عادت العربة إلى قصر الماركيز قبيل منتصف الليل. لم تكن هانا تتذكر متى غادرت الحفلة، ولا كيف صعدت إلى العربة، ولا الطريق الذي قطعته عبر شوارع ألغار الهادئة. كانت الذكريات لا تزال تتصاعد في رأسها، تغمرها .
نزلت من العربة بخطوات غير ثابتة. كلارا كانت تنتظرها عند المدخل، وجهها مليء بالقلق. مدّت يدها لمساعدتها، لكن هانا لم ترها. مشت عبر الردهة الكبيرة انعطفت عبر الممرات الطويلة و صعدت الدرج الرخامي الفاخر، ثم فتحت باب غرفتها دون أن تنبس بكلمة.
أغلقت الباب خلفها. استندت إليه للحظة .
الغرفة كانت هادئة. مظلمة. ستائر النافذة مسدلة بإحكام، لا يصل منها إلا خيط ضئيل من الضوء الرمادي. كان الأثاث الفيكتوري الثقيل يبدو في الظلام كوحوش نائمة. المرآة المغطاة بملاءة سوداء كانت واقفة في زاويتها، صامتة، تنتظر.
مشت هانا إلى سريرها، وجلست على حافته. لم تكن تبكي. كانت فقط… فارغة. منهكة. كأن كل شيء في داخلها قد تجمد.
ثم، فجأة، وبدون مقدمات، ضربتها ذاكرة أخرى.
لم تكن كالتي سبقتها. لم تكن صورةً عابرة، ولا مشهداً سريعاً. كانت كموجة هائلة، تندفع من أعماقها، تغمرها بالكامل.
رأت هانا. رأتها بوضوح لم ترَه من قبل.
كانت في غرفة فاخرة، لكنها ليست هذه الغرفة. كانت غرفة القصر الإمبراطوري. الغرفة التي رأتها في ذكرياتها مع كايدن. كانت مستلقية على السرير، مرتدية ثوب نوم أبيض، وشعرها الذهبي منسدل على الوسادة.
لكنها كانت تحتضر.
كان وجهها شاحباً كالشمعة، شفتاها زرقاوان، عيناها الزرقاوان مفتوحتان لكنهما لا ترى شيئاً. كان جسدها نحيلاً، هزيلاً، كأن الحياة انسحبت منه ببطء. كانت تتنفس بصعوبة، بأنفاس قصيرة متقطعة.
وإلى جانبها، كان هناك رجل. لم تره هانا من قبل. كان طويلاً، يرتدي ثياب الأطباء، وجهه قلق. كان يمسك بيدها، يضع أصابعه على نبضها ثم يهز رأسه بحزن.
“لقد فات الأوان،” سمعت صوته كأنه قادم من بعيد. “لقد تركت نفسها تموت ببطء. لم نعد نستطيع فعل شيء.”
كانت هناك امرأة أخرى في الغرفة. امرأة ترتدي ثياباً داكنة، تبكي بصمت. كانت كلارا. كلارا التي تعرفها. كلارا التي كانت أكبر سنا و وجهها أعمق تجاعيد، لكنها كانت هي.
“الآنسة هانا…” همست كلارا. “لماذا فعلتِ هذا بنفسك؟”
كانت سيو يوجين هناك. كانت تنظر إلى نفسها وهي تموت.
رأت كيف كانت عيناها الزرقاوان تطفآن ببطء و تنفسها يتباطأ. بعد لحظات كان جسدها يستسلم. كانت تموت. هانا كانت تموت.
وفي لحظتها الأخيرة، رأت شيئاً. رأت الضوء. الضوء الأبيض الناصع الذي رأته سيو يوجين قبل أن تنتقل إلى هذا العالم. كان يملأ الغرفة، يغمرها، يرفعها.
وسمعت صوتاً. صوتاً قديماً، عميقاً، لا يشبه أي صوت سمعته من قبل.
“لقد حان الوقت. ستعودين إلى البداية. ستعيشين حياتك مرة أخرى. لكن هذه المرة… ستتذكرين.”
—
فتحت هانا عينيها.
كانت تجلس على حافة سريرها في قصر الماركيز. كان جسدها يرتجف، ويديها باردة، ووجهها مغطى بالعرق البارد.
هانا ماتت. هانا ماتت في المستقبل.
كانت هذه هي الحقيقة. كل ما رأته من ذكريات لم يكن مستقبلاً ستعيشه. كان مستقبلاً عاشته و انتهى بموتها.
وصلت إلى نهاية حياتها. ثم عادت إلى البداية. حيث كان عمرها سبعة عشر عاماً في هذه الغرفة. عادت إلى هذا الجسد.
لكنها عادت ومعها شيء لم يكن معها من قبل. عادت ومعها ذكرى كل ما عاشته و هي سيو يوجين.
توقفت.
نهضت فجأة من السرير، وسارت إلى المرآة الكبيرة المغطاة بملاءة سوداء ..سحبت الغطاء بتردد . نظرت إلى وجهها. وجه هانا. الشعر الذهبي، العيون الزرقاء، البشرة البيضاء. وجه الفتاة التي عاشت وماتت وعادت.
لكنها لم تكن ترى هانا فقط. كانت ترى شيئاً آخر.
أغمضت عينيها و هي تذكر كل شيء. الميتم في سيول. الأسرة الحديدية الباردة. الرماية. الذهبية الأولمبية. المرض. التنمر. الحبوب في راحة يدها. الضوء الأبيض. الصوت الذي قال: “سوف تولدين من جديد.”
فتحت عينيها. نظرت إلى المرآة مرة أخرى.
لقد أدركت أخيرا كل شيء .
لم تكن سيو يوجين امرأة أخرى دخلت جسد هانا. و لا روحاً غريبة حلّت في مكان لا ينتمي إليها و لا تنتمي إليه.
سيو يوجين كانت هانا. هانا كانت سيو يوجين.
كانتا شخصاا واحدا منذ البداية.
هذه هي الحقيقة المروعة التي كانت تبحث عنها منذ أن استيقظت في هذا الجسد.
لم تكن قد انتقلت من عالم إلى آخر. لم تكن قد تركت حياة لتعيش حياة أخرى. كانت قد عادت إلى حياتها. إلى بدايتها. إلى جسدها الشاب قبل أن يمر بكل ما مر به. قبل أن يمرض، قبل أن يتزوج، قبل أن يموت.
سيو يوجين لم تكن بطلة رماية كورية. كانت هانا. كانت هانا التي عاشت حياة أخرى في مستقبل لم يحدث بعد. كانت هانا التي تجسدت في جسد امرأة كورية، عاشت فيه، عانت فيه، وماتت فيه. ثم عادت إلى حيث بدأت.
كانت تتذكر الآن كل شيء .
توقفت هانا عن التنفس للحظة. شعرت بالغثيان يتصاعد من أعماقها. كانت الحقيقة ثقيلة جداًو مروعة بكل لا تستطيع احتماله .
كانت تعرف كل ما سيحدث لأنه حدث بالفعل .
شعرت بالدوار. كانت معدتها تنقبض، وقلبها يدق بسرعة لا تطاق، وأنفاسها تتصاعد متقطعة.
“لا…” همست. “لا يمكن…”
شعرت بالغثيان يتصاعد بقوة. لم تستطع السيطرة عليه. قفزت من على السرير، وهرولت إلى الحمام الملحق بالغرفة.
وصلت إلى المرحاض في اللحظة الأخيرة. انحنت عليه، وأخذت تتقيأ بعنف و شراسة، وكأن جسدها كان يحاول ان يتخلص من كل ما رأته و ما عرفته.
بكت وهي تتقيأ. كانت الدموع تتساقط على خديها، مختلطة بالعرق و اللعاب .
توقفت عن التقيؤ بعد دقائق. جلست على الأرض الباردة في الحمام، تستند إلى الحائط، وجسدها يرتجف، ودموعها لا تتوقف.
نظرت إلى يديها. اليدان البيضاء الناعمتان. يدا هانا. يداها. كانت تعرف الآن أنها يداها حقاً. ليس جسداً استعارته، بل جسدها. جسدها الحقيقي. جسدها الأول.
“أنا هانا،” همست بصوت مبحوح. “وأنا سيو يوجين. أنا الاثنتان معاً.”
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"