
توقف الجميع. الضابط المسؤول نهض من مقعده، ووجهه الذي كان متذمراً قبل لحظات تبدل إلى جدية لم تكن موجودة. نظر إلى الجرح حيث استقرت الخشبة . كانت ساقه تنز بالدماء دون توقف الوقت ضيق. كان يعرف أن نقل المصاب إلى مكان آخر قد يعني فقدانه.
وفجأة، دخلت امرأة.
و دون أخذ الإذن . ولجت القاعة العسكرية بلا مبالاة صارخة . ترتدي ثوباً بسيطاً من الكتان الرمادي، وصل إلى كاحليها، وكان مثقلاً بجيوب متعددة تبرز منها مقصات وأدوات لا تعرفها هانا. كان ثوبها ملطخاً بالدماء الجافة والجديدة معاً.
كانت طبيبة الإقليم. وكانت الأكثر كفاءة في المنطقة. هذا ما عرفته هانا لاحقاً. لكن ما عرفته في هذه اللحظة هو أن الرجال في الغرفة تغيروا بمجرد دخولها.
الضابطان اللذان كانا يحملان المصاب تراجعا خطوة إلى الخلف، كأنهما يفسحان لها المجال. نظرتهما كانتا خائفتين، محترمتين، ليس فقط من هيبتها، بل من شيء آخر. شيء يشبه الخوف الحقيقي. حتى الضابط المسؤول، الذي كان قبل لحظات جالساً خلف مكتبه بكل ثقله، نهض بالكامل. انحنى لها.
كان واضحاً هنا، في روفينيا، لم تكن ديلارا مجرد طبيبة. كانت تتمتع بسلطة مساوية للنقيب .
دون ان تنظر لأحد مشت مباشرة إلى المصاب. ركعت بجانبه دون تردد، فحصت الجرح بأصابعها السريعة، الحازمة. نظرت إلى الخشبة تحسب زاوية دخولها و مقدار الدماء المفقودة.
“سأحتاج نقله إلى المستوصف أعلى الهضبة.” كان صوتها حاداً، عملياً، لا يحتمل النقاش. “لكن الأمر سيكون شاقاً. النزيف لا يحتمل الانتظار.”
رفعت رأسها. نظرت إلى الضابط المسؤول بعينيها الداكنتين.
“سأحاول علاجه هنا.”
كانت تقرر نيابة عن الجميع هنا . والجميع كان ينتظر ما ستقوله بعد ذلك.
ثم نظرت إلى هانا.
كانت هانا لا تزال واقفة عند الباب دون حراك ، وهي تنظر بذهول إلى المصاب .
نظرت إليها ديلارا بعينيها الحادتين. كانت نظرة تقييم حادة . و عرفت فورا انها نبيلة من العاصمة . فتاة قصور مدللة بجمال مخملي ناعم و آسر .
“أنتِ.” كان صوتها حاداً و آمراً، “احضري لي ملقطاً وعلبة الإسعافات من المبنى الرخامي.”
توقفت هانا. كانت تعرف أنها يجب أن تتحرك و تفعل شيئاً. لكنها لم تكن تعرف أين يقع المبنى الرخامي.
عم الصمت للحظة في المكان .
نظرت إلى ديلارا بعينين مرتبكتين .
“أنا…” بدأت. “لا أعرف أين…”
لم تكمل. كانت نظرة ديلارا كافية لقطع كلماتها.
“أووف….!!!”
“الجميلات ..!! حقا لا منفعة. ترجى منهن .”
الضباط نظروا إلى الأرض. الضابط المسؤول لم يستطع ان يقول شيئاً ازاء هذه الملاحظة الجارحة .
نظرت ديلارا إلى أحد الضابطين.
“أنت. اذهب و احضر ما طلبته بسرعة “
انطلق الضابط دون أن ينبس ببنت شفة.
عادت ديلارا إلى المصاب. بدأت تفحص الجرح بأصابعها و هي تتحدث بصوت خفيض مع المصاب الذي كان يئن من الألم. كانت يداها سريعتين، واثقتين، تعرفان ما تفعلان. كانت تعرف كيف تنقذ حياة، بينما كانت هانا لا تعرف حتى أين يقع المبنى الرخامي.
وقفت هانا في مكانها و هي تراقب هذه المرأة الحديدية أمامها بذهول مطبق .
بعد لحظات عاد الضابط يحمل الملقط وعلبة الإسعافات. ثم بدأ العمل الحقيقي . حركة يد الطبيبة المثالية . د ون ان تتوقف عن ارشاد المريض و طمأنته .
“حسنًا، لا تتحرك كثيرًا. الخشبة دخلت بعمق في الساق، لكن النزيف ليس شديدًا وهذا أمر جيد. أهم شيء الآن ألا نحاول سحبها بسرعة، لأن الخشبة قد تكون تضغط على وعاء دموي وتمنع النزيف من أن يزداد.
خذ نفسًا عميقًا. ” ثبتت ديلارا ساق المريض أولًا حتى لا تتحرك الخشبة أكثر.
” قد تشعر بألم و ضغط حاول أن تبقى هادئا .”
اخذت المطهر و نظفت المنطقة حول الجرح ، ثم حقنت مخدرًا موضعيًا و انتظرت أن يبدأ مفعوله، بدأت تزيل الخشبة ببطء وبزاوية دخولها حتى لا تتمزق الأنسجة أكثر. إذا انكسرت قطعة منها داخل الساق فقد تحتاج إلى فتح الجرح قليلًا لإخراجها بالكامل.
كانت حركة اليد متقنة و ماهرة و هي تلتقط الخشبة و تسحبها من اللحم الممزق .
” سأغسل الجرح جيدًا، لأن الخشب قد يحمل أوساخًا أو بكتيريا، ثم أقرر إن كنت تحتاج إلى غرز أو مجرد ضماد. كذلك قد تحتاج إلى حقنة كزاز إذا لم تأخذها منذ سنوات …لهذا سأطلب نقلك للمستوصف غدا ”
“الآن أخبرني فقط: هل تشعر بتنميل في القدم؟ وهل تستطيع تحريك أصابعك؟”
.أومأ المصاب برأسه بالايجاب .
كان عمل ديلارا قد انتهى بالفعل أخيرا .
بقي المصاب على قيد الحياة. ديلارا أنقذته. بيديها و معرفتها و بخبرتها دون ان تحتاج لاي أحد .
الادراك ضرب هانا كالصاعقة ..ديلارا استمدت سلطتها على الإقليم من قوة معرفتها و قدراتها الفذة .
بعد أن انتهت . نظرت إلى هانا للحظة. كانت نظرة قصيرة، لا تحمل عداءً ولا ازدراءً. كانت فقط نظرة من لا وقت لديه للأشياء غير المفيدة.
“غداً،” قالت بصوتها الحاد. “إذا أردتِ أن تكوني مفيدة، تعالي إلى المستوصف. سأعلمك شيئاً…. إن كنتِ تستطيعين التعلم.”
لم تنتظر جواباً. خرجت من المكتب، تاركة خلفها رائحة الدماء والمطهرات .
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 18"