كان مكتب الماركيز رودريغر في الطابق الأرضي من القصر، غرفة واسعة تطل على الحديقة من خلال نافذة كبيرة تمتد من الأرض إلى السقف. الجدران كانت مغطاة برفوف الكتب، بعضها بالغ القدم، وبعضها يحوي وثائق العائلة وسجلات الأراضي التي كانت تمتد عبر الأجيال. على المكتب الضخم من خشب الماهوجني، كانت تتراكم الأوراق والخرائط والمراسلات التي تنتظر نظره بعد غيابه الطويل.
لكن الماركيز لم يكن ينظر إلى الأوراق. كان واقفاً أمام النافذة، يداه مضمومتان خلف ظهره، ينظر إلى الحديقة دون أن يراها. كانت الشمس قد بدأت تغرب، تلوّن السماء بألوان برتقالية وحمراء، تلقي ظلالاً طويلة على الورود والنافورة.
كلارا كانت واقفة خلفه، على بعد خطوات. كانت تعرفه منذ عشرين عاماً. لطالما حافظ الماركيز على صمته و جموده في أحلك الظروف و صلابته التي لا تلين حتى حين ماتت زوجته انخيليس . لكنها كانت ترى اليوم شيئاً مختلفاً. كان هناك ارتباك في كتفيه .
“كلارا.”
كان صوته جافاً كعادته. لكنه كان أقل حزماً و مسحة من القلق تعلوه .
“نعم، سيدي.”
“هانا…” توقف. كان يبحث عن الكلمات و كأنه لا يعرف يعرف كيف يسأل.
“ما الذي حدث لها؟”
لم تسأل كلارا عما يقصد. كانت تعرف بالضبط أنه سيسأل منذ لحظة اغلقت هانا على نفسها.
“لم أكن أعرف، سيدي. بعد أن سافرت، أغلقت هانا باب غرفتها. لم تخرج لمدة شهر كامل. كانت ترفض الطعام و الاستحمام، و أحجمت عن مقابلة الناس.”
توقف الماركيز عن التنفس. كانت يداه المضمومتان خلف ظهره ترتجفان قليلاً.
“كانت تجلس وحدها في الظلام. لم أكن أعرف ماذا أفعل. كنت أترك الطعام خارج بابها، وكان يعود باردة. كانت تذبل أمام عيني، ولم أستطع فعل شيء.”
صمتت كلارا للحظة. كانت تتذكر هانا في تلك الأيام وجهها الشاحب و عيناها الزرقاوان الغائرتان، جسدها النحيل الذي كان يذوب يوماً بعد يوم. كانت تتذكر كيف كانت تجلس على الأرض أمام المرآة المغطاة، تنظر إليها بساعات دون أن تتحرك.
“ثم تغيرت فجأة. استيقظت ذات صباح وكانت مختلفة. نهضت من السرير، استحمت، أكلت، خرجت إلى المطبخ لتحيي الخادمات. لم أكن أفهم ما حدث لها، لكنها بدت أقوى.”
استدار الماركيز. نظر إلى كلارا بعينيه الداكنتين .و قد غزاهما القلق .
“هل تعرفين سبب اضطراب سلوكها ؟”
ترددت كلارا. لم تكن تعرف أكثر مما قالت.
“لا أعرف، سيدي. لكنني أعرف أنها كانت خائفة بشدة من شيء ما “
صمت الماركيز. عاد لينظر من النافذة. كان يفكر في ابنته التي تركها عندما سافر. هانا لطالما كانت صغيرة و مطيعة، تفعل ما يطلب منها دون أن تتذمر. كان يعتقد أنها بخير و أن كل شيء يسير كما خطط.
لكن الحقيقة أنها كانت تنهار.
“شكراً لك كلارك يمكنك الانصراف “
انحنت كلارا، وخرجت من المكتب، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
—
بقي الماركيز واقفاً أمام النافذة لوقت طويل. كانت الشمس قد غابت تماماً، والسماء تحولت إلى قماش من الأرجواني والذهبي المتداخلين. في الحديقة، أضاء الخدم المشاعل الأولى، لترسم دوائر من الضوء على الممرات الحجرية.
مشى إلى مكتبه. جلس على الكرسي الجلدي الثقيل. نظر إلى الأوراق المتراكمة أمامه. كان معظمها من المراسلات العادية، تقارير عن الأراضي، رسائل من مستثمرين، طلبات من النبلاء الجدد. لكنه لم يكن يبحث عن هذه.
فتح الدرج السفلي من المكتب حيث يحتفظ فيه بأهم وثائقه. أخرج منه ملفاً سميكاً، مربوطاً بشريط من الجلد الأسود.
أوراق مفاوضات الزواج مع البلاط الإمبراطوري.
وضع الملف على المكتب أمامه. نظر إليه طويلاً. كان يعرف كل كلمة فيه بما انه هو من صاغها للتفاوض عليها . حتى أنها تحمل إمضاءه و ختمه الخاص . كان يظنها أعظم إنجازاته السياسية. فبهذا يكون ضمن لابنته مستقبلاً آمناً و لعائلته مكانة لا تزعزع في الإمبراطورية الجديدة.
فتح الملف. بدأ يقرأ.
البنود كانت مكتوبة بخط دقيق و بلغة قانونية جافة. شروط الزواج مرفقة ببنود شروط نقل ولاء إقليم دارنيل ، شروط التحالف السياسي و الميراث. كان كل شيء مرتباً، واضحاً، لا غموضو لا لبس فيه.
هانا كانت ستكمل السابعة عشرة بعد خمسة أشهر. عندها، سيكون الزواج قد تم بالفعل . ستصبح زوجة ولي العهد كايدن و الأمبراطورة الموعودة .
كان هذا هو المخطط الذي عمل من أجله .
لكنه الآن، لم يعد واثقاً.
كان واثقاً قبل سفره. كان واثقاً عندما تفاوض مع الإمبراطور دونكان، والد كايدن بأن هذا الزواج سيكون بداية عهد جديد لعائلته و بأن كايدن، رغم برودته، سيكون زوجاً مناسباً لابنته.
لكنه رأى ابنته اليوم تنهار و في لحظة اشتعل حدسه بنذير شؤم خطير .
تذكر كلمات كلارا “كانت خائفة. خائفة بشدة.”
خائفة من ماذا؟
شعر بغصة في حلقه. كان يعرف أنه رجل بارد و لم يكن أباً حنوناً. كان يعتقد أن هذا لا يهم. طالما يمكنه توفير الحماية والمكانة لابنته فهذا ما يهم حقا ، وليس إظهار المشاعر.
لكن عندما انهارت ابنته بين يديه شعر ان كل قناعاته تتداعى . و كان ألم رؤيتها بهذا المنظر الشنيع يمزق فؤاده .
مد يده إلى الأوراق. لمسها بأطراف أصابعه. كانت باردة، جامدة، كالخطة التي وضعها لحياة ابنته.
نظر إليها طويلاً. كان واثقاً بالمضي فيها. كان يعتقد أنها الصواب. لكنه الآن كان مليئاً بالتردد.
نهض من الكرسي فجأة. كان قراره لم يتخذ بعد، لكن يديه كانتا تعرفان ما تفعلان.
أمسك الأوراق. كلها. الملف كاملاً. البنود، الشروط، التوقيعات، كل ما خططه وسعى إليه لسنوات.
مشى إلى المدفأة. كانت النار مشتعلة فيها، تلقي ضوءها البرتقالي على وجهه.
وقف أمامها. نظر إلى الأوراق في يديه. كانت هذه مستقبل ابنته. كانت هذه خطته. كانت هذه ثمن إقليم دارنيل. كانت هذه وعوده للإمبراطور دونكان. كانت هذه كل شيء عمله في السنوات الأخيرة.
لم يعد واثقاً. لم يعد يعرف ما إذا كان هذا هو الصواب و ما إذا كان يستطيع أن يضع ابنته في هذا الزواج، مع هذا الرجل، في هذا المستقبل الذي لا يعرفه.
ألقى الأوراق في النار.
اشتعلت بسرعة. كانت النيران تلتهم الورق، و معها السنوات التي قضاها في التفاوض والتخطيط. كان الورق يتحول إلى رماد في مدفأة يعلوها السخم .
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 17"