كانت هانا لا تزال واقفة أمام النافذة عندما اقتحمت شارون الغرفة دون أن تطرق الباب.
“آنستي !! آنستي!” كانت الخادمة الشابة تلهث . “لقد عاد الماركيز! عربته دخلت بوابة القصر قبل لحظات!”
توقفت هانا عن التنفس.
الكلمات دوت في رأسها كالرعد. الماركيز. والدها. عاد.
لم تكن تعرف ماذا تشعر. كانت ذكريات المستقبل لا تزال عالقة في صدرها، ثقيلة و مريرة. تذكرت كيف كان يقف إلى جانبها في قاعة الزفاف، يمسك بذراعها بفخر، يعتقد أنه يحميها. بعد ذلك نُفي إلى قصر أرشيل البعيد وقتها خسر كل شيء و مات وحيداً في قلعة باردة.
لكنه الآن، كان حياً . على بعد خطوات منها.
شعرت بجسدها ينتفض. كانت المشاعر تتصاعد من أعماقها .
“سأنزل لاستقباله،” قالت، وصوتها كان مبحوحاً.
لم تنتظر رد شارون. مشت إلى باب الغرفة بسرعة، ثم أسرعت خطواتها في الممر و عي تركض تقريباً على الدرج. كانت تلهث، وقلبها يدق بسرعة لا تطاق . جالت عيناها تبحثان عن شكل والدها بين الخدم الذين كانوا يتحركون في الردهة.
كانت تتحرق بلهفة لرؤيته.
—
الردهة الكبيرة للقصر كانت تعج بحركة الخدم الذين كانوا يصطفون في ما يشبه الطابور ، رؤوسهم منحنية، وجوههم جادة. كانوا يستعدون لاستقبال سيد القصر بعد غياب طويل.
الماركيز استيفان رودريغر لم يكن رجلاً يحب إظهار المشاعر. كان معروفاً بصلابته و قلة كلامه. خدمه الذين عرفوه هكذا لسنوات. لم يروه يبتسم أبداً الا نادرا.
لكنهم كانوا يحترمونه. و يعرفون أن تحت هذه الصلابة، كان هناك رجل يحمي عائلته تحت اي ظرف ، حتى لو كان الثمن باهظاً.
كانت هانا واقفة في نهاية الصف، بجانب السيدة كلارا. كانت تتنفس بصعوبة و بصعوبة أيضا تخفي رجفة جسدها . كانت تحاول أن تهدئ نفسها و تتماسك . كما يتوقع منها والدها ان تظهر دائما ، ابنة نبيلة هادئة، متحفظة .
لكنها كانت تفشل.
سمعت صوت العربة يتوقف خارج البوابة. تلاها صدى خطواته على الرصيف الحجري بينما باب القصر الرئيسي يفتح.
ودخل.
كان طويلاً، ممشوقاً، شعره الداكن يعلوه الشيب قليلاً، وملامحه حادة تشبه ملامح هانا. كان يرتدي ثياب سفر داكنة، وعباءة سوداء على كتفيه بينما وجهه المحايد، لا يعكس أي مشاعر.
تقدم في الردهة ببطء. كان ينظر إلى الخدم المصطفين على جانبيه، يلقي التحية الجافة . لقد كان الماركيز كما يعرفه الجميع ، بارد و متحفظ، لا يعرف كيف يظهر ما في قلبه.
الخدم كانوا يتحركون بجدية. بعضهم حمل أمتعته، وآخرون أسرعوا لإعداد الطعام، وآخرون وقفوا في انتظار أوامره. كان الترحيب حاراً، لكنه كان ترحيباً محترماً، صامتاً، لا ضجة فيه.
وصل إلى حيث كانت هانا واقفة.
توقفت هانا عن التنفس. نظرت إليه. كان على بعد خطوات منها ، حياً و حقيقيا هنا في هذه اللحظة. نظر إليها بعينيه الداكنتين و وجهه الجامد .
ثم اكتفى بتحية جافة.
“هانا.”
” أتمنى أنك كنت بخير “
هذا هو الماركيز. هذا هو والدها. هذا هو الرجل الذي ظن أنه يحميها ببيعها لرجل لا يرحم. هذا هو الرجل الذي عانى من أجلها، و نفي من أجلها، لكنه لم يستطع أبداً أن يقول لها كلمة حب واحدة.
شعرت هانا بغصة في حلقها. كانت المشاعر تتصاعد في صدرها، تهدد بالانفجار. اجتاحتها رغبة في أن ترمي بنفسها بين ذراعيه و تبكي على صدره . كانت تريد أن تقول له: أعرف ما سيحدث. أعرف أنه سيقتلك. أعرف أنه سينفيك، ، ويتركك تموت وحيداً.
لكنها لم تستطع. كانت تعلم أنه لن يفهم. فالماركيز لا يظهر المشاعر، ولا يتقبلها من الآخرين. كان انهيارها الآن سيربكه، و يحرجه و ربما يغضبه.
خفضت رأسها و هي تضغطت على شفتيها بقوة. كانت تحاول أن تكتم المشاعر التي كانت تهدد بالانهيار. تحاول بكل ما اوتيت من قوة أن تكون ابنته الباردة، المتحفظة، التي لا تبكي.
“أهلاً بعودتك،” قالت. صوتها كان مبحوحاً، مرتجفاً، بالكاد مسموعاً.
أومأ برأسه في حركة واحدة، جافة . ثم تجاوزهاو إلى الأمام، كأن اللقاء قد انتهى.
كانت هانا لا تزال واقفة في مكانها. تنظر إلى ظهره وهو يبتعد. في تلك اللحظة شعرت بأن الدموع التي كتمتها منذ لحظات ستنفجر منها قسراً.
“أبي.”
نطقتها دون أن تقصد. كانت الكلمة تخرج من أعماقها، من مكان لا تسيطر عليه. صوت هانا الصغيرة التي كانت تخاف من والدها، وتحبه، وتحتاج إلى حبه.
توقف الماركيز.
واقفاً في منتصف الردهة، ظهره لها، جسده متصلباً. كان الخدم ينظرون في حيرة. لم يسمعوا هانا تنادي والدها بهذه النبرة من قبل. لم يسمعوا صوتها يرتجف هكذا.
كانت الدموع قد بدأت تتساقط. كانت رقراقة في عينيها الزرقاوين، ثم انسكبت على خديها دون أن تستطيع إيقافها. بينما اهتز جسدها في ارتجاف و شهقات متلاحقة . و صوتها المخنوق بالبكاء خرج مثل هدير لين مليء بالألم .
“أبي…”
نظرت إليه. كانت تنظر إلى ظهره، إلى كتفيه العريضين، إلى رأسه المرفوع بفخر. كانت تراه كما رأته في ذكرياتها: واقفاً إلى جانبها في حفل الزفاف، ثم جالساً في قاعة قصر باردة ينتظر الموت.
وكانت تعرف أنها قد لا تحصل على فرصة أخرى. هذه اللحظة بالذات قد لا تتكرر. والدها، الذي لا يعرف كيف يظهر الحب، قد لا يعيش ليراها مجددا ، أو ليعرف أنها سامحته و أنها كانت تحبه رغم كل شيء.
لطالما أحبت هانا والدها رغم المصير الذي آلت إليه . لقد سامحته و لم تلقي باللوم و لو للحظة عليه .
و الان كانت تبكي أمام كل الخدم، أمام السيدة كلارا، أمام والدها الذي لم يرها تبكي أمامه منذ كانت طفلة صغيرة.
الخدم أصيبوا بالذهول. كانت العيون تتجه إليها في دهشة بالغة من جلال الموقف . لم يروا هانا تبكي هكذا من قبل او يروها تنهار بهذه الطريقة.
السيدة كلارا كانت تنظر إليها بقلق، لا تعرف ماذا تفعل. كانت تريد أن تتدخل و تهدئها، لكنها كانت تعلم أن هذا ليس وقتها.
والماركيز…
استدار .
لم يكن استدارته البطيئة المتأنية كعادته. كانت استدارة سريعة، مرتاعة. سمع في صوتها شيئاً لم يسمعه من قبل.
عاد إليها بخطوات سريعة، غير معتادة عليه. كان وجهه لا يزال جامداً، لكن عينيه الداكنتين كانتا تبحثان في وجهها عن شيء. كان يبحث عن تفسير و سبب لهذا الانهيار الذي لم يتوقعه.
“هانا، ما الأمر؟”
كان صوته مختلفاً. لم يكن الصوت الجاف البارد الذي تعرفه. كان فيه قلق. كان فيه شيء يشبه الخوف. كان يريد أن يفهم. كان يريد أن يعرف ما الذي أصاب ابنته.
لم تنتظر هانا أكثر من ذلك.
انطلقت نحوه . لم تكن تستطيع التحكم بجسدها. كانت الدموع تغطي وجهها، وكانت يداها تمدان إليه، وكانت تريد أن تلمسه، أن تشعر بأنه حقيقي، و تتأكد أنه لا يزال هنا.
قربها إليه.
كانت خطوته الأولى نحوه في حياتها. كان الماركيز لا يقترب من أحد. كان يبقي الجميع على مسافة. لكنه هذه المرة، مد ذراعيه. كانت حركته خجولة، غير معتادة، كأنه يفعل شيئاً لا يعرف كيف يفعله. لكنه فعلها.
وضع يده على كتفها. كانت يده ثقيلة، كبيرة، لكنها كانت ترتجف قليلاً. نظر إليها من فوق، إلى شعرها الذهبي المنكسر، إلى وجهها المبلل بالدموع، إلى عينيها الزرقاوين اللتين كانتا تنظران إليه كأنها تراه لأول مرة.
شعر بشيء لا يشعر به غالباً. شعر بالخوف. ليس خوفاً على نفسه، بل خوفاً عليها. كان قد قضى حياته يحميها من بعيد، يرتب لها زواجاً يظنه آمناًو يخطط لمستقبلها ببرود وحساب. لكنه في هذه اللحظة، وهو يراها تنهار بين يديه، شعر لأول مرة أن كل ما سعى لحمايته كان مهدداً. أن هناك شيئاً لا يستطيع السيطرة عليه. أن هناك شيئاً في ابنته لا يعرفه.
“هانا…” قال مرة أخرى، وصوته كان أقل صلابة. “أخبريني. ما الخطب ؟”
لم تستطع الكلام . مع كلماته الرقيقة زادت وتيرة بكائها .
الأب المرتاع أحاطها بذراعيه على مرأى من نظرات الذهول المحاطة بهم من كل جانب .
فقط احتظنها و سمح لها ان تطلق أنينها الآخذ بالتصاعد .
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 16"